الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ﴾ : الجمهورُ على سكونِ واوِ " أو " وهي هنا للتفصيلِ، وقيل : للتخيير بين التعجب مِنْ شأنهما. وقرأ أبو سفيان ابن حسين " أوَ " بفتحِها، على أنها واوُ العطفِ، والهمزةُ قبلها للاستفهام.
وفي قوله :﴿كَالَّذِي﴾ أربعةُ أوجهٍ، أحدُها : أنه عطفٌ على المعنى وتقديرُه عند الكسائي والفراء : هل رأيتَ كالذي حاجَّ إبراهيم أو كالذي مَرَّ على قرية، هكذا قال مكي، أمَّا العطفُ على المعنى فهو وإنْ كان موجوداً في لسانهم كقوله :
وقول الآخر :
فإنَّ معنى الأولِ : ليسَ بمكثرٍ ولذلك عَطَفَ عليه " ولا بِحَقَلَّدِ " ومعنى الثاني : أَجِدَّك لستَ براءٍ، ولذلك عَطَفَ عليه " ولا متداركٍ "، إلا أنهم نَصُّوا على عدمِ اقتياسِه.
الثاني : أنه منصوبٌ على إضمارِ فعلٍ، وإليه نَحَا الزمخشري، وأبو البقاء، قال الزمخشري :" أو كالذي : معناه أو رَأَيْتَ مثلَ الذي "، فَحُذِفَ لدلالةِ " ألم تَرَ " لأنَّ كلتيهما كلمتا تعجُّبٍ، وهو حسنٌ، لأنَّ الحذفَ ثابتٌ كثيرٌ بخلافِ العطفِ على المعنى.
الثالث : انَّ الكافَ زائدةٌ كهي في قوله :﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
[الشورى: ١١] وقول الآخر :
والتقدير : ألم تَرَ إلى الذي حاجَّ، أو إلى الذي مَرَّ على قريةٍ. وفيه ضعفٌ لأنَّ الأصلَ عدمُ الزيادةِ.
والرابع : أنَّ الكافَ اسمٌ بمعنى مِثْل، لا حرفٌ، وهو مذهبُ الأخفش وهو الصحيحُ من جهةِ الدليل، وإنْ كان جمهورُ البصريين على خلافِه، فالتقديرُ : ألم تَرَ إلى الذي حاجَّ، أو إلى مِثْل الذي مَرَّ وهو معنى حسنٌ. وللقولِ باسميةِ الكافِ دلائلُ مذكورةٌ في كتب القوم، ذَكَرْنَا أحسَنها في هذا الكتابِ، منها معادَلَتُها في الفاعليةِ ب " مثل " في قوله :
ومنها دخولُ حروف الجرِ، والإِسناد إليها. وتقدَّم الكلامُ في اشتقاقِ القرية.
قوله :﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ هذه الجملةُ فيها/ خمسةُ أوجهٍ، أحدُها أنْ تكونَ حالاً من فاعلِ " مَرَّ " والواوُ هنا رابطةٌ بين الجملةِ الحاليةِ وصاحبها، والإِتيانُ بها واجبٌ لخلوِّ الجملةِ من ضميرٍ يعودُ إليه. والثاني : أنها حالٌ من " قرية " : إمَّا على جَعْل " على عروشها " صفةً لقرية على أحدِ الأوجهِ الآتيةِ في هذا الجارِّ، أو على رأي مَنْ يجيزُ الإِتيانَ بالحالِ من النكرة مطلقاً، وهو ضعيفُ عند سيبويهِ. الثالث : أنها حالٌ من " عروشها " مقدَّمةٌ عليه، تقديرُه : مَرَّ على قرية على عروشِها وهي خاويةٌ.
الرابع : أن تكونَ حالاً من " ها " المضافِ إليها " عروش " قال أبو البقاء :" والعاملُ معنى الإِضافة وهو ضعيفٌ مع جوازه " انتهى. والذي سَهَّل مجيءَ الحال من المضاف إليه كونُه بعضَ المضافِ، لأنَّ " العروش " بعضُ القريةِ، فهو قريبٌ من قولِه تعالى :﴿مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً﴾ [الأعراف: ٤٣]. الخامس : أن تكونَ الجملةُ صفةً لقرية، وهذا ليسَ بمرتضى عندَهم، لأنَّ الواوَ لا تَدْخُلُ بين الصفةِ والموصوفِ، وإنْ كانَ الزمخشري قد أجازَ ذلك في قوله تعالى :﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] فَجَعَل " ولَهَا كتابٌ " صفةً، قال :" وتوسَّطت الواوُ إيذاناً بإلصاق الصفة بالموصوف " وهذا مذهبٌ سبقه إليه أبو الفتح ابن جني في بعضِ تصانيفِه، وفيه ما تقدَّم، وكأنَّ الذي سَهَّل ذلك تشبيهُ الجملة الواقعة صفةً بالواقعَةِ حالاً، لأنَّ الحالَ صفةٌ في المعنى. ورتَّب أبو البقاء جَعْلَ هذه الجملة صفةً لقرية على جوازِ جَعْلِ " على عروشها " بدلاً من " قرية " على إعادةِ حرفِ الجر ورتَّب جَعْلَ " وهي خاويةٌ " حالاً من العروش أو من القرية أو مِنْ " ها " المضافِ إليها على جَعْلِ " على عروشها " صفةً للقرية، وهذا نصُّه قد ذكرتُه ليتضِحَ لك، فإنه قال :" وقيل هو بدلٌ من القرية تقديرُه : مَرَّ على قرية على عروشها أي : مَرَّ على عروش القرية، وأعادَ حرفَ الجر مع البدلِ، ويجوز أن يكونَ " على عروشها " على هذا القول صفةً للقريةِ لا بدلاً، تقديرُه : على قريةٍ ساقطةٍ على عروشها، فعلى هذا يجوزُ أن تكونَ " وهي خاويةٌ " حالاً من العروشِ وأن تكونَ حالاً من القرية لأنها قد وُصِفَتْ، وأن تكونَ حالاً من " ها " المضافِ إليه، وفي هذا البناءِ نظرٌ لا يخفى.
قوله :﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ فيه أربعةُ أوجه، أحدُها : أن يكونَ بدلاً من " قرية " بإعادة العاملِ. الثاني : أن يكونَ صفةً ل " قرية " كما تقدَّم تحقيقُه، فعلى الأولِ يتعلَّقُ ب " مَرَّ " لأنَّ العاملَ في البدلِ العاملُ في المُبْدَلِ منه، وعلى الثاني يتعلَّقُ بمحذوفٍ أي : ساقطةٍ على عروشِها. الثالث : أن يتعلَّقَ بنفسِ خاوية، إذا فَسَّرنا " خاوية " بمعنى متهدِّمة ساقطة. الرابع : أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ يَدُلُّ عليه المعنى، وذلك المحذوفُ قالوا : هو لفظُ " ثابتة "، لأنهم فَسَّروا " خاويةٌ " بمعنى : خاليةٌ مِنْ أهلِها ثابتةٌ على عروشِها، وبيوتُها قائمةٌ لم تتهدَّمْ، وهذا حَذْفٌ من غيرِ دليلٍ ولا يتبادَرُ إليه الذهن. وقيل :" على " بمعنى " مع " أي : مع عروشِها، قالوا : وعلى هذا فالمرادُ بالعروشِ الأبنيةُ.
والخاوي : الخالي. يقال : خَوَتِ الدارُ تَخْوِي خَواءً بالمد، وخُوِيَّاً، وخَوِيَتْ أيضاً بكسرِ العينِ تَخْوَى خَوَىً بالقصر، وخَوْياً.
والخَوَى : الجوعُ لخلوِّ البطنِ من الزاد. والخَوِيُّ على فَعِيل : البطنُ السهل من الأرض، وخَوَّى البعيرُ : جافى جَنْبَه عن الأرض. قال :
والعروشُ : جمعُ عَرْش، وهو سقفُ البيت، وكذلك كل ما هُيِّىء ليُسْتَظَلَّ به. وقيل : هو البنيانُ نفسُه، قال :
قوله :﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ في " أنِّى " وجهان، أحدُهما : أَنْ تكونَ بمعنى " متى " قال أبو البقاء :" فعلى هذا تكونُ ظرفاً " والثاني : انها بمعنى كيف. قال أبو البقاء : فيكونُ موضعُها حالاً من " هذه " وتقدَّم لما فيه من الاستفهام، والظاهر انها بمعنى كيف، وعلى كلا القولين فالعاملُ فيها " يُحْيي ". و " بعد " أيضاً معمولٌ له. والإِحياءُ والإِماتةُ مَجازٌ إنْ أُريدَ بهما العمرانُ والخرابُ، أو حقيقةٌ إنْ قَدَّرْنا مضافاً أي : أنَّى يُحْيي أهلَ هذه القريةِ بعد مَوْتِ أهلِها، ويجوزُ أن تكونَ هذه إشارةً إلى عظامِ أهلِ القريةِ البالية وجثثهم المتمزقةِ، دَلَّ على ذلك السياقُ.
قوله :﴿مِئَةَ عَامٍ﴾ قال أبو البقاء :" مئة عام ظرفٌ لأماتَه على المعنى، لأنَّ المعنى ألبثه مئة عام، ولا يجوزُ أن يكونَ ظرفاً على ظاهر اللفظِ، لأنَّ الإِماتةَ تقعُ في أدنى زمان، ويجوزُ أن يكونَ ظرفاً لفعلٍ محذوف تقديرُه :" فأَماته اللهُ فلبِثَ مئة عام "، ويَدُلُّ على ذلك قولُه :" كم لَبِثْتَ "، ولا حاجَةَ إلى هذين التأويلين، بل المعنى جَعَلَه ميِّتاً مئة عام.
و " مئة " عقدٌ من العدد معروفٌ، ولامُها محذوفةٌ، وهي ياءٌ، يدُلُّ على ذلك قولُهم :" أَمْأَيْتُ الدراهم " أي : صَيَّرْتُها مئةً، فوزنُها فِعَة ويُجْمَع على " مِئات " وشذَّ فيها مِئُون قال :
كأنهم جَرَوها بهذا الجمعِ لِما حُذِفَ منها، كما قالوا : سِنون في سَنَة.
والعامُ مدةٌ من الزمانِ معلومةٌ، وعينُهُ واوٌ لقولِهم في التصغير، عُوَيْم، وفي التكسير :" أَعْوَام ". وقال النقاش :" هو في الأصلِ مصدَرٌ سُمِّيَ به الزمانُ لأنه عَوْمَةٌ من الشمس في الفلك، والعَوْمُ : هو السَّبْح. وقال تعالى :
﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] فعلى هذا يكونُ العامُ والعَوْمُ كالقَوْل والقَال ".
قوله :﴿كَمْ﴾ منصوبٌ على الظرفِ، ومميِّزُها محذوفٌ تقديرُهُ : كم يوماً أو وقتاً. والناصبُ له " لَبِثْتَ "، والجملةُ في محلِّ نصبٍ بالقولِ، والظاهرُ أنَّ " أو " في قوله :﴿يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ بمعنى " بل " للإِضراب وهو قولٌ ثابتٌ، وقيل : هي للشك. وقوله :﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ﴾ عَطَفَتْ " بل " هذه الجملةَ على جملةٍ محذوفةٍ تقديرهُ : ما لبثتُ يوماً أو بعضَ يوم، بل لبثتُ مئةَ عام.
وقرأ نافع وعاصم وابن كثير بإِظهارِ الثاء في جميع القرآن، والباقُون بالإِدغام.
قوله :﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال. وزعم بعضُهم أن المضارعَ المنفيَّ ب " لم " إذا وَقَع حالاً فالمختارُ دخولُ واوِ الحال وأنشد :/
وزعم آخرون أنَّ الأَوْلَى نفيُ المضارعِ الواقعِ حالاً بما ولمَّا وكلا الزعمين غيرُ صحيحين. لأنَّ الاستعمالَيْنِ واردان في القرآنِ، قال تعالى :
﴿فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، وقال تعالى :﴿أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣] فجاء النفيُ ب لم مع الواوِ ودونِها.
قيل : قد تقدَّم شيئاَن وهما " طعامِك وشرابِك " ولم يُعِدِ الضميرَ إلا مفرداً، وفي ذلك ثلاثةُ أجوبةٍ، أحدُها : أنهما لمَّا كانا متلازِمَيْنِ، بمعنى أنَّ أحدَهما لا يُكْتَفَى به بدونِ الآخر صارا بمنزلةِ شيءٍ واحدٍ حتى كأنه [ قال :] فانظُرْ إلى غذائِك. الثاني : أنَّ الضميرَ يعودُ إلى الشراب فقط، لأنه أقربُ مذكورٍ، وثَمَّ جملةٌ أخرى حُذِفَتْ لدلالةِ هذه عليها. والتقديرُ : وانظرْ إلى طعامِكَ لم يَتَسَنَّهْ وإلى شرابِك لم يَتَسَنَّهْ، أو يكونُ سكتَ عن تغيُّرِ الطعامِ تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، وذلك أنه إذا لم يتغيَّرِ الشرابُ مع نَزْعَة النفس إليه فَعَدَمُ تغيُّر الطعامِ أَوْلَى، قال معناه أبو البقاء. والثالث : أنه أفردَ في موضِعِ التثنيةِ، قاله أبو البقاء وأنشد :
وليس بشيءٍ.
وقرأ حمزةُ والكسائي :" لم يَتَسَنَّهْ " بالهاء وقفاً وبحذفها وصلاً، والباقون بإثباتِها في الحالين. فأمَّا قراءتهما فالهاءُ فيها للسكتِ. وأمَّا قراءةُ الجماعَةِ فالهاء تحتملُ وجهين، أحدُهما : أن تكونَ أيضاً للسكتِ، وإنما أُثبتت وصلاً إجراء للوصلِ مُجْرى الوقفِ، وهو في القرآن كثيرٌ، سيمرُّ بك منه مواضعُ، ف
وفي قوله :﴿كَالَّذِي﴾ أربعةُ أوجهٍ، أحدُها : أنه عطفٌ على المعنى وتقديرُه عند الكسائي والفراء : هل رأيتَ كالذي حاجَّ إبراهيم أو كالذي مَرَّ على قرية، هكذا قال مكي، أمَّا العطفُ على المعنى فهو وإنْ كان موجوداً في لسانهم كقوله :
| تقيٌّ نقيٌّ لم يُكَثِّرْ غنيمةً | بِنَهْكَةِ ذي قُرْبى ولا بِحَقَلِّدِ |
| أجِدَّكَ لن تَرَى بثُعَيْلِباتٍ | ولا بَيْدَانَ ناجيةً ذَمُولا |
| ولا متدارِكٍ والليلُ طَفْلٌ | ببعضِ نواشغِ الوادي حُمُولا |
الثاني : أنه منصوبٌ على إضمارِ فعلٍ، وإليه نَحَا الزمخشري، وأبو البقاء، قال الزمخشري :" أو كالذي : معناه أو رَأَيْتَ مثلَ الذي "، فَحُذِفَ لدلالةِ " ألم تَرَ " لأنَّ كلتيهما كلمتا تعجُّبٍ، وهو حسنٌ، لأنَّ الحذفَ ثابتٌ كثيرٌ بخلافِ العطفِ على المعنى.
الثالث : انَّ الكافَ زائدةٌ كهي في قوله :﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
[الشورى: ١١] وقول الآخر :
| فَصُيِّروا مثلَ كَعَصْفٍ مأكولْ | . . . . . . . . . . . . . . . . . |
والرابع : أنَّ الكافَ اسمٌ بمعنى مِثْل، لا حرفٌ، وهو مذهبُ الأخفش وهو الصحيحُ من جهةِ الدليل، وإنْ كان جمهورُ البصريين على خلافِه، فالتقديرُ : ألم تَرَ إلى الذي حاجَّ، أو إلى مِثْل الذي مَرَّ وهو معنى حسنٌ. وللقولِ باسميةِ الكافِ دلائلُ مذكورةٌ في كتب القوم، ذَكَرْنَا أحسَنها في هذا الكتابِ، منها معادَلَتُها في الفاعليةِ ب " مثل " في قوله :
| وإنّك لم يَفْخَرْ عليك كفاخرٍ | ضعيفٍ ولم يَغْلِبْكَ مثلُ مُغَلَّبِ |
قوله :﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ هذه الجملةُ فيها/ خمسةُ أوجهٍ، أحدُها أنْ تكونَ حالاً من فاعلِ " مَرَّ " والواوُ هنا رابطةٌ بين الجملةِ الحاليةِ وصاحبها، والإِتيانُ بها واجبٌ لخلوِّ الجملةِ من ضميرٍ يعودُ إليه. والثاني : أنها حالٌ من " قرية " : إمَّا على جَعْل " على عروشها " صفةً لقرية على أحدِ الأوجهِ الآتيةِ في هذا الجارِّ، أو على رأي مَنْ يجيزُ الإِتيانَ بالحالِ من النكرة مطلقاً، وهو ضعيفُ عند سيبويهِ. الثالث : أنها حالٌ من " عروشها " مقدَّمةٌ عليه، تقديرُه : مَرَّ على قرية على عروشِها وهي خاويةٌ.
الرابع : أن تكونَ حالاً من " ها " المضافِ إليها " عروش " قال أبو البقاء :" والعاملُ معنى الإِضافة وهو ضعيفٌ مع جوازه " انتهى. والذي سَهَّل مجيءَ الحال من المضاف إليه كونُه بعضَ المضافِ، لأنَّ " العروش " بعضُ القريةِ، فهو قريبٌ من قولِه تعالى :﴿مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً﴾ [الأعراف: ٤٣]. الخامس : أن تكونَ الجملةُ صفةً لقرية، وهذا ليسَ بمرتضى عندَهم، لأنَّ الواوَ لا تَدْخُلُ بين الصفةِ والموصوفِ، وإنْ كانَ الزمخشري قد أجازَ ذلك في قوله تعالى :﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] فَجَعَل " ولَهَا كتابٌ " صفةً، قال :" وتوسَّطت الواوُ إيذاناً بإلصاق الصفة بالموصوف " وهذا مذهبٌ سبقه إليه أبو الفتح ابن جني في بعضِ تصانيفِه، وفيه ما تقدَّم، وكأنَّ الذي سَهَّل ذلك تشبيهُ الجملة الواقعة صفةً بالواقعَةِ حالاً، لأنَّ الحالَ صفةٌ في المعنى. ورتَّب أبو البقاء جَعْلَ هذه الجملة صفةً لقرية على جوازِ جَعْلِ " على عروشها " بدلاً من " قرية " على إعادةِ حرفِ الجر ورتَّب جَعْلَ " وهي خاويةٌ " حالاً من العروش أو من القرية أو مِنْ " ها " المضافِ إليها على جَعْلِ " على عروشها " صفةً للقرية، وهذا نصُّه قد ذكرتُه ليتضِحَ لك، فإنه قال :" وقيل هو بدلٌ من القرية تقديرُه : مَرَّ على قرية على عروشها أي : مَرَّ على عروش القرية، وأعادَ حرفَ الجر مع البدلِ، ويجوز أن يكونَ " على عروشها " على هذا القول صفةً للقريةِ لا بدلاً، تقديرُه : على قريةٍ ساقطةٍ على عروشها، فعلى هذا يجوزُ أن تكونَ " وهي خاويةٌ " حالاً من العروشِ وأن تكونَ حالاً من القرية لأنها قد وُصِفَتْ، وأن تكونَ حالاً من " ها " المضافِ إليه، وفي هذا البناءِ نظرٌ لا يخفى.
قوله :﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ فيه أربعةُ أوجه، أحدُها : أن يكونَ بدلاً من " قرية " بإعادة العاملِ. الثاني : أن يكونَ صفةً ل " قرية " كما تقدَّم تحقيقُه، فعلى الأولِ يتعلَّقُ ب " مَرَّ " لأنَّ العاملَ في البدلِ العاملُ في المُبْدَلِ منه، وعلى الثاني يتعلَّقُ بمحذوفٍ أي : ساقطةٍ على عروشِها. الثالث : أن يتعلَّقَ بنفسِ خاوية، إذا فَسَّرنا " خاوية " بمعنى متهدِّمة ساقطة. الرابع : أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ يَدُلُّ عليه المعنى، وذلك المحذوفُ قالوا : هو لفظُ " ثابتة "، لأنهم فَسَّروا " خاويةٌ " بمعنى : خاليةٌ مِنْ أهلِها ثابتةٌ على عروشِها، وبيوتُها قائمةٌ لم تتهدَّمْ، وهذا حَذْفٌ من غيرِ دليلٍ ولا يتبادَرُ إليه الذهن. وقيل :" على " بمعنى " مع " أي : مع عروشِها، قالوا : وعلى هذا فالمرادُ بالعروشِ الأبنيةُ.
والخاوي : الخالي. يقال : خَوَتِ الدارُ تَخْوِي خَواءً بالمد، وخُوِيَّاً، وخَوِيَتْ أيضاً بكسرِ العينِ تَخْوَى خَوَىً بالقصر، وخَوْياً.
والخَوَى : الجوعُ لخلوِّ البطنِ من الزاد. والخَوِيُّ على فَعِيل : البطنُ السهل من الأرض، وخَوَّى البعيرُ : جافى جَنْبَه عن الأرض. قال :
| خَوَّى على مُسْتَوِيات خَمْسِ | كِرْكِرَةٍ وثَفِناتٍ مُلْسٍ |
| إنْ يَقْتُلوكَ فقد ثَلَلْتُ عروشَهُمْ | بعُتيبةَ بنِ الحارثِ بِنْ شهابِ |
قوله :﴿مِئَةَ عَامٍ﴾ قال أبو البقاء :" مئة عام ظرفٌ لأماتَه على المعنى، لأنَّ المعنى ألبثه مئة عام، ولا يجوزُ أن يكونَ ظرفاً على ظاهر اللفظِ، لأنَّ الإِماتةَ تقعُ في أدنى زمان، ويجوزُ أن يكونَ ظرفاً لفعلٍ محذوف تقديرُه :" فأَماته اللهُ فلبِثَ مئة عام "، ويَدُلُّ على ذلك قولُه :" كم لَبِثْتَ "، ولا حاجَةَ إلى هذين التأويلين، بل المعنى جَعَلَه ميِّتاً مئة عام.
و " مئة " عقدٌ من العدد معروفٌ، ولامُها محذوفةٌ، وهي ياءٌ، يدُلُّ على ذلك قولُهم :" أَمْأَيْتُ الدراهم " أي : صَيَّرْتُها مئةً، فوزنُها فِعَة ويُجْمَع على " مِئات " وشذَّ فيها مِئُون قال :
| ثلاثُ مئينٍ للملوكِ وَفَى بها | ردائي وَجَلَّتْ عن وجوه الأهاتِمِ |
والعامُ مدةٌ من الزمانِ معلومةٌ، وعينُهُ واوٌ لقولِهم في التصغير، عُوَيْم، وفي التكسير :" أَعْوَام ". وقال النقاش :" هو في الأصلِ مصدَرٌ سُمِّيَ به الزمانُ لأنه عَوْمَةٌ من الشمس في الفلك، والعَوْمُ : هو السَّبْح. وقال تعالى :
﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] فعلى هذا يكونُ العامُ والعَوْمُ كالقَوْل والقَال ".
قوله :﴿كَمْ﴾ منصوبٌ على الظرفِ، ومميِّزُها محذوفٌ تقديرُهُ : كم يوماً أو وقتاً. والناصبُ له " لَبِثْتَ "، والجملةُ في محلِّ نصبٍ بالقولِ، والظاهرُ أنَّ " أو " في قوله :﴿يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ بمعنى " بل " للإِضراب وهو قولٌ ثابتٌ، وقيل : هي للشك. وقوله :﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ﴾ عَطَفَتْ " بل " هذه الجملةَ على جملةٍ محذوفةٍ تقديرهُ : ما لبثتُ يوماً أو بعضَ يوم، بل لبثتُ مئةَ عام.
وقرأ نافع وعاصم وابن كثير بإِظهارِ الثاء في جميع القرآن، والباقُون بالإِدغام.
قوله :﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال. وزعم بعضُهم أن المضارعَ المنفيَّ ب " لم " إذا وَقَع حالاً فالمختارُ دخولُ واوِ الحال وأنشد :/
| بأَيْدي رجالٍ لم يَشِيْموا سيوفَهُمْ | ولم تَكْثُر القَتْلى بها حينَ سُلَّتِ |
﴿فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، وقال تعالى :﴿أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣] فجاء النفيُ ب لم مع الواوِ ودونِها.
قيل : قد تقدَّم شيئاَن وهما " طعامِك وشرابِك " ولم يُعِدِ الضميرَ إلا مفرداً، وفي ذلك ثلاثةُ أجوبةٍ، أحدُها : أنهما لمَّا كانا متلازِمَيْنِ، بمعنى أنَّ أحدَهما لا يُكْتَفَى به بدونِ الآخر صارا بمنزلةِ شيءٍ واحدٍ حتى كأنه [ قال :] فانظُرْ إلى غذائِك. الثاني : أنَّ الضميرَ يعودُ إلى الشراب فقط، لأنه أقربُ مذكورٍ، وثَمَّ جملةٌ أخرى حُذِفَتْ لدلالةِ هذه عليها. والتقديرُ : وانظرْ إلى طعامِكَ لم يَتَسَنَّهْ وإلى شرابِك لم يَتَسَنَّهْ، أو يكونُ سكتَ عن تغيُّرِ الطعامِ تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، وذلك أنه إذا لم يتغيَّرِ الشرابُ مع نَزْعَة النفس إليه فَعَدَمُ تغيُّر الطعامِ أَوْلَى، قال معناه أبو البقاء. والثالث : أنه أفردَ في موضِعِ التثنيةِ، قاله أبو البقاء وأنشد :
| فكأنَّ في العينين حَبَّ قَرَنْفُلٍ | أو سُنْبَلٍ كُحِلَتْ به فانْهَلَّتِ |
وقرأ حمزةُ والكسائي :" لم يَتَسَنَّهْ " بالهاء وقفاً وبحذفها وصلاً، والباقون بإثباتِها في الحالين. فأمَّا قراءتهما فالهاءُ فيها للسكتِ. وأمَّا قراءةُ الجماعَةِ فالهاء تحتملُ وجهين، أحدُهما : أن تكونَ أيضاً للسكتِ، وإنما أُثبتت وصلاً إجراء للوصلِ مُجْرى الوقفِ، وهو في القرآن كثيرٌ، سيمرُّ بك منه مواضعُ، ف