معالم التنزيل — البغوي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أو كالذي مر على قرية﴾. وهذه الآية منسوقة على الآية الأولى، تقديره ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ) وهل رأيت الذي مر على قرية ؟ وقيل : تقديره هل رأيت الذي حاج إبراهيم في ربه ؟ وهل رأيت كالذي مر على قرية ؟ واختلفوا في ذلك المار، فقال قتادة وعكرمة والضحاك : هو عزيز بن شرخياً، وقال وهب بن منبه، هو أرمياء بن حلقيا، وكان بن سبط هارون، وهو الحضر وقال مجاهد : هو كافر شك البعث. واختلفوا في تلك القرية فقال وهب وعكرمة وقتادة : هي بيت المقدس، وقال الضحاك : هي الأرض المقدسة، وقال الكلبي : هي دير سابر أباد، وقال السدي : مسلم أباد، وقيل : دير هرقل، وقيل : هي الأرض التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف وقيل : هي قرية العنب وهي على فرسخين من بيت المقدس.
قوله تعالى :﴿وهي خاوية﴾. ساقطة يقال :" خوي البيت " بكسر الواو يخوي خوى، مقصوراً إذا سقط وخوى البيت بالفتح خواءً ممدوداً إذا خلا.
قوله تعالى :﴿على عروشها﴾. سقوفها، واحدها عرش وقيل : كل بناء عرش، ومعناه : أن السقوف سقطت ثم وقعت الحيطان عليها.
قوله تعالى :﴿قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾. وكان السبب في ذلك على ما روى محمد بن إسحاق بن منبه أن الله تعالى بعث أرمياء إلى ناشية بن أموص ملك بني إسرائيل ليسدده في ذلك ويأتيه بالخبر من الله عز وجل، فعظمت الأحداث في بني إسرائيل، وركبوا المعاصي فأوحى الله تعالى إلى أرمياء : أن ذكر قومك نعمي وعرفهم أحداثهم وادعهم إلي، فقال أرمياء : إني ضعيف إن لم تقوني، عاجز إن لم تبلغني، مخذول إن لم تنصرني، فقال الله عز وجل : أنا ألهمك، فقام أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه الله في الوقت خطبة بليغة طويلة بين لهم ثواب الطاعة وعقاب المعصية، وقال في آخرها عن الله تعالى :" وإني أحلف بعزتي لأقبضن لهم فتنة بتحير فيها الحكيم، ولأسلطن عليهم جباراً فارسياً ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم "، ثم أوحى الله تعالى إلى إرمياء " إني مهلك بني إسرائيل، وبافث من أهل بابل "، وهم من ولد بافث ابن نوح عليه السلام، فلما سمع أرمياء ذلك صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه، فلما سمع الله تضرعه وبكاءه ناداه : يا أرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك ؟ قال : نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به فقال الله تعالى : وعزتي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قبلك، ففرح أرمياء بذلك وطابت نفسه، فقال : لا والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل، ثم أتى الملك فأخبره بذلك، وكان ملكاً صالحاً. فاستبشر وفرح فقال : إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة وإن عفا عنا فبرحمته. ثم إ نهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتمادياً في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم، فقل الوحي، ودعاهم الملك إلى التوبة، فلم يفعلوا، فسلط الله عليهم بختنصر، فخرج في ست مائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس، فلما فصل سائراً أتى الملك الخبر، فقال لأرمياء : أين ما زعمت أن الله أوحى إليك ؟ فقال أرمياء : إن الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق فلما قرب الأجل بعث الله إلى أرمياء ملكاً قد تمثل له رجلاً من بني إسرائيل فقال له أرمياء : من أنت ؟ قال : أنا رجل من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في أهل رحمي، وصلت أرحامهم، ولم آت إليهم إلا حسناً، ولا يزيدهم إكرامي إياهم إلا إسخاطاً لي فأفتني فيهم، قال : أحسن فبما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير. فانصرف الملك فمكث أياماً ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل، فقعد بين يديه فقال له أرمياء : من أنت ؟ قال : أنا الرجل الذي أتيتك أستفتيك في شأن أهلي ؟ فقال له أرمياء : أما طهرت أخلاقهم بعدلك ؟ قال : يا نبي الله والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى رحمة إلا قدمتها إليهم وأفضل، فقال له النبي أرمياء عليه الصلاة والسلام : ارجع إليهم أسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم، فانصرف الملك، فمكث أياماً وقد نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد، ففزع منهم بنو إسرائيل فقال ملكهم لأرمياء : يا نبي الله أين ما وعدك الله ؟ قال : إني بربي واثق، ثم أقبل الملك إلى أرمياء وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده، فقعد بين يديه فقال له أرمياء : من أنت ؟ فقال : أنا الذي أتيتك في شأن أهلي مرتين، فقال النبي : ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه ؟ فقال الملك : يا نبي الله كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه، فاليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله، فقال النبي : على أي عمل رأيتهم ؟ قال : على عمل عظيم من سخط الله، فغضب الله وأتيتك لأخبرك، وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق نبياً إلا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم، فقال أرمياء : يا مالك السماوات والأرض، إن كانوا على حق وصواب فأبقهم، وإن كانوا على عمل لا ترضاه فأهلكهم، فلما خرجت الكلمة من فم أرمياء، أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها، فلما رأى ذلك أرمياء صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه وقال : يا مالك السماوات أين ميعادك الذي وعدتني ؟ فنودي أنه لم يصبهم ما أصابهم إلا بفتياك ودعائك، فاستيقن النبي عليه السلام أنها فتياه، وأن ذلك السائل كان رسول ربه، فطار أرمياء حتى خالط الوحوش. ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، وخرب بيت المقدس، ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه فيقذفه في بيت المقدس، ففعلوا حتى ملؤوه، ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس فاجتمع عندهم صغيرهم وكبيرهم من بني إسرائيل، فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه، فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمان، وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا، وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق، فثلثاً قتلهم، وثلثاً سباهم، وثلثاً أقرهم بالشام، وكانت هذه الواقعة الأولى التي أنزلها الله في بني إسرائيل بظلمهم، فلما ولى عنهم بختنصر راجعاً إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل أقبل أرمياء على حمار له معه عصير عنب في ركوة، وسلة تين حتى غشي إيلياء، فلما وقف عليها ورأى خرابها قال :" أنى يحيي هذه الله بعد موتها ".
وقال الذي قال إن المار كان عزيراً : وأن بختنصر لما خرب بيت المقدس وقدم بسبي بني إسرائيل ببابل كان فيهم عزير، ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود، فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار له حتى نزل دير هرقل على شط دجلة، فطاف في القرية فلم ير فيها أحداً، وعامة شجرها حامل فأكل من الفاكهة، واعتصر من العنب فشرب منه، وجعل فضل الفاكهة في سلة، وفضل العصير في زق، فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال :( نى يحيي هذه الله بعد موتها ) قالها تعجباً لا شكاً في البعث.
رجعنا إلى حديث وهب قال : ثم ربط أرمياء حماره بحبل جديد، فألقى الله تعالى عليه النوم، فلما نام نزع الله منه الروح مائة عام، وأمات حماره، وعصيره وتينه عنده، فأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد، وذلك ضحىً، ومنع الله السباع والطير لحمه، فلما مضى من موته سبعون سنة أرسل الله ملكاً إلى ملك من ملوك فارس يقال له فوشك فقال : إن الله يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيلياء حتى يعود أعمر ما كان، فانتدب الملك بألف قهرمان، مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل، وجعلوا يعمرونه، فأهلك الله بختنصر ببعوضة دخلت دماغه، ونجى الله من بقي من بني إسرائيل، ولم يمت ببابل أحد وردهم جميعاً إلى بيت المقدس ونواحيه، وعمروها ثلاثين سنة، وكثروا حتى عادوا على أحسن ما كانوا عليه، فلما مضت المائة أحيا الله منه عينيه، وسائر جسده ميت، ثم أحيا جسده وهو ينظر إليه، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه متفرقة بيض تلوح، فسمع صوتاً من السماء : أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع بعضها إلى بعض، واتصل بعضها ببعض ثم نودي : إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً وجلداً، فكانت كذلك ثم نودي : إن الله يأمرك أن تحيا، فقام بإذن الله ونهق، وعمر الله أرمياء فهو الذي يرى في الفلوات فذلك.
قوله تعالى :﴿فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾. أي أحياه.
قوله تعالى :﴿قال كم لبثت﴾. أي : كم مكثت ؟ يقال : لما أحياه الله بعث إليه ملكاً فسأله، كم لبثت ؟.
قوله تعالى :﴿قال لبثت يوماً﴾. وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوماً وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم التفت فرأى بقية من الشمس.
قوله تعالى :﴿أو بعض يوم﴾. بل بعض يوم.
قوله تعالى :﴿قال﴾. له الملك.
قوله تعالى :﴿بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك﴾. يعني التين.
قوله تعالى :﴿وشرابك﴾ز يعني العصير.
قوله تعالى :﴿لم يتسنه﴾. أي لم يتغير، فكان التين كأنه قطف من ساعته، والعصير كأنه عصر من ساعته. قال الكسائي : كأنه لم تأت عليه السنون. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب " لم يتسن " بحذف الهاء في الوصل وكذلك ( فبهداهم اقتده ). وقرأ الآخرون بالهاء فيهما وصلاً ووقفاً، فمن أسقط الهاء في الوصل جعل الهاء صلة زائدة وقال : أصله " يتسنى " فحذف الياء بالجزم، وأبدل منه هاء في الوقف، وقال أبو عمرو : هم من التسنن بنونين : وهو التغير كقوله تعالى :( من حمإ مسنون ) أي متغير فعوضت من إحدى النونين ياء كقوله تعالى :( ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) أي يتمطط، وقوله ( وقد خاب من دساها ) وأصله " دسسها " ومن أثبت الهاء في الحالين جعل الهاء أصلية لام الفعل وهذا على قول من جعل أصل السنة " السنهة " وتصغيرها سنيهة، والفعل من المسانهة وإنما قال : لم يتسنه ولم يثنه مع أنه أخبر عن شيئين ردا للمتغير إلى أقرب اللفظين به، وهو الشراب واكتفى بذكر أحد المذكورين لأنه في معنى الآخر.
قوله تعالى :﴿وانظر إلى حمارك﴾. فنظر فإذا هو عظام بيض فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض فكساه اللحم، والجلد وأحياه وهو ينظر.
قوله تعالى :﴿ولنجعلك آية للناس﴾. قيل الواو زائدة مقحمة. وقال الفراء : أدخلت الواو فيه دلالة على أنها شرط لفعل بعدها معناه : ولنجعلك آية، عبرة ودلالة على البعث، بعد الموت قاله أكثر المفسرين، وقال الضحاك وغيره : إنه عاد إلى قريته شاباً وأولاده وأولاد شيوخ وعجائز وهو أسود الرأس واللحية.
قوله تعالى :﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾. قرأ أهل الحجاز والبصرة " ننشرها " بالراء معناه نحييها يقال : أنشر الله الميت إنشاراً ونشرة ونشوراً قال الله تعالى :( ثم إذا شاء أنشره ) وقال في اللازم ( وإليه النشور ) وقرأ الآخرون : بالزاي أي نرفعها من الأرض، ونردها إلى مكانها من الجسد ونركب بعضها على بعض، وإنشاز الشيء رفعه وإزعاجه، يقال : أنشزته فنشز أي رفعته فارتفع. واختلفوا في معنى الآية، فقال الأكثرون : أراد به عظام حماره، وقال السدي : إن الله تعالى أحيا عزيراً ثم قال له : انظر إل
قوله تعالى :﴿وهي خاوية﴾. ساقطة يقال :" خوي البيت " بكسر الواو يخوي خوى، مقصوراً إذا سقط وخوى البيت بالفتح خواءً ممدوداً إذا خلا.
قوله تعالى :﴿على عروشها﴾. سقوفها، واحدها عرش وقيل : كل بناء عرش، ومعناه : أن السقوف سقطت ثم وقعت الحيطان عليها.
قوله تعالى :﴿قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾. وكان السبب في ذلك على ما روى محمد بن إسحاق بن منبه أن الله تعالى بعث أرمياء إلى ناشية بن أموص ملك بني إسرائيل ليسدده في ذلك ويأتيه بالخبر من الله عز وجل، فعظمت الأحداث في بني إسرائيل، وركبوا المعاصي فأوحى الله تعالى إلى أرمياء : أن ذكر قومك نعمي وعرفهم أحداثهم وادعهم إلي، فقال أرمياء : إني ضعيف إن لم تقوني، عاجز إن لم تبلغني، مخذول إن لم تنصرني، فقال الله عز وجل : أنا ألهمك، فقام أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه الله في الوقت خطبة بليغة طويلة بين لهم ثواب الطاعة وعقاب المعصية، وقال في آخرها عن الله تعالى :" وإني أحلف بعزتي لأقبضن لهم فتنة بتحير فيها الحكيم، ولأسلطن عليهم جباراً فارسياً ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم "، ثم أوحى الله تعالى إلى إرمياء " إني مهلك بني إسرائيل، وبافث من أهل بابل "، وهم من ولد بافث ابن نوح عليه السلام، فلما سمع أرمياء ذلك صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه، فلما سمع الله تضرعه وبكاءه ناداه : يا أرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك ؟ قال : نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به فقال الله تعالى : وعزتي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قبلك، ففرح أرمياء بذلك وطابت نفسه، فقال : لا والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل، ثم أتى الملك فأخبره بذلك، وكان ملكاً صالحاً. فاستبشر وفرح فقال : إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة وإن عفا عنا فبرحمته. ثم إ نهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتمادياً في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم، فقل الوحي، ودعاهم الملك إلى التوبة، فلم يفعلوا، فسلط الله عليهم بختنصر، فخرج في ست مائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس، فلما فصل سائراً أتى الملك الخبر، فقال لأرمياء : أين ما زعمت أن الله أوحى إليك ؟ فقال أرمياء : إن الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق فلما قرب الأجل بعث الله إلى أرمياء ملكاً قد تمثل له رجلاً من بني إسرائيل فقال له أرمياء : من أنت ؟ قال : أنا رجل من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في أهل رحمي، وصلت أرحامهم، ولم آت إليهم إلا حسناً، ولا يزيدهم إكرامي إياهم إلا إسخاطاً لي فأفتني فيهم، قال : أحسن فبما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير. فانصرف الملك فمكث أياماً ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل، فقعد بين يديه فقال له أرمياء : من أنت ؟ قال : أنا الرجل الذي أتيتك أستفتيك في شأن أهلي ؟ فقال له أرمياء : أما طهرت أخلاقهم بعدلك ؟ قال : يا نبي الله والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى رحمة إلا قدمتها إليهم وأفضل، فقال له النبي أرمياء عليه الصلاة والسلام : ارجع إليهم أسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم، فانصرف الملك، فمكث أياماً وقد نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد، ففزع منهم بنو إسرائيل فقال ملكهم لأرمياء : يا نبي الله أين ما وعدك الله ؟ قال : إني بربي واثق، ثم أقبل الملك إلى أرمياء وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده، فقعد بين يديه فقال له أرمياء : من أنت ؟ فقال : أنا الذي أتيتك في شأن أهلي مرتين، فقال النبي : ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه ؟ فقال الملك : يا نبي الله كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه، فاليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله، فقال النبي : على أي عمل رأيتهم ؟ قال : على عمل عظيم من سخط الله، فغضب الله وأتيتك لأخبرك، وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق نبياً إلا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم، فقال أرمياء : يا مالك السماوات والأرض، إن كانوا على حق وصواب فأبقهم، وإن كانوا على عمل لا ترضاه فأهلكهم، فلما خرجت الكلمة من فم أرمياء، أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها، فلما رأى ذلك أرمياء صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه وقال : يا مالك السماوات أين ميعادك الذي وعدتني ؟ فنودي أنه لم يصبهم ما أصابهم إلا بفتياك ودعائك، فاستيقن النبي عليه السلام أنها فتياه، وأن ذلك السائل كان رسول ربه، فطار أرمياء حتى خالط الوحوش. ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، وخرب بيت المقدس، ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه فيقذفه في بيت المقدس، ففعلوا حتى ملؤوه، ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس فاجتمع عندهم صغيرهم وكبيرهم من بني إسرائيل، فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه، فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمان، وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا، وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق، فثلثاً قتلهم، وثلثاً سباهم، وثلثاً أقرهم بالشام، وكانت هذه الواقعة الأولى التي أنزلها الله في بني إسرائيل بظلمهم، فلما ولى عنهم بختنصر راجعاً إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل أقبل أرمياء على حمار له معه عصير عنب في ركوة، وسلة تين حتى غشي إيلياء، فلما وقف عليها ورأى خرابها قال :" أنى يحيي هذه الله بعد موتها ".
وقال الذي قال إن المار كان عزيراً : وأن بختنصر لما خرب بيت المقدس وقدم بسبي بني إسرائيل ببابل كان فيهم عزير، ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود، فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار له حتى نزل دير هرقل على شط دجلة، فطاف في القرية فلم ير فيها أحداً، وعامة شجرها حامل فأكل من الفاكهة، واعتصر من العنب فشرب منه، وجعل فضل الفاكهة في سلة، وفضل العصير في زق، فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال :( نى يحيي هذه الله بعد موتها ) قالها تعجباً لا شكاً في البعث.
رجعنا إلى حديث وهب قال : ثم ربط أرمياء حماره بحبل جديد، فألقى الله تعالى عليه النوم، فلما نام نزع الله منه الروح مائة عام، وأمات حماره، وعصيره وتينه عنده، فأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد، وذلك ضحىً، ومنع الله السباع والطير لحمه، فلما مضى من موته سبعون سنة أرسل الله ملكاً إلى ملك من ملوك فارس يقال له فوشك فقال : إن الله يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيلياء حتى يعود أعمر ما كان، فانتدب الملك بألف قهرمان، مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل، وجعلوا يعمرونه، فأهلك الله بختنصر ببعوضة دخلت دماغه، ونجى الله من بقي من بني إسرائيل، ولم يمت ببابل أحد وردهم جميعاً إلى بيت المقدس ونواحيه، وعمروها ثلاثين سنة، وكثروا حتى عادوا على أحسن ما كانوا عليه، فلما مضت المائة أحيا الله منه عينيه، وسائر جسده ميت، ثم أحيا جسده وهو ينظر إليه، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه متفرقة بيض تلوح، فسمع صوتاً من السماء : أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع بعضها إلى بعض، واتصل بعضها ببعض ثم نودي : إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً وجلداً، فكانت كذلك ثم نودي : إن الله يأمرك أن تحيا، فقام بإذن الله ونهق، وعمر الله أرمياء فهو الذي يرى في الفلوات فذلك.
قوله تعالى :﴿فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾. أي أحياه.
قوله تعالى :﴿قال كم لبثت﴾. أي : كم مكثت ؟ يقال : لما أحياه الله بعث إليه ملكاً فسأله، كم لبثت ؟.
قوله تعالى :﴿قال لبثت يوماً﴾. وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوماً وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم التفت فرأى بقية من الشمس.
قوله تعالى :﴿أو بعض يوم﴾. بل بعض يوم.
قوله تعالى :﴿قال﴾. له الملك.
قوله تعالى :﴿بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك﴾. يعني التين.
قوله تعالى :﴿وشرابك﴾ز يعني العصير.
قوله تعالى :﴿لم يتسنه﴾. أي لم يتغير، فكان التين كأنه قطف من ساعته، والعصير كأنه عصر من ساعته. قال الكسائي : كأنه لم تأت عليه السنون. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب " لم يتسن " بحذف الهاء في الوصل وكذلك ( فبهداهم اقتده ). وقرأ الآخرون بالهاء فيهما وصلاً ووقفاً، فمن أسقط الهاء في الوصل جعل الهاء صلة زائدة وقال : أصله " يتسنى " فحذف الياء بالجزم، وأبدل منه هاء في الوقف، وقال أبو عمرو : هم من التسنن بنونين : وهو التغير كقوله تعالى :( من حمإ مسنون ) أي متغير فعوضت من إحدى النونين ياء كقوله تعالى :( ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) أي يتمطط، وقوله ( وقد خاب من دساها ) وأصله " دسسها " ومن أثبت الهاء في الحالين جعل الهاء أصلية لام الفعل وهذا على قول من جعل أصل السنة " السنهة " وتصغيرها سنيهة، والفعل من المسانهة وإنما قال : لم يتسنه ولم يثنه مع أنه أخبر عن شيئين ردا للمتغير إلى أقرب اللفظين به، وهو الشراب واكتفى بذكر أحد المذكورين لأنه في معنى الآخر.
قوله تعالى :﴿وانظر إلى حمارك﴾. فنظر فإذا هو عظام بيض فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض فكساه اللحم، والجلد وأحياه وهو ينظر.
قوله تعالى :﴿ولنجعلك آية للناس﴾. قيل الواو زائدة مقحمة. وقال الفراء : أدخلت الواو فيه دلالة على أنها شرط لفعل بعدها معناه : ولنجعلك آية، عبرة ودلالة على البعث، بعد الموت قاله أكثر المفسرين، وقال الضحاك وغيره : إنه عاد إلى قريته شاباً وأولاده وأولاد شيوخ وعجائز وهو أسود الرأس واللحية.
قوله تعالى :﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾. قرأ أهل الحجاز والبصرة " ننشرها " بالراء معناه نحييها يقال : أنشر الله الميت إنشاراً ونشرة ونشوراً قال الله تعالى :( ثم إذا شاء أنشره ) وقال في اللازم ( وإليه النشور ) وقرأ الآخرون : بالزاي أي نرفعها من الأرض، ونردها إلى مكانها من الجسد ونركب بعضها على بعض، وإنشاز الشيء رفعه وإزعاجه، يقال : أنشزته فنشز أي رفعته فارتفع. واختلفوا في معنى الآية، فقال الأكثرون : أراد به عظام حماره، وقال السدي : إن الله تعالى أحيا عزيراً ثم قال له : انظر إل