روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ﴾ عطف على سابقه والكاف إما اسمية بمعنى مثل معمولة لأرأيت محذوفاً أي أو أرأيت مثل الذي مر، وإلى ذلك ذهب الكسائي والفراء وأبو علي وأكثر/ النحويين وحذف لدلالة ﴿ألم تر﴾ [البقرة: ٢٥٨] عليه على أنه قد قيل : إن مثال هذا النظم كثيراً ما يحذف منه فعل الرؤية كقوله :
وجيء بهذه الكاف للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر كما في قولك الفعل الماضي مثل : نصر، وتخصيص هذا بذلك على ما قيل : لأن منكر الإحياء كثير، والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى بخلاف مدعي الربوبية، وقيل : إنها زائدة وإلى ذلك ذهب الأخفش أي : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو الذي مر الخ، وقيل : إنه عطف محمول على المعنى كأنه قيل : ألم تر كالذي حاج أو كالذي مر. وقيل : إنه من كلام إبراهيم عليه السلام ذكره جواباً لمعارضة ذلك الكافر، وتقديره وإن كنت تحيي فأحي كإحياء الذي مرّ، ولا يخفى ضعفه للفصل وكثرة التقدير، وإنما لم تجعل الكاف أصلية والعطف على ﴿الذي﴾ نفسه في الآية السابقة لاستلزامه دخول ( إلى ) على الكاف، وفيه إشكال لأنها إن كانت حرفية فظاهر وإن كانت اسمية فلأنها مشبهة بالحرف في عدم التصرف لا يدخل عليها من الحروف إلا ما ثبت في كلامهم، وهو عن وذلك على قلة أيضاً، وقال بعضهم : إن كلا من لفظ ( ألم تر ) و( أرأيت ) مستعمل لقصد التعجب إلا أن الأول : تعلق بالتعجب منه فيقال : ألم تر إلى الذي صنع كذا بمعنى أنظر إليه فتعجب من حاله، والثاني : بمثل المتعجب منه فيقال أرأيت مثل الذي صنع كذا بمعنى أنه من الغرابة بحيث لا يرى له مثل ولا يصح ألم تر إلى مثله إذ يكون المعنى أنظر إلى المثل وتعجب من الذي صنع، ولذا لم يستقم عطف ( الذي مر ) على ﴿الذي حاج﴾ [البقرة: ٢٥٨] ويحتاج إلى التأويل في المعطوف بجعله متعلقاً بمحذوف أي أرأيت كالذي مر فيكون من عطف الجملة أو في المعطوف عليه نظراً إلى أنه في معنى أرأيت كالذي حاج فيصح العطف عليه، ومن هذا يعلم أن عدم الاستقامة ليس لمجرد امتناع دخول ( إلى ) على الكاف بل لو قلت : ألم ترى إلى الذي حاج أو مثل الذي مر فعدم الاستقامة بحاله عند من له معرفة بأساليب الكلام، وإن هذا ليس من زيادة الكاف في شيء بل لا بد في التعجب بكلمة ( أرأيت ) من إثبات كاف، أو ما في معناه ولا يخفى أن هذا من الغرابة بمكان فإن ( ألم تر ) يستعمل للتعجب مع التشبيه في كلام العرب كما يشير إليه كلام سيبويه، و( أرأيت ) كثيراً ما يستعمل بدون الكاف أو ما في معناه، وهو في القرآن كثير وكيف يفرق بينهما بأن الأول تعلق بالمتعجب منه، وفي الثاني بمثله، والمثلية إنما جاءت من ذكر الكاف ولو ذكرت في الأول لكان مثله بلا فرق فهذا مصادرة على المطلوب فليس إلا ما ذكر أولاً سوى أن تقدير ( أرأيت ) مع الكاف أولى لأن استعماله معها أكثر فتدبر.
و ( أو ) للتخيير أو للتفصيل والمار هو عزيز بن شرخيا كما أخرجه الحاكم عن علي كرم الله تعالى وجهه وإسحق بن بشر عن ابن عباس وعبد الله بن سلام، وإليه ذهب قتادة وعكرمة والربيع والضحاك والسدي وخلق كثير وقيل : هو أرميا بن خلقيا من سبط هارون عليه السلام وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه وإليه ذهب وهب، وقيل : هو الخضر عليه السلام وحكي ذلك عن ابن إسحق وزعم بعضهم أن هذين القولين واحد، وأن أرميا هو الخضر بعينه، وقيل : شعيا، وقيل : غلام لوط عليه السلام، وقال مجاهد : كان المار رجلاً كافراً بالبعث وأيد بنظمه مع نمروذ في سلك واحد حيث سيق الكلام للتعجيب من حالهما، وبأن كلمة الاستبعاد في هذا المقام تشعر بالإنكار ظاهراً وليست هي فيه مثلها في ﴿أنى يَكُونُ لِي غلام﴾ [آل عمران: ٤٠] و﴿أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] وعورض بما بين قصته إبراهيم الآتية بعد من التناسب المعنوي فإن كليهما طلبا معاينة الإحياء مع أن ما جرى له في القصة مما يبعد أن يجري مع كافر وإذا انضم إلى ذلك تحريه الظاهر في الاحتراز عن الكذب في القول الصادر قبل التبيين الموجب لإيمانه على زعم من يدعي كفره قوى المعارض جداً، وإن قلنا : بأن دلالة الانتظام في سلك نمروذ على الإيمان أحق لينطبق على التفصيل المقدم في ﴿الله وَلِىٌّ الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] الخ حسب ما أشرنا إليه في القيل قبل لم يكد يتوهم القول بالكفر كما لا يخفى، والقرية قال ابن زيد : هي التي خرج منها الألوف، وقال الكلبي : دير سابراباد، وقال السدي : دير سلما باذ، وقيل : دير هرقل، وقيل : المؤتفكة، وقيل : قرية العنب على فرسخين من بيت المقدس، وقال عكرمة والربيع ووهب : هي بيت المقدس وكان قد خربها بخنتصر وهذا هو الأشهر، واشتقاقها من القرى وهو الجمع.
﴿وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾ أي ساقطة على سقوفها بأن سقط السقف أولا ثم تهدمت الجدران عليه، وقيل : المعنى خالية عن أهلها ثابتة على عروشها أي إن بيوتها قائمة والجار والمجرور على الأول متعلق بخاوية وعلى الثاني بمحذوف وقع خبراً بعد خبر لهي والجملة قيل : في موضع الحال من الضمير المستتر في ( مرّ ) وقيل : من ( قرية ) ويجيء الحال من النكرة على القلة، وقيل : في موضع الصفة لها ويبعده توسط الواو، ومن الناس من جوز كون ﴿على عُرُوشِهَا﴾ بدلاً من ﴿قَرْيَةٌ﴾ بإعادة الجار وكونه صفة لها، وجملة ﴿وَهِىَ خَاوِيَةٌ﴾ إما حال من العروش أو من القرية أو من ها والعامل معنى الإضافة والكل مما لا ينبغي حمل التنزيل عليه ﴿قَالَ﴾ في نفسه أو بلسانه ﴿أنى يُحيى هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ المشار إليه إما نفس القرية بدون تقدير كما هو الظاهر، فالإحياء والإماتة مجازان عن العمارة والخراب، أو بتقدير مضاف أي أصحاب هذه القرية فالإحياء والإماتة على حقيقتها، وإما عظام القرية البالية وجثثهم المتفرقة، والسياق دال على ذلك، والإحياء والإماتة على حالهما أيضاً، فعلى القول بالمجاز يكون هذا القول على سبيل التلهف والتشوق إلى عمارة تلك القرية لكن مع استشعار اليأس عنها على أبلغ وجه وأوكده، ولذا أراه الله تعالى أبعد الأمرين في نفسه ثم في غيره، ثم أراه ما استبعده صريحاً مبالغة في إزاحة ما عسى يختلف في خلده، وعلى القول الثاني يكون اعترافاً بالعجز عن معرفة طريق الإحياء واستعظاماً لقدرة المحيي إذا قلنا : إن القائل كان مؤمناً وإنكاراً للقدرة على ذلك إن كان كافراً، ورجح أول الاحتمالات الثلاثة في المشار إليه بأن إرادة إحياء لأهل، أو عظامهم يأباه التعرض لحال القرية دون حال من ذكر، والاقتصار على ذكر موتهم دون كونهم تراباً أو عظاماً نخرة مع كونه أدخل في الاستبعاد لشدة مباينته للحياة وغاية بعده عن قبولها على أنه لم تتعلق إرادته تعالى بإحيائهم كما تعلقت إرادته تعالى بعمارتها ومعاينة المار لها كما ستسمعه، وتقديم المفعول على الفاعل للاعتناء به من حيث إن الاستبعاد ناشىء من جهته لا من جهة الفاعل، و﴿أنى﴾ نصب على الظرفية إن كانت بمعنى متى، وعلى الحالية من هذه إن كانت بمعنى كيف، والعامل فيه على أي حال ﴿يحيى﴾.
﴿فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ﴾ أي فألبثه ميتاً مائة عام ولا بد من اعتبار هذا التضمين ؛ لأن الإماتة بمعنى إخراج الروح وسلب الحياة مما لا تمتد، والعام السنة من العوم وهو السباحة، وسميت بذلك لأن الشمس تعوم في جميع بروجها ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أي أحياه من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها، ولعل إيثاره على أحياه للدلالة على سرعته وسهولة/ تأتيه على الباري عز اسمه، وللإيذان بأنه قام كهيئته يوم مات عاقلاً فاهما مستعداً للنظر والاستدلال وكان ذلك بعد عمارة القرية، ففي «البحر » أنه لما مر له سبعون سنة من موته وقد منعه الله تعالى من السباع والطير ومنع العيون أن تراه أرسل ملكاً إلى ملك عظيم من ملوك فارس يقال له : كوسك فقال : إن الله تعالى يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيليا وأرضها حتى تعود أحسن مما كانت فانتدب الملك في ثلاثة آلاف قهرمان مع كل قهرمان ألف عامل وجعلوا يعمرونها وأهلك الله تعالى بختنصر ببعوضة دخلت دماغه ونجى الله تعالى من بقي من بني إسرائيل وردهم إلى بيت المقدس فعمروها ثلاثين سنة وكثروا حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه فعند ذلك أحياه الله تعالى
﴿قَالَ﴾ استئناف مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا قال له ؟ فقيل قال :﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ ليظهر له العجز عن الإحاطة بشؤون الله تعالى على أتم وجه وتنحسم مادة استبعاده بالمرة و﴿كَمْ﴾ نصب على الظرفية ومميزها محذوف تقديره : كم وقتاً والناصب له ﴿لَبِثْتُ﴾ والظاهر أن القائل هو الله تعالى، وقيل : هاتف من السماء، وقيل : جبريل، وقيل : نبي، وقيل : رجل مؤمن شاهده يوم مات وعمر إلى حين إحيائه فيكون الإسناد إليه تعالى مجازاً ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قاله بناءاً على التقريب والتخمين أو استقصاراً لمدة لبثه، وقيل : إنه مات ضحى وبعث بعد المائة قبل الغروب فقال قبل النظر إلى الشمس :﴿يَوْماً﴾ ثم التفت فرأى بقية منها فقال :﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ على الإضراب، واعترض بأنه لا وجه للجزم بتمام اليوم ولو بناءاً على حسبان الغروب لتحقق النقصان من أوله ﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ﴾ عطف على مقدر أي ما لبثت ذلك القدر بل هذا المقدار ﴿فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ قيل : كان طعامه عنباً أو تيناً وشرابه عصيراً أو لبناً ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أي لم يتغير في هذه المدة المتطاولة، واشتقاقه من السنة وفي لامها اختلاف فقيل : هاء بدليل سانهت فلانا فهو مجزوم بسكون الهاء، وقيل : واو بدليل الجمع على سنوات فهو مجزوم بحذف الآخر والهاء هاء سكت ثبتت في الوقف وفي الوصل لإجرائه مجراه، ويجوز أن يكون التسنه عبارة عن مضي السنين كما هو الأصل ويكون عدم التسنه كناية عن بقائه على حاله غضاً طرياً غير متكرج، وقيل : أصله لم يتسنن. ومنه الحمأ المسنون أي الطين المتغير ومتى اجتمع ثلاث حروف متجانسة يقلب أحدها حرف علة كما قالوا في تظننت : تظنيت وفي تقضضت : تقضيت، وقد أبدلت هنا النون الأخيرة في رأي ياء، ثم أبدلت الياء ألفاً، ثم حذفت للجازم والجملة المنفية حال، وقد جاء مثلها بغير واو خلافاً لمن تردد فيه كقوله تعالى :
﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء﴾ [آل عمران: ١٧٤] و﴿أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شئ﴾ [الأنعام: ٣٩] وصاحبها إما الطعام والشراب، وإفراد الضمير لإجرائهما مجرى الواحد كالغذاء وإما الأخير واكتفى بدلالة حاله على حال الأول ويؤيده قراءة عبد الله، وهذا شربك لم يتسنه، وقرأ أبي لم يسنه بإدغام التاء في السين واستشكل تفرع ﴿فانظر﴾ على لبث المائة بالفاء وهو يقتضي التغير، وأجيب بأن المفرع عليه ليس لبث المائة بل لبث المائة من غير تغير في جسمه حتى ظنه زماناً قليلاً ففرع عليه ما هو أظهر منه وهو عدم تغير الطعام والشراب وبقاء الحيوان حياً من غير غذاء، وقيل : إن التقدير إن حصل لك عدم طمأنينة في أمر البعث فانظر إلى طعامك وشرابك السريع التغير حتى تعرف أن من لم يغيره يقدر على البعث. وفيه نظر لأنه مع كونه خلاف الظاهر يعكر عليه قوله تعالى :{ وانظر إلى حِمَارِك
| قال لها كلابها أسرعي | كاليوم ( مطلوباً ولا طالبا ) |
و ( أو ) للتخيير أو للتفصيل والمار هو عزيز بن شرخيا كما أخرجه الحاكم عن علي كرم الله تعالى وجهه وإسحق بن بشر عن ابن عباس وعبد الله بن سلام، وإليه ذهب قتادة وعكرمة والربيع والضحاك والسدي وخلق كثير وقيل : هو أرميا بن خلقيا من سبط هارون عليه السلام وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه وإليه ذهب وهب، وقيل : هو الخضر عليه السلام وحكي ذلك عن ابن إسحق وزعم بعضهم أن هذين القولين واحد، وأن أرميا هو الخضر بعينه، وقيل : شعيا، وقيل : غلام لوط عليه السلام، وقال مجاهد : كان المار رجلاً كافراً بالبعث وأيد بنظمه مع نمروذ في سلك واحد حيث سيق الكلام للتعجيب من حالهما، وبأن كلمة الاستبعاد في هذا المقام تشعر بالإنكار ظاهراً وليست هي فيه مثلها في ﴿أنى يَكُونُ لِي غلام﴾ [آل عمران: ٤٠] و﴿أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] وعورض بما بين قصته إبراهيم الآتية بعد من التناسب المعنوي فإن كليهما طلبا معاينة الإحياء مع أن ما جرى له في القصة مما يبعد أن يجري مع كافر وإذا انضم إلى ذلك تحريه الظاهر في الاحتراز عن الكذب في القول الصادر قبل التبيين الموجب لإيمانه على زعم من يدعي كفره قوى المعارض جداً، وإن قلنا : بأن دلالة الانتظام في سلك نمروذ على الإيمان أحق لينطبق على التفصيل المقدم في ﴿الله وَلِىٌّ الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] الخ حسب ما أشرنا إليه في القيل قبل لم يكد يتوهم القول بالكفر كما لا يخفى، والقرية قال ابن زيد : هي التي خرج منها الألوف، وقال الكلبي : دير سابراباد، وقال السدي : دير سلما باذ، وقيل : دير هرقل، وقيل : المؤتفكة، وقيل : قرية العنب على فرسخين من بيت المقدس، وقال عكرمة والربيع ووهب : هي بيت المقدس وكان قد خربها بخنتصر وهذا هو الأشهر، واشتقاقها من القرى وهو الجمع.
﴿وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾ أي ساقطة على سقوفها بأن سقط السقف أولا ثم تهدمت الجدران عليه، وقيل : المعنى خالية عن أهلها ثابتة على عروشها أي إن بيوتها قائمة والجار والمجرور على الأول متعلق بخاوية وعلى الثاني بمحذوف وقع خبراً بعد خبر لهي والجملة قيل : في موضع الحال من الضمير المستتر في ( مرّ ) وقيل : من ( قرية ) ويجيء الحال من النكرة على القلة، وقيل : في موضع الصفة لها ويبعده توسط الواو، ومن الناس من جوز كون ﴿على عُرُوشِهَا﴾ بدلاً من ﴿قَرْيَةٌ﴾ بإعادة الجار وكونه صفة لها، وجملة ﴿وَهِىَ خَاوِيَةٌ﴾ إما حال من العروش أو من القرية أو من ها والعامل معنى الإضافة والكل مما لا ينبغي حمل التنزيل عليه ﴿قَالَ﴾ في نفسه أو بلسانه ﴿أنى يُحيى هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ المشار إليه إما نفس القرية بدون تقدير كما هو الظاهر، فالإحياء والإماتة مجازان عن العمارة والخراب، أو بتقدير مضاف أي أصحاب هذه القرية فالإحياء والإماتة على حقيقتها، وإما عظام القرية البالية وجثثهم المتفرقة، والسياق دال على ذلك، والإحياء والإماتة على حالهما أيضاً، فعلى القول بالمجاز يكون هذا القول على سبيل التلهف والتشوق إلى عمارة تلك القرية لكن مع استشعار اليأس عنها على أبلغ وجه وأوكده، ولذا أراه الله تعالى أبعد الأمرين في نفسه ثم في غيره، ثم أراه ما استبعده صريحاً مبالغة في إزاحة ما عسى يختلف في خلده، وعلى القول الثاني يكون اعترافاً بالعجز عن معرفة طريق الإحياء واستعظاماً لقدرة المحيي إذا قلنا : إن القائل كان مؤمناً وإنكاراً للقدرة على ذلك إن كان كافراً، ورجح أول الاحتمالات الثلاثة في المشار إليه بأن إرادة إحياء لأهل، أو عظامهم يأباه التعرض لحال القرية دون حال من ذكر، والاقتصار على ذكر موتهم دون كونهم تراباً أو عظاماً نخرة مع كونه أدخل في الاستبعاد لشدة مباينته للحياة وغاية بعده عن قبولها على أنه لم تتعلق إرادته تعالى بإحيائهم كما تعلقت إرادته تعالى بعمارتها ومعاينة المار لها كما ستسمعه، وتقديم المفعول على الفاعل للاعتناء به من حيث إن الاستبعاد ناشىء من جهته لا من جهة الفاعل، و﴿أنى﴾ نصب على الظرفية إن كانت بمعنى متى، وعلى الحالية من هذه إن كانت بمعنى كيف، والعامل فيه على أي حال ﴿يحيى﴾.
﴿فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ﴾ أي فألبثه ميتاً مائة عام ولا بد من اعتبار هذا التضمين ؛ لأن الإماتة بمعنى إخراج الروح وسلب الحياة مما لا تمتد، والعام السنة من العوم وهو السباحة، وسميت بذلك لأن الشمس تعوم في جميع بروجها ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أي أحياه من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها، ولعل إيثاره على أحياه للدلالة على سرعته وسهولة/ تأتيه على الباري عز اسمه، وللإيذان بأنه قام كهيئته يوم مات عاقلاً فاهما مستعداً للنظر والاستدلال وكان ذلك بعد عمارة القرية، ففي «البحر » أنه لما مر له سبعون سنة من موته وقد منعه الله تعالى من السباع والطير ومنع العيون أن تراه أرسل ملكاً إلى ملك عظيم من ملوك فارس يقال له : كوسك فقال : إن الله تعالى يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيليا وأرضها حتى تعود أحسن مما كانت فانتدب الملك في ثلاثة آلاف قهرمان مع كل قهرمان ألف عامل وجعلوا يعمرونها وأهلك الله تعالى بختنصر ببعوضة دخلت دماغه ونجى الله تعالى من بقي من بني إسرائيل وردهم إلى بيت المقدس فعمروها ثلاثين سنة وكثروا حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه فعند ذلك أحياه الله تعالى
﴿قَالَ﴾ استئناف مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا قال له ؟ فقيل قال :﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ ليظهر له العجز عن الإحاطة بشؤون الله تعالى على أتم وجه وتنحسم مادة استبعاده بالمرة و﴿كَمْ﴾ نصب على الظرفية ومميزها محذوف تقديره : كم وقتاً والناصب له ﴿لَبِثْتُ﴾ والظاهر أن القائل هو الله تعالى، وقيل : هاتف من السماء، وقيل : جبريل، وقيل : نبي، وقيل : رجل مؤمن شاهده يوم مات وعمر إلى حين إحيائه فيكون الإسناد إليه تعالى مجازاً ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قاله بناءاً على التقريب والتخمين أو استقصاراً لمدة لبثه، وقيل : إنه مات ضحى وبعث بعد المائة قبل الغروب فقال قبل النظر إلى الشمس :﴿يَوْماً﴾ ثم التفت فرأى بقية منها فقال :﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ على الإضراب، واعترض بأنه لا وجه للجزم بتمام اليوم ولو بناءاً على حسبان الغروب لتحقق النقصان من أوله ﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ﴾ عطف على مقدر أي ما لبثت ذلك القدر بل هذا المقدار ﴿فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ قيل : كان طعامه عنباً أو تيناً وشرابه عصيراً أو لبناً ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أي لم يتغير في هذه المدة المتطاولة، واشتقاقه من السنة وفي لامها اختلاف فقيل : هاء بدليل سانهت فلانا فهو مجزوم بسكون الهاء، وقيل : واو بدليل الجمع على سنوات فهو مجزوم بحذف الآخر والهاء هاء سكت ثبتت في الوقف وفي الوصل لإجرائه مجراه، ويجوز أن يكون التسنه عبارة عن مضي السنين كما هو الأصل ويكون عدم التسنه كناية عن بقائه على حاله غضاً طرياً غير متكرج، وقيل : أصله لم يتسنن. ومنه الحمأ المسنون أي الطين المتغير ومتى اجتمع ثلاث حروف متجانسة يقلب أحدها حرف علة كما قالوا في تظننت : تظنيت وفي تقضضت : تقضيت، وقد أبدلت هنا النون الأخيرة في رأي ياء، ثم أبدلت الياء ألفاً، ثم حذفت للجازم والجملة المنفية حال، وقد جاء مثلها بغير واو خلافاً لمن تردد فيه كقوله تعالى :
﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء﴾ [آل عمران: ١٧٤] و﴿أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شئ﴾ [الأنعام: ٣٩] وصاحبها إما الطعام والشراب، وإفراد الضمير لإجرائهما مجرى الواحد كالغذاء وإما الأخير واكتفى بدلالة حاله على حال الأول ويؤيده قراءة عبد الله، وهذا شربك لم يتسنه، وقرأ أبي لم يسنه بإدغام التاء في السين واستشكل تفرع ﴿فانظر﴾ على لبث المائة بالفاء وهو يقتضي التغير، وأجيب بأن المفرع عليه ليس لبث المائة بل لبث المائة من غير تغير في جسمه حتى ظنه زماناً قليلاً ففرع عليه ما هو أظهر منه وهو عدم تغير الطعام والشراب وبقاء الحيوان حياً من غير غذاء، وقيل : إن التقدير إن حصل لك عدم طمأنينة في أمر البعث فانظر إلى طعامك وشرابك السريع التغير حتى تعرف أن من لم يغيره يقدر على البعث. وفيه نظر لأنه مع كونه خلاف الظاهر يعكر عليه قوله تعالى :{ وانظر إلى حِمَارِك