الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي
عن الكتاب
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ هذا عطف على معنى الآية الأولى تقديره : هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربّه، أو هل رأيت كالذي مرّ على قرية.
قال بعض نحّاة البصرة :( الكاف ) صلة كأنّه قال : ألم ير إلى الذي أو الذي.
واختلفوا في ذلك المارّ من هو، فقال قتادة والربيع وعكرمة وناجية بن كعب وسليمان بن بريدة والضحاك والسدي وسليم الخواص : هو عزير بن شرحيا.
وقال وهب بن منبّه وعبد الله بن عبيد بن عمير : هو أرميا بن خلفيا وكان من سبط هارون ابن عمران، وهو الخضر.
وقال مجاهد : هو رجل كافر شكّ في البعث.
واختلفوا في القرية التي عليها، فقال وهب وعكرمة وقتادة والربيع : هي بيت المقدّس، وقال الضحاك : هي الأرض المقدّسة، وقال ابن زيد : الأرض التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر موت.
وقال الكلبي : هي دير سائداباذ، وقال السدي : هي سلماباذ، وقيل : دير هرافيل، وقيل : قرية العنب وهو على فرسخين من بيت المقدس. ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة، يقال : خوى البيت يخوى خوىً مقصوراً إذا سقط، وخوى البيت بالفتح خواً ممدود إذا خلا. ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ سقوفها وأبنيتها واحدها عرش وجمعه القليل : أعرش، وكلّ بناء عرش، يقال : عرش فلان، إذا بنى فهو يعرش ويعرش عرشاً، قال الله :﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] أي يبنون.
ومعنى الآية : إنّ السقوف سقطت ثم وقعت الحيطان عليها.
وقيل :( على ) بمعنى مع، أي خاوية مع عروشها.
قال الشاعر :
أي معهن.
نظيرها في سورة الكهف والحجّ. ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وكان السبب في ذلك على ماروى محمد بن إسحاق عن وهب بن منبّه : إن الله سبحانه وتعالى قال لأرميا عليه السلام حين بعثه نبيّاً إلى بني إسرائيل : يا أرميا من قبل أن خلقتك اخترتك، ومن قبل أن أُصوّرك في رحم أُمّك قدّستك، ومن قبل أن تبلغ السعي نبّأتك ولأمر عظيم أحببتك. فبعث الله أرميا إلى ناشئة بن أموص ملك بني إسرائيل ليسدده ويأتيه بالخبر من الله تعالى، فعظمت الأحداث في بني إسرائيل فركبوا المعاصي واستحلّوا المحارم، فأوحى الله تعالى إلى أرميا أن ذكّر قومك نعمي وعرّفهم أحداثهم فادعهم إليّ.
فقال أرميا : إنّي ضعيف إنّ لم تقوّني عاجز إن لم تنصرني.
فقال الله تعالى : أنا ألهمك، فقام أرميا فيهم ولم يدر ما يقول، فألهمه الله عزّ وجلّ في الوقت خطبة بليغة طويلة بيّن لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية.
وقال في آخرها : وإنّي أنا الله بعزتي لأقضين لهم فتنة يتحيّر فيها الحليم ولأسلطنّ عليهم جبّاراً قاسياً ألبسه الهيبة وأنزع من قلبه الرحمة يتّبعه عدد مثل سواد الليل المظلم.
فأوحى الله تعالى إلى أرميا : إنّي مهلك بني اسرائيل بيافث ويافث، أهل بابل وهم من ولد يافث بن نوح، فلمّا سمع ذلك أرميا صاح وبكى وشقّ ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فلما سمع الله تضرّع أرميا وهو الخضرعليه السلام وبكاه ناداه : يا أرميا أشق عليك ما أوحيت إليك ؟
قال : نعم يارب، أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسرّ به.
فقال الله عزّ وجلّ : وعزّتي لا أهلك بني اسرائيل حتّى يكون الأمر في ذلك من قبلك، ففرح بذلك أرميا وطابت نفسه، وقال : والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني اسرائيل، ثم أتى الملك فأخبره بذلك وكان ملكاً صالحاً فاستبشر وفرح وقال : إن يُعذّبنا ربّنا فبذنوب كثيرة لنا وإنّ عفا عنّا فبرحمته.
ثم إنّهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلاّ معصية وتمادياً في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم، فقل الوحي ودعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا، فسلّط الله عليهم بخت نصّر فخرج في ستمائة ألف راية تريد أهل بيت المقدس، فلما فصل سائراً أتى الخبر الملك فقال لأرميا : أين مازعمت أن الله أوحى إليك ؟
فقال أرميا : إنّ الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق.
فلما قرب الأجل وعزم الله تعالى على هلاكهم، بعث الله إلى أمريا مَلَكاً قد تمثّل له رجلاً من بني إسرائيل.
فقال : يا نبي الله أستعينك في أهل رحمي وصلت أرحامهم ولم أت إليهم إلاّ حيناً ولا يزيدون مع إكرامي إياهم إلاّ اسخاطاً لي فأفتني فيهم، فقال له : أحسن فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير.
فانصرف المَلَك فمكث أياماً ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فقعد بين يديه، فقال له أرميا : أوماظهرت أخلاقهم لك بعد ؟
قال : يانبي الله والذي بعثك بالحقّ ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمة إلاّ قدّمتها إليهم وأفضل.
فقال النبيّ : أرجع إلى أهلك وأحسن إليهم واسأل الله تعالى الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم، فقام المَلَك فمكث أياماً وقد نزل بخت نصر وجنوده حول بيت المقدس أكثر من الجرّاد ففزع بني اسرائيل وشقّ عليهم.
فقال المَلِك لارميا : يانبي الله أين ما وعدك الله ؟
قال : إنّي بربّي واثق.
ثم أقبل المَلَك إلى أرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس فضحك واستبشر بنصر ربّه الذي وعده فقعد بين يديه وقال : أنا الذي أنبأتك في شأن أهلي مرّتين.
فقال النبيّ : ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه ؟
فقال المَلَك : يانبي الله كلّ شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم أصبر عليه فاليوم رأيتهم في عمل لا يرضى الله عزّ وجلّ به.
فقال النبي : على أي عمل رأيتهم ؟
قال : عمل عظيم من سخط الله فغضبت لله ولك وأتيتك لأخبرك وإنّي أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلاّ ما دعوت الله عليهم ليهلكهم.
فقال أرميا : يا مَالك السماوات والأرض إنّ كانوا على حق وصواب فابقهم وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم.
فلما خرجت الكلمة من فم أرميا أرسل الله عزّ وجلّ صاعقة من السماء في بيت المقدس والتهب مكان القربان وخسف سبعة أبواب من أبوابها.
فلما رأى ذلك أرميا صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه، وقال : يا مَالك السماوات والأرض أين ميعادك الذي وعدتني ؟، فنودي أنّه لم يصبهم الذي أصابهم إلاّ بفتياك ودعائك، فاستيقن النبيّ أنّها فتياه التي أفتى بها، وأنه رسول ربه.
فطار أرميا حتّى خالط الوحوش، ودخل بخت نصّر وجنوده بيت المقدس ووطىء الشام وقتل بني إسرائيل حتّى أفناهم وخرّب بيت المقدس، ثم أمر جنوده أن يملأ كلّ رجل منهم ترسه تراباً ثم يقذفه في بيت المقدس فقذفوا فيه التراب حتى ملاؤه، ثم أمرهم أن يجمعوا مَنْ كان في بلدان بيت المقدس كلّهم فاجتمع عنده كلّ صغير وكبير من بني إسرائيل واختار منهم مائة ألف صبي فقسّمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كلّ رجل منهم أربعة أغلمة، وفرّق بخت نصّر مَنْ بقى من بني إسرائيل ثلاث فرق : فثلثاً أقرّ بالشام، وثلثاً أسر، وثلثاً قتل، فكانت هذه الواقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بظلمهم.
فلما ولّى بخت نصّر عنهم راجعاً إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل، أقبل أرميا على حمار له معه عصير عنب في زُكرة وسلّة تين حتّى أتى ايليا فلما وقف عليها ورأى خرابها قال :﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ؟ !
وقال الذين قالوا إن هذا المارّ كان عزيراً : إن بخت نصّر لما خرّب بيت المقدس وأقدم بسبي بني إسرائيل إلى أرض بابل كان فيهم عزير وكان من علماء بني إسرائيل، ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود.
فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار حتّى نزل على دير هرقل على شط دجلة، فطاف في القرية فلم يرَ فيها أحد وعلم بخبرها، فأكل من الفاكهة وعصر من العنب فشرب منه وجعل فضل الفاكهة في سلّة وفضل العصير في زق فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال :﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. لم يشك في البعث ولكن قالها تعجبّاً.
رجعنا إلى حديث وهب : قال : ربط أرميا حماره بحبل جديد فألقى الله عليه النوم، فلمّا نام نزع منه الروح مائة سنة وأمات حماره، وعصيره وتينه عنده، وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد وذلك ضحى، ومنع الله السباع والطير لحمه. فلمّا مضى من موته سبعون سنة أرسل الله عزّ وجلّ مَلَكاً إلى ملك من بني اسرائيل عظيم يقال له :[ يوسك ] فقال : إنّ الله عزّ وجلّ يأمرك أن تنفر قومك فتعمّر بيت المقدس وإيليا وأرضها حتّى تعود أعمر ما كان، فانتدب الملك ألف قهرمان مع كلّ قهرمان ثلاثمائة ألف عامل وجعلوا يعمّرونها، وأهلك الله تعالى بخت نصّر ببعوضة دخلت دماغه [. . . ] الله تعالى مَنْ بقى من بني إسرائيل ولم يمت ببابل وردّهم جميعاً إلى بيت المقدس ونواحيه، فعمّروه ثلاثين سنة وكثروا حتى صاروا كأحسن ما كانوا عليه، فلما مضت المائة أحيا الله تعالى منه عينيه وسائر جسده ميّت، ثم أحيا جسده وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره وإذا عظامه متفرّقة بيض تلوّح، فسمع صوتاً من السماء : أيّها العظام البالية إنّ الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع بعضها إلى بعض واتصل بعضها ببعض.
ثم نودي : إنّ الله يأمرك أن تكتسي لحماً وجلداً، فكان كذلك، ثم نُودي : إنّ الله يأمرك أن تحيي، فقام بأذن الله ونهق الحمار.
وعمّر الله أرميا، فهو الذي يُرى في الفلوات فذلك قوله تعالى :﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أي أحياه. ﴿قَالَ كَمْ﴾ إستفهام عن مبلغ العدد ﴿لَبِثْتَ﴾ قرأ ابن محيص والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي : لبث ولبثتم بالإدغام في جميع القرآن. الباقون بالإظهار.
فمَنْ أدغم فلا يجاوره في المخرج والمشاكلة في الهمس، ومَنْ أظهر [ فلإظهارها ] في المصحف، وكلاهما غريبان فصيحان ومعناه : كم مكثت وأقمت هاهنا. يقال : لبث يلبث لبثاً والباثاً. ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً﴾ وذلك إنّ الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال :﴿لَبِثْتُ يَوْماً﴾ وهو يرى إنّ الشمس قد غربت، ثم التفَتَ فرأى بقيّة من الشمس فقال :﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ بمعنى بل بعض يوم، لأن قوله ﴿بَعْضَ يَوْمٍ﴾ رجوع عن قوله :﴿لَبِثْتُ يَوْماً﴾ كقوله :﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. ﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ يعني التين ﴿وَشَرَابِكَ﴾ يعني العصير ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ قرأ حمزة والكسائي بحذف الهاء وَصْلاً وكذلك في قوله ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقرأ الباقون بالهاء فيها وصلاً ووقفاً. وذكر أبو حاتم عن طلحة ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ بادغام التاء في السين وزعم أنّه في حرف أُبيّ كذلك ومعناه : لم تغيّره السنون.
فمن أسقط الهاء في الوصل حول الهاء صلة زائدة، وقال : أصله لم يتسنّي فحذف الياء بالجزم وأبدل منها هاء في الوقف، وهذا على قول من جعل الهاء في السنة زائدة.
وقال : أصلها يسنوه وجمعها سنوات والفعل منه سانيت مساناة وتسنّيت تسنّياً، إلاّ أن الواو يردّ إلى الباقي التفعّل والتفاعل، كقولهم : التداعي والتداني ؛ لأن الياء أخف من الواو.
وقال أبو عمر : وهو من التسنن بنونين، وهو التغيير كقوله :﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] أي متغيّر ثم عوّضت عن إحدى النونين كقول الشاعر :
فهلا إذ سمعت بحثت عنه *** ولم تمس
قال بعض نحّاة البصرة :( الكاف ) صلة كأنّه قال : ألم ير إلى الذي أو الذي.
واختلفوا في ذلك المارّ من هو، فقال قتادة والربيع وعكرمة وناجية بن كعب وسليمان بن بريدة والضحاك والسدي وسليم الخواص : هو عزير بن شرحيا.
وقال وهب بن منبّه وعبد الله بن عبيد بن عمير : هو أرميا بن خلفيا وكان من سبط هارون ابن عمران، وهو الخضر.
وقال مجاهد : هو رجل كافر شكّ في البعث.
واختلفوا في القرية التي عليها، فقال وهب وعكرمة وقتادة والربيع : هي بيت المقدّس، وقال الضحاك : هي الأرض المقدّسة، وقال ابن زيد : الأرض التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر موت.
وقال الكلبي : هي دير سائداباذ، وقال السدي : هي سلماباذ، وقيل : دير هرافيل، وقيل : قرية العنب وهو على فرسخين من بيت المقدس. ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة، يقال : خوى البيت يخوى خوىً مقصوراً إذا سقط، وخوى البيت بالفتح خواً ممدود إذا خلا. ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ سقوفها وأبنيتها واحدها عرش وجمعه القليل : أعرش، وكلّ بناء عرش، يقال : عرش فلان، إذا بنى فهو يعرش ويعرش عرشاً، قال الله :﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] أي يبنون.
ومعنى الآية : إنّ السقوف سقطت ثم وقعت الحيطان عليها.
وقيل :( على ) بمعنى مع، أي خاوية مع عروشها.
قال الشاعر :
| كأن مصفحات في ذراه | وأبراجاً عليهن المآلي |
نظيرها في سورة الكهف والحجّ. ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وكان السبب في ذلك على ماروى محمد بن إسحاق عن وهب بن منبّه : إن الله سبحانه وتعالى قال لأرميا عليه السلام حين بعثه نبيّاً إلى بني إسرائيل : يا أرميا من قبل أن خلقتك اخترتك، ومن قبل أن أُصوّرك في رحم أُمّك قدّستك، ومن قبل أن تبلغ السعي نبّأتك ولأمر عظيم أحببتك. فبعث الله أرميا إلى ناشئة بن أموص ملك بني إسرائيل ليسدده ويأتيه بالخبر من الله تعالى، فعظمت الأحداث في بني إسرائيل فركبوا المعاصي واستحلّوا المحارم، فأوحى الله تعالى إلى أرميا أن ذكّر قومك نعمي وعرّفهم أحداثهم فادعهم إليّ.
فقال أرميا : إنّي ضعيف إنّ لم تقوّني عاجز إن لم تنصرني.
فقال الله تعالى : أنا ألهمك، فقام أرميا فيهم ولم يدر ما يقول، فألهمه الله عزّ وجلّ في الوقت خطبة بليغة طويلة بيّن لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية.
وقال في آخرها : وإنّي أنا الله بعزتي لأقضين لهم فتنة يتحيّر فيها الحليم ولأسلطنّ عليهم جبّاراً قاسياً ألبسه الهيبة وأنزع من قلبه الرحمة يتّبعه عدد مثل سواد الليل المظلم.
فأوحى الله تعالى إلى أرميا : إنّي مهلك بني اسرائيل بيافث ويافث، أهل بابل وهم من ولد يافث بن نوح، فلمّا سمع ذلك أرميا صاح وبكى وشقّ ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فلما سمع الله تضرّع أرميا وهو الخضرعليه السلام وبكاه ناداه : يا أرميا أشق عليك ما أوحيت إليك ؟
قال : نعم يارب، أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسرّ به.
فقال الله عزّ وجلّ : وعزّتي لا أهلك بني اسرائيل حتّى يكون الأمر في ذلك من قبلك، ففرح بذلك أرميا وطابت نفسه، وقال : والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني اسرائيل، ثم أتى الملك فأخبره بذلك وكان ملكاً صالحاً فاستبشر وفرح وقال : إن يُعذّبنا ربّنا فبذنوب كثيرة لنا وإنّ عفا عنّا فبرحمته.
ثم إنّهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلاّ معصية وتمادياً في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم، فقل الوحي ودعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا، فسلّط الله عليهم بخت نصّر فخرج في ستمائة ألف راية تريد أهل بيت المقدس، فلما فصل سائراً أتى الخبر الملك فقال لأرميا : أين مازعمت أن الله أوحى إليك ؟
فقال أرميا : إنّ الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق.
فلما قرب الأجل وعزم الله تعالى على هلاكهم، بعث الله إلى أمريا مَلَكاً قد تمثّل له رجلاً من بني إسرائيل.
فقال : يا نبي الله أستعينك في أهل رحمي وصلت أرحامهم ولم أت إليهم إلاّ حيناً ولا يزيدون مع إكرامي إياهم إلاّ اسخاطاً لي فأفتني فيهم، فقال له : أحسن فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير.
فانصرف المَلَك فمكث أياماً ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فقعد بين يديه، فقال له أرميا : أوماظهرت أخلاقهم لك بعد ؟
قال : يانبي الله والذي بعثك بالحقّ ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمة إلاّ قدّمتها إليهم وأفضل.
فقال النبيّ : أرجع إلى أهلك وأحسن إليهم واسأل الله تعالى الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم، فقام المَلَك فمكث أياماً وقد نزل بخت نصر وجنوده حول بيت المقدس أكثر من الجرّاد ففزع بني اسرائيل وشقّ عليهم.
فقال المَلِك لارميا : يانبي الله أين ما وعدك الله ؟
قال : إنّي بربّي واثق.
ثم أقبل المَلَك إلى أرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس فضحك واستبشر بنصر ربّه الذي وعده فقعد بين يديه وقال : أنا الذي أنبأتك في شأن أهلي مرّتين.
فقال النبيّ : ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه ؟
فقال المَلَك : يانبي الله كلّ شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم أصبر عليه فاليوم رأيتهم في عمل لا يرضى الله عزّ وجلّ به.
فقال النبي : على أي عمل رأيتهم ؟
قال : عمل عظيم من سخط الله فغضبت لله ولك وأتيتك لأخبرك وإنّي أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلاّ ما دعوت الله عليهم ليهلكهم.
فقال أرميا : يا مَالك السماوات والأرض إنّ كانوا على حق وصواب فابقهم وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم.
فلما خرجت الكلمة من فم أرميا أرسل الله عزّ وجلّ صاعقة من السماء في بيت المقدس والتهب مكان القربان وخسف سبعة أبواب من أبوابها.
فلما رأى ذلك أرميا صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه، وقال : يا مَالك السماوات والأرض أين ميعادك الذي وعدتني ؟، فنودي أنّه لم يصبهم الذي أصابهم إلاّ بفتياك ودعائك، فاستيقن النبيّ أنّها فتياه التي أفتى بها، وأنه رسول ربه.
فطار أرميا حتّى خالط الوحوش، ودخل بخت نصّر وجنوده بيت المقدس ووطىء الشام وقتل بني إسرائيل حتّى أفناهم وخرّب بيت المقدس، ثم أمر جنوده أن يملأ كلّ رجل منهم ترسه تراباً ثم يقذفه في بيت المقدس فقذفوا فيه التراب حتى ملاؤه، ثم أمرهم أن يجمعوا مَنْ كان في بلدان بيت المقدس كلّهم فاجتمع عنده كلّ صغير وكبير من بني إسرائيل واختار منهم مائة ألف صبي فقسّمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كلّ رجل منهم أربعة أغلمة، وفرّق بخت نصّر مَنْ بقى من بني إسرائيل ثلاث فرق : فثلثاً أقرّ بالشام، وثلثاً أسر، وثلثاً قتل، فكانت هذه الواقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بظلمهم.
فلما ولّى بخت نصّر عنهم راجعاً إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل، أقبل أرميا على حمار له معه عصير عنب في زُكرة وسلّة تين حتّى أتى ايليا فلما وقف عليها ورأى خرابها قال :﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ؟ !
وقال الذين قالوا إن هذا المارّ كان عزيراً : إن بخت نصّر لما خرّب بيت المقدس وأقدم بسبي بني إسرائيل إلى أرض بابل كان فيهم عزير وكان من علماء بني إسرائيل، ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود.
فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار حتّى نزل على دير هرقل على شط دجلة، فطاف في القرية فلم يرَ فيها أحد وعلم بخبرها، فأكل من الفاكهة وعصر من العنب فشرب منه وجعل فضل الفاكهة في سلّة وفضل العصير في زق فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال :﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. لم يشك في البعث ولكن قالها تعجبّاً.
رجعنا إلى حديث وهب : قال : ربط أرميا حماره بحبل جديد فألقى الله عليه النوم، فلمّا نام نزع منه الروح مائة سنة وأمات حماره، وعصيره وتينه عنده، وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد وذلك ضحى، ومنع الله السباع والطير لحمه. فلمّا مضى من موته سبعون سنة أرسل الله عزّ وجلّ مَلَكاً إلى ملك من بني اسرائيل عظيم يقال له :[ يوسك ] فقال : إنّ الله عزّ وجلّ يأمرك أن تنفر قومك فتعمّر بيت المقدس وإيليا وأرضها حتّى تعود أعمر ما كان، فانتدب الملك ألف قهرمان مع كلّ قهرمان ثلاثمائة ألف عامل وجعلوا يعمّرونها، وأهلك الله تعالى بخت نصّر ببعوضة دخلت دماغه [. . . ] الله تعالى مَنْ بقى من بني إسرائيل ولم يمت ببابل وردّهم جميعاً إلى بيت المقدس ونواحيه، فعمّروه ثلاثين سنة وكثروا حتى صاروا كأحسن ما كانوا عليه، فلما مضت المائة أحيا الله تعالى منه عينيه وسائر جسده ميّت، ثم أحيا جسده وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره وإذا عظامه متفرّقة بيض تلوّح، فسمع صوتاً من السماء : أيّها العظام البالية إنّ الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع بعضها إلى بعض واتصل بعضها ببعض.
ثم نودي : إنّ الله يأمرك أن تكتسي لحماً وجلداً، فكان كذلك، ثم نُودي : إنّ الله يأمرك أن تحيي، فقام بأذن الله ونهق الحمار.
وعمّر الله أرميا، فهو الذي يُرى في الفلوات فذلك قوله تعالى :﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أي أحياه. ﴿قَالَ كَمْ﴾ إستفهام عن مبلغ العدد ﴿لَبِثْتَ﴾ قرأ ابن محيص والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي : لبث ولبثتم بالإدغام في جميع القرآن. الباقون بالإظهار.
فمَنْ أدغم فلا يجاوره في المخرج والمشاكلة في الهمس، ومَنْ أظهر [ فلإظهارها ] في المصحف، وكلاهما غريبان فصيحان ومعناه : كم مكثت وأقمت هاهنا. يقال : لبث يلبث لبثاً والباثاً. ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً﴾ وذلك إنّ الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال :﴿لَبِثْتُ يَوْماً﴾ وهو يرى إنّ الشمس قد غربت، ثم التفَتَ فرأى بقيّة من الشمس فقال :﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ بمعنى بل بعض يوم، لأن قوله ﴿بَعْضَ يَوْمٍ﴾ رجوع عن قوله :﴿لَبِثْتُ يَوْماً﴾ كقوله :﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. ﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ يعني التين ﴿وَشَرَابِكَ﴾ يعني العصير ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ قرأ حمزة والكسائي بحذف الهاء وَصْلاً وكذلك في قوله ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقرأ الباقون بالهاء فيها وصلاً ووقفاً. وذكر أبو حاتم عن طلحة ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ بادغام التاء في السين وزعم أنّه في حرف أُبيّ كذلك ومعناه : لم تغيّره السنون.
فمن أسقط الهاء في الوصل حول الهاء صلة زائدة، وقال : أصله لم يتسنّي فحذف الياء بالجزم وأبدل منها هاء في الوقف، وهذا على قول من جعل الهاء في السنة زائدة.
وقال : أصلها يسنوه وجمعها سنوات والفعل منه سانيت مساناة وتسنّيت تسنّياً، إلاّ أن الواو يردّ إلى الباقي التفعّل والتفاعل، كقولهم : التداعي والتداني ؛ لأن الياء أخف من الواو.
وقال أبو عمر : وهو من التسنن بنونين، وهو التغيير كقوله :﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] أي متغيّر ثم عوّضت عن إحدى النونين كقول الشاعر :
فهلا إذ سمعت بحثت عنه *** ولم تمس