البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الخاوي : الخالي، خوت الدار تخوى خوىً غير ممدود، وخوياً، والأولى أفصح، ويقال خوى البيت انهدم لأنه بتهدّمه يخلو من أهله، والخوى : الجوع : لخلو البطن من الغذاء، وخوت المرأة وخويت خلا جوفها عند الولادة، وخويت لها تخويةً علمت لها خوية تأكلها، وهي طعام.
والخوي على وزن فعيل : البطن السهل من الأرض، وخوي البعير جافَى بطنه عن الأرض في مبركه، وكذلك الرجل في سجوده قال الراجز :
خوى على مستويات خمس***
كركرة وثفنات ملسِ
العرش : سقف البيت، وكل ما يهيأ ليُظلَّ أو يِكُنَّ فهو عريش الدالية، وقال تعالى :﴿ومما يعرشون﴾ وفي الحديث " لما أمر ببناء المسجد قالوا : نبنيه لك بنياناً قال :«لا بل عرش كعرش أخي موسى » فوضعوا النخل على الحجارة وغشوه بالجريد وسعفه "، وقيل : العرش البنيان قال الشاعر :
إن يقتلوك فقد ثللث عروشهم***
بعتيبة بن الحارث بن شهاب
مائة : اسم لرتبة من العدد معروفة، ويجمع على مئات ومئين، وهي مخففة محذوفة اللام، ولا مها ياء، فالأصل مئية، ويقال : أمأيتُ الدراهم إذا صيرتها مائة، وأمأَتْ هي، أي : صارت مائة.
العام : مدّة من الزمان معروفة، وألفه منقلبة عن واو، لقولهم : العويم والأعوام.
وقال النقاش : العام مصدر كالعوم، سمي به هذا القدر من الزمان لأنها عومة من الشمس في الفلك، والعوم كالسبح، وقال تعالى ﴿وكل في فلك يسبحون﴾ والعام على هذا : كالقول والقال.
اللبث : المكث والإقامة.
يتسنه : إن كانت الهاء أصلية فهو من السنة على من يجعل لامها المحذوف هاءً، قالوا في التصغير : سنيهة، وفي الجمع سنهات.
وقالوا : سانهت وأسنهت عند بني فلان، وهي لغة الحجاز وقال الشاعر :
وليست بسنهاء ولا رجبية***
ولكن عرايا في السنين الجوائح
وإن كانت الهاء للسكت، وهو اختيار المبرد، فلام الكلمة محذوفة للجازم، وهي ألف منقلبة عن واو على من يجعل لام سنة المحذوف واواً.
لقولهم : سنية وسنوات، واشتق منه الفعل، فقيل : سانيت وأسنى وأسنت.
أبدل من الواو تاءً، أو تكون الألف منقلبة عن ياء مبدلة من نون، فتكون من المسنون أي : المتغير، وأبدلت كراهة اجتماع الأمثال، كما قالوا : تظنى، ويتلعى الأصل تظنن ويتلعع، قاله أبو عمر، وخطأه الزجاج.
قال : لأن المسنون : المصبوب على سنة الطريق وصوبه.
وقال النقاش : هو من قوله من ماء غير آسنٍ ورد النحاة عليه هذا القول لأنه لو كان من أسن الماء لجاء لم يتأسن، لأنك لو بنيت تفعل من الأكل لقلت تأكل، ويحتمل ما قاله النقاش على اعتقاد القلب، وجعل فاء الكلمة مكان اللام، وعينها مكان الفاء، فصار : تسنأ، وأصله تأسن، ثم أبدلت الهمزة كما قالوا في : هدأ وقرأ واستقر، أهدا وقرا واستقرا.
الحمار : هو الحيوان المعروف، ويجمع في القلة على : أفعلة قالوا : أحمرة، وفي الكثرة على : فُعُل، قالوا : حمر، وعلى : فعيل، قالوا : حمير.
أنشر : الله الموتى، ونشرهم، ونشر الميت حيي قال الشاعر :
حتى يقول الناس مما رأوا***
يا عجباً للميت الناشر
وأما : أنشز، بالزاي فمن النشز، وهو ما ارتفع من الأرض، ومعنى : أنشز الشيء جعله ناشزاً، أي : مرتفعاً، ومنه : انشزوا فانشزوا، وامرأة ناشز، أي : مرتفعة عن الحالة التي كانت عليها مع الزوج.
﴿أو كالذي مرّ على قرية﴾ قرأ الجمهور : أو، ساكنة الواو، قيل : ومعناها التفصيل، وقيل : التخيير في التعجيب من حال من ينشأ منهما.
وقرأ أبو سفيان بن حسين : أوَ كالذي، بفتح الواو، وهي حرف عطف دخل عليها ألف التقرير، والتقدير : وأرأيت مثل الذي ؛ ومن قرأ : أو، بحرف العطف فجمهور المفسرين أنه معطوف على قوله :﴿ألم تر إلى الذي حاج﴾ على المعنى، إذ معنى : ألم تر إلى الذي ؟ أرأيت كالذي حاجّ ؟ فعطف قوله : أو كالذي مر، على هذا المعنى، والعطف على المعنى موجود في لسان العرب قال الشاعر :
تقي نقي لم يكثر غنيمة***
بنهكة ذي قربى ولا بحقلّد
المعنى في قوله : لم يكثر : ليس بمكثر : ولذلك راعى هذا المعنى فعطف عليه قوله : ولا بحقلد.
وقال آخر :
أجدّك لن ترى بثعيلبات***
أولاء ببيداء ناجية ذمولا
ولا متدارك والليل طفل***
ببعض نواشع الوادي حمولا
المعنى : أجدّك لست برآء، ولما راعى هذا المعنى عطف عليه قوله : ولا متدارك، والعطف على المعنى نصوا على أنه لا ينقاس.
وقال الزمخشري، أو كالذي : معناه أورأيت مثل الذي ؟ فحذف لدلالة : ألم تر ؟ عليه لأن كلتيهما كلمة تعجيب. انتهى.
هو تخريج حسن، لأن إضمار الفعل لدلالة المعنى عليه أسهل من العطف على مراعاة المعنى، وقد جوّز الزمخشري الوجه الأول.
وقيل : الكاف زائدة، فيكون : الذي، قد عطف على : الذي، التقدير : ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم ؟ أو الذي مرّ على قرية ؟ قيل : كما زيدت في قوله تعالى :﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وفي قوله الراجز :
فصيروا مثل كعصف مأكول***
ويحتمل أن لا يكون ذلك على حذف فعل، ولا على العطف على المعنى، ولا على زيادة الكاف، بل تكون الكاف اسماً على ما يذهب إليه أبو الحسن، فتكون الكاف في موضع جر، معطوفة على الذي، التقدير :﴿ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم﴾ أو إلى مثل ﴿الذي مرّ على قرية﴾ ؟ ومجيء الكاف اسماً فاعلة، ومبتداً ومجرورة بحرف الجر ثابت في لسان العرب، وتأويلها بعيد، فأَلاوْلى هذا الوجه الأخير، وإنما عرض لهم الإشكال من حيث اعتقاد حرفية الكاف، حملاً على مشهور مذهب البصريين، والصحيح ما ذهب إليه أبو الحسن، ألا ترى في الفاعلية لمثل في قول الشاعر :
وإنك لم يُفخر عليك كفاخر***
ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب ؟
والكلام على الكاف يذكر في علم النحو.
والذي مر على قرية هو عزير، قاله علي، وابن عباس، وعكرمة، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع، والضحاك، والسدّي، ومقاتل، وسليمان بن بريدة، وناجية بن كعب، وسالم الخوّاص.
وقيل : أرمياء، قاله وهب، ومجاهد، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وبكر بن مضر.
وقال ابن إسحاق : هو أرمياء، وهو الخضر، وحكاه النقاش عن وهب.
قال ابن عطية : وهذا كما نراه إلاَّ أن يكون إسماً وافق اسماً، لأن الخضر معاصر لموسى، وهذا الذي مر على القرية هو بعده بزمان من سبط هارون فيما روى وهب.
قال بعض شيوخنا، يحتمل أن يكون الخضر بعينه ويكون من المعمرين، فيكون أدرك زمان خراب القرية، وهو إلى الآن باق على قول أكثر العلماء.
انتهى كلامه.
وقيل : على كافر مرّ على قرية وكان على حمار ومعه سلة تين، قاله الحسن.
وقيل : رجل من بني إسرائيل غير مسمى، قاله مجاهد فيما حكاه مكي.
وقيل : غلام لوط عليه السلام، وقيل : شعياء.
والذي أحياها بعد خرابها : لوسك الفارسي، حكاه السهيلي عن القتيبي.
والقرية : بيت المقدس، قاله وهب، وقتادة، والضحاك، وعكرمة، والربيع.
أو : قرية العنب، وهي على فرسخين من بيت المقدس، أو : الأرض المقدسة، قاله الضحاك، أو : المؤتفكة، قاله قوم، أو : القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت، قاله ابن زيد، أو : دير هرقل، قاله ابن عباس.
أو : شابور أباد، قاله الكلبي، أو : سلماياذ، قاله السدّي.
﴿وهي خاوية على عروشها﴾ قيل : المعنى خاوية من أهلها ثابتة على عروشها، فالبيوت قائمة.
وقال السُّدي.
ساقطة متهدّمة جدرانها على سقوفها بعد سقوط السقوف، وقيل : على، بمعنى : مع، أي : مع أبنيتها، والعروش على هذه الأبنية.
وهذه الجملة في موضع الحال من الفاعل الذي في : مر، أو : من قرية، والحال من النكرة إذا تأخرت تقل، وقيل : الجملة في موضع الصفة للقرية، ويبعد هذا القول الواو، و : على، متعلقة بمحذوف إذا كان المعنى : خاوية من أهلها، أي : مستقرة على عروشها، أو : بخاوية إذا كان المعنى ساقطة.
وقيل : على عروشها بدل من قوله : قرية، أي : مر على عروشها، وقيل : في موضع الصفة لقرية، أي : مر على قرية كائنة على عروشها وهي خاوية.
﴿قال أنّى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ قيل : لما خرّب بخت نصر البابلي بيت المقدس، حين أحدثت بنو إسرائيل الأحداث، وقف أرمياء، أو عزير، على القرية وهي كالتل العظيم وسط بيت المقدس، لأن بخت نصر أمر جنده بنقل التراب إليه حتى جعله كالجبل، فقال هذا الكلام.
قال الزمخشري : والمارّ كان كافراً بالبعث وهو الظاهر لانتظامه مع نمروذ في سلك، ولكلمة الاستبعاد التي هي : أنَّى يحيي، وقيل : عزير، أو : الخضر، أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم. انتهى.
وقال أبو علي : لا يجوز أن يكون نبياً لأن مثل هذا الشك لا يقع للأنبياء.
والإحياء والإماتة هنا مجازان، عبر بالإحياء عن العمارة، وبالموت عن الخراب.
وقيل : حقيقتان فيكون ثم مضاف محذوف تقديره : أنَّى يحيي أهل هذه القرية، أو يكون هذه إشارة إلى ما دل عليه المعنى من عظام أهلها البالية، وجثثهم المتمزقة، وأوصالهم المتفرقة، فعلى القول بالمجاز يكون قوله : أنَّى يحيي على سبيل التلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته، وضرب له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه، وعلى القول الثاني يكون قوله : أنَّى يحيي اعترافاً بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء واستعظاماً لقدرة المحيي، وليس ذلك على سبيل الشك.
وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال : كان هذا القول شكاً في قدرة الله على الإحياء، فلذلك ضرب له المثل في نفسه.
﴿فأمته الله مائة عام ثم بعثه﴾ أي أحياه وجعل له الحركة والانتقال.
قيل : لما مر سبعون سنة من موته، وقد منعه من السباع والطير، ومنع العيون أن تراه، أرسل الله ملكاً إلى ملك من ملوك فارس عظيم يقال له لوسك، فقال له : إن الله يأمرك أن تنفر بقومك ؛ فتعمر بيت المقدس وإيلياء وأرضها حتى تعود أحسن ما كانت، فانتدب الملك قيل ثلاثة آلاف قهرمان مع كل قهرمان ألف عامل، وجعلوا يعمرونها، وأهلك الله بخت نصر ببعوضة دخلت دماغه، ونجى الله من بقي من بني إسرائيل وردّهم إلى بيت المقدس ونواحيه فعمروها ثلاثين سنة، وكثروا حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه.
﴿قال كم لبثت﴾.
الظاهر أن القائل هو الله تعالى لقوله :﴿كيف ننشزها﴾ وقيل : هاتف من السماء، وقيل : جبريل، وقيل : نبي، وقيل : رجل مؤمن شاهده حين مات وعمر إلى حين إحيائه.
وعلى اختيار الزمخشري لم يكن بعد البعث كافراً، فلذلك ساغ أن يكلمه الله. انتهى.
ولا نص في الآية على أن الله كلَّمه شفاهاً.
و : كم، ظرف، أي : كم مدّة لبثت ؟ أي : لبثت ميتاً وهو سؤال على سبيل التقرير.
﴿قال لبثت يوماً أو بعض يوم﴾ قال ابن جريج، وقتادة، والربيع : أماته الله غدوة يوم ثم بعثه قبل الغروب بعد مائة سنة، فقال : قبل النظر إلى الشمس : يوماً، ثم التفت فرأى بقية من الشمس، فقال : أو بعض يوم، فكان قوله : يوماً على سبيل الظنّ، ثم لما تحقق أنه لم يكمل اليوم، قال ؛ أو بعض يوم.
والأولى أن لا تكون، أو، هنا للترديد، بل تكون للإضراب، كأنه قال : بل بعض يوم، لما لاحت له الشمس أضرب عن الإخبار الأول الذي كان على طريق الظنّ، ثم أخ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى