المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِى هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ﴾
عطفت ﴿أو﴾ في هذه الآية على المعنى(١)، لأن مقصد التعجيب في قوله :﴿ألم تر إلى الذي حاج﴾ [ الآية : ٢٥٨ ] يقتضي أن المعنى أرأيت كالذي حاج، ثم جاء قوله ﴿أو كالذي﴾، عطفاً على ذلك المعنى(٢)، وقرأ أبو سفيان بن حسين «أوَ كالذي مر » بفتح الواو، وهي واو عطف دخل عليها ألف التقرير(٣)، قال سليمان بن بريدة وناجية بن كعب(٤) وقتادة وابن عباس والربيع وعكرمة والضحاك : الذي مر على القرية هو عزير، وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير وبكر بن مضر : هو أرمياء، وقال ابن إسحاق : أرمياء هو الخضر وحكاه النقاش عن وهب بن منبه، قال الفقيه أبو محمد : وهذا كما تراه، إلا أن يكون اسماً وافق اسماً ؛ لأن الخضر معاصر لموسى، وهذا الذي مر على القرية هو بعده بزمان من سبط هارون فيما روى وهب بن منبه(٥)، وحكى مكي عن مجاهد أنه رجل من بني إسرائيل غير مسمى، قال النقاش : ويقال هو غلام لوط عليه السلام. قال أبو محمد : واختلف في القرية أيما هي ؟ فحكى النقاش أن قوماً قالوا هي المؤتفكة. وقال ابن زيد : إن القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله :﴿موتوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] مرّ عليهم رجل وهم عظام تلوح، فوقف ينظر فقال :﴿أنّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام﴾، وترجم الطبري على هذا القصص بأنه قول بأن القرية التي مرّ عليها هي التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم.
قال القاضي أبو محمد : وقول ابن زيد لا يلائم الترجمة، لأن الإشارة بهذه على مقتضى الترجمة هي إلى المكان، وعلى نفس القول(٦) هي إلى العظام والأجساد. وهذا القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية، إذ الآية إنما تضمنت قرية خاوية لا أنيس فيها. والإشارة بهذه إنما هي إلى القرية، وإحياؤها إنما هو بالعمارة ووجود البناء والسكان. وقال وهب بن منبه وقتادة والضحاك وعكرمة الربيع : القرية بيت المقدس لما خربها بخت نصر البابلي في الحديث الطويل(٧). حين أحدثت بنو إسرائيل الأحداث وقف أرمياء أو عزير على القرية وهي كالتل العظيم وسط بيت المقدس لأن بخت نصر أمر جنده بنقل التراب إليه حتى جعله كالجبل، ورأى أرمياء البيوت قد سقطت حيطانها على سقفها، والعريش سقف البيت وكل ما يهيأ ليظل أو يكن فهو عريش ومنه عريش الدالية والثمار، ومنه قوله تعالى :
﴿ومما يعرشون﴾(٨) [النحل: ٦٨] قال السدي(٩) : يقول هي ساقطة على سقفها أي سقطت السقف ثم سقطت الحيطان عليها، وقال غير السدي : معناه خاوية من الناس على العروش أي على البيوت، وسقفها عليها لكنها خوت من الناس والبيوت قائمة، قال أبو محمد : وانظر استعمل العريش مع على، في الحديث في قوله، وكان المسجد يومئذ على عريش في أمر ليلة القدر(١٠)، و ﴿خاوية﴾ معناه خالية، يقال خوت الدار تخوي خواء وخوياً ويقال خويت قال الطبري : والأول أفصح وقوله :﴿أنّى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ معناه من أي طريق وبأي سبب ؟ وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان كما يقال الآن في المدن الخربة التي يبعد أن تعمر وتسكن فكأن هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته، وضرب له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه(١١)، والمثال الذي ضرب له في نفسه يحتمل أن يكون على أن سؤاله، إنما كان عن إحياء الموتى من بنى آدم، أي أنى يحيي الله موتاها، وقد حكى الطبري عن بعضهم أنه قال كان هذا القول(١٢) شكاً في قدرة الله على الإحياء، فلذلك ضرب له المثل في نفسه.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وليس يدخل شك في قدرة الله على إحياء قرية بجلب العمرة إليها، وإنما يتصور الشك من جاهل في الوجه الآخر(١٣)، والصواب أن لا يتأول في الآية شك، وروي في قصص هذه الآية أن بني إسرائيل لما أحدثوا الأحداث بعث الله عليهم بخت نصر البابلي فقتلهم وجلاهم من بيت المقدس فخربه، فلما ذهب عنه جاء أرمياء فوقف على المدينة معتبراً فقال، ﴿أنّى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ ؟ قال :﴿فأماته الله﴾ تعالى وكان معه حمار قد ربطه بحبل جديد وكان معه سلة فيها تبن وهو طعامه، وقيل تبن وعنب، وكان معه ركوة من خمر، وقيل من عصير وقيل، قلة ماء هي شرابه، وبقي ميتاً مائة عام، فروي أنه بلي وتفرقت عظامه هو وحماره، وروي أنه بلي دون الحمار، وأن الحمار بقي حياً مربوطاً لم يمت ولا أكل شيئاً ولا بليت رمته، وروي أن الحمار بلي وتفرقت أوصاله دون عزير(١٤)، وروي أن الله بعث إلى تلك القرية من عمرها ورد إليها جماعة بني إسرائيل حيث كملت على رأس مائة سنة، وحينئذ حيي عزير، وروي أن الله رد عليه عينيه وخلق له حياة يرى بها كيف تعمر القرية ويحيى مدة من ثلاثين سنة تكملة المائة، لأنه بقي سبعين ميتاً كله، وهذا ضعيف ترد عليه ألفاظ الآية، وقوله تعالى :﴿ثم بعثه﴾، معناه : أحياه وجعل له الحركة والانتقال، فسأله الله تعالى بواسطة الملك ﴿كم لبثت﴾ ؟ على جهة التقرير، و ﴿كم﴾ في موضع نصب على الظرف، فقال :﴿لبثت يوماً أو بعض يوم﴾، قال ابن جريج وقتادة والربيع : أماته الله غدوة يوم ثم بعث قبل الغروب، فظن هذا اليوم واحداً فقال ﴿لبثت يوماً﴾ ثم رأى بقية من الشمس فخشي أن يكون كاذباً فقال :﴿أو بعض يوم﴾ فقيل له ﴿بل لبثت مائة عام﴾، ورأى من عمارة القرية وأشجارها ومبانيها ما دله على ذلك قال النقاش : العام مصدر كالعوم سمي به هذا القدر من الزمان لأنها عومة من الشمس في الفلك، والعوم كالسبح، وقال تعالى :
﴿وكل في فلك يسبحون﴾ [الأنبياء: ٣٣].
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه هذا معنى كلام النقاش. والعام على هذا كالقول والقال(١٥). وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد، وروي في قصص هذه الآية : أن الله بعث لها ملكاً من الملوك يعمرها ويجد في ذلك حتى كان كمال عمارتها عند بعث القائل :﴿أنّى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع :﴿لبثت﴾ في كل القرآن بإظهارالثاء وذلك لتباين الثاء من مخرج التاء، وذلك أن الطاء والتاء والدال من حيز، والظاء والذال والثاء المثلثة من حيز، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي، بالإدغام في كل القرآن، أجروهما مجرى المثلى من حيث اتقف الحرفان في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا وفي أنهما مهموستان(١٦)، قال أبو علي : ويقوي ذلك وقوع هذين الحرفين في «روي قصيدة واحدة ».
قوله عز وجل :
﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
وقف في هذه الألفاظ على بقاء طعامه وشرابه على حاله لم يتغير، وعلى بقاء حماره حيّاً على مربطه. هذا على أحد التأويلين(١٧). وعلى التأويل الثاني : وقف على الحمار كيف يحيى وتجتمع عظامه. وقرأ ابن مسعود :«وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه »، وقرأ طلحة بن مصرف وغيره :«وانظر إلى طعامك وشرابك لمائة سنة »(١٨)، قال أبو علي : واختلفوا في إثبات الهاء في الفعل من قوله عز وجل :﴿لم يتسنه﴾ و ﴿اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]، و ﴿ما أغنى عني ماليه﴾ [الحاقة: ٢٨] و ﴿سلطانيه﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿وما أدراك ماهية﴾ [القارعة: ١٠] وإسقاطها في الوصل، ولم يختلفوا في إثباتها في الوقف. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل، وكان حمزة يحذفهن في الوصل، وكان الكسائي يحذفها في ﴿يتسنّه﴾، و ﴿اقتده﴾، ويثبتها في الباقي. ولم يخلتفوا في ﴿حسابيه﴾ [الحاقة: ٢٠-٢٦] و ﴿كتابيه﴾ [الحاقة: ١٩-٢٥] أنهما بالهاء في الوقف والوصل(١٩)، و ﴿يتسنّه﴾(٢٠) يحتمل أن يكون من تسنن الشيء إذا تغير وفسد، ومنه الحمأ المسنون في قول بعضهم.
وقال الزجّاج : ليس منه وإنما المسنون المصبوب على سنة الأرض، فإذا كان من تسنن فهو لم يتسنن. قلبت النون ياء كما فعل في تظننت، حتى قلت لم أتظنن، فيجيء تسنن تسنى. ثم تحذف الياء للجزم فيجيء المضارع لم يتسن(٢١). ومن قرأها بالهاء على هذا القول فهي هاء السكت. وعلى هذا يحسن حذفها في الوصل. ويحتمل ﴿يتسنه﴾ أن يكون من السنة وهو الجدب. والقحط، وما أشبهه، يسمونه بذلك. وقد اشتق منه فعل فقيل : استنّوا(٢٢)، وإذا كان هذا(٢٣) أو من السنة التي هي العام على قول من يجمعها سنوات فعلى هذا أيضاً الهاء هاء السكت، والمعنى لم تغير طعامك القحوط والجدوب ونحوه، أو لم تغيره السنون والأعوام. وأما من قال في تصغير السنة سنيهة وفي الجمع سنهات، وقال أسنهت عند بني فلان(٢٤) وهي لغة الحجاز ومنها قول الشاعر :
وليست بسنهاء ولا رجبية. . . ولكن عرايا في السنين الجوائح(٢٥)
فإن(٢٦) القراءة على هذه اللغة هي بإثبات الهاء ولا بد، وهي لام الفعل، وفيها ظهر الجزم ب ﴿لم﴾، وعلى هذا هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو، وقد ذكر(٢٧). وقرأ طلحة بن مصرف «لم يسنّه » على الإدغام.
وقال النقاش :﴿لم يتسنه﴾ معناه : لم يتغير من قوله تعالى :﴿ماء غير آسن﴾ [محمد: ١٥]، قال أبو محمد : ورد النحاة على هذا القول، لأنه لو كان من أسن الماء لجاء لم يتأسن، وأما قوله تعالى :﴿وانظر إلى حمارك﴾، فقال وهب بن منبه وغيره : المعنى وانظر إلى اتصال عظامه وإحيائه جزءاً جزءاً، ويروى أنه أحياه الله كذلك حتى صار عظاماً ملتئمة، ثم كساه لحماً حتى كمل حماراً، ثم جاء ملك فنفخ في أنفه الروح، فقام الحمار ينهق، وروي عن الضحاك ووهب بن منبه أيضاً أنهما قالا : بل قيل له وانظر إلى حمارك قائماً في مربطه لم يصبه شيء مائة سنة، قالا : وإنما العظام التي نظر إليها عظام نفسه(٢٨)، قالا : وأعمى الله العيون عن أرمياء وحماره طول هذه المدة.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وكثر أهل القصص في صورة هذه النازلة تكثيراً اختصرته لعدم صحته، وقوله تعالى :﴿ولنجعلك آية للناس﴾ معناه لهذا المقصد من أن تكون آية فعلنا بك هذا(٢٩)، وقال الأعمش موضع كونه آية هو أنه جاء شاباً على حاله يوم مات، فوجد الحفدة والأبناء شيوخاً، وقال عكرمة : جاء وهو ابن أربعين سنة كما كان يوم مات، ووجد بنيه قد نيفوا على مائة سنة، وقال غير الأعمش : بل موضع كونه آية أنه جاء وقد هلك كل من يعرف، فكان آية لمن كان حياً من قومه، إذ كانوا موقنين بحاله سماعاً.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وفي إماتته هذه المدة، ثم إحيائه أعظم آية، وأمره كله آية للناس غابر الدهر، لا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض.
وأما العظام التي أمر بالنظر إليها فقد ذكرنا من قال : هي
عطفت ﴿أو﴾ في هذه الآية على المعنى(١)، لأن مقصد التعجيب في قوله :﴿ألم تر إلى الذي حاج﴾ [ الآية : ٢٥٨ ] يقتضي أن المعنى أرأيت كالذي حاج، ثم جاء قوله ﴿أو كالذي﴾، عطفاً على ذلك المعنى(٢)، وقرأ أبو سفيان بن حسين «أوَ كالذي مر » بفتح الواو، وهي واو عطف دخل عليها ألف التقرير(٣)، قال سليمان بن بريدة وناجية بن كعب(٤) وقتادة وابن عباس والربيع وعكرمة والضحاك : الذي مر على القرية هو عزير، وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير وبكر بن مضر : هو أرمياء، وقال ابن إسحاق : أرمياء هو الخضر وحكاه النقاش عن وهب بن منبه، قال الفقيه أبو محمد : وهذا كما تراه، إلا أن يكون اسماً وافق اسماً ؛ لأن الخضر معاصر لموسى، وهذا الذي مر على القرية هو بعده بزمان من سبط هارون فيما روى وهب بن منبه(٥)، وحكى مكي عن مجاهد أنه رجل من بني إسرائيل غير مسمى، قال النقاش : ويقال هو غلام لوط عليه السلام. قال أبو محمد : واختلف في القرية أيما هي ؟ فحكى النقاش أن قوماً قالوا هي المؤتفكة. وقال ابن زيد : إن القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله :﴿موتوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] مرّ عليهم رجل وهم عظام تلوح، فوقف ينظر فقال :﴿أنّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام﴾، وترجم الطبري على هذا القصص بأنه قول بأن القرية التي مرّ عليها هي التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم.
قال القاضي أبو محمد : وقول ابن زيد لا يلائم الترجمة، لأن الإشارة بهذه على مقتضى الترجمة هي إلى المكان، وعلى نفس القول(٦) هي إلى العظام والأجساد. وهذا القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية، إذ الآية إنما تضمنت قرية خاوية لا أنيس فيها. والإشارة بهذه إنما هي إلى القرية، وإحياؤها إنما هو بالعمارة ووجود البناء والسكان. وقال وهب بن منبه وقتادة والضحاك وعكرمة الربيع : القرية بيت المقدس لما خربها بخت نصر البابلي في الحديث الطويل(٧). حين أحدثت بنو إسرائيل الأحداث وقف أرمياء أو عزير على القرية وهي كالتل العظيم وسط بيت المقدس لأن بخت نصر أمر جنده بنقل التراب إليه حتى جعله كالجبل، ورأى أرمياء البيوت قد سقطت حيطانها على سقفها، والعريش سقف البيت وكل ما يهيأ ليظل أو يكن فهو عريش ومنه عريش الدالية والثمار، ومنه قوله تعالى :
﴿ومما يعرشون﴾(٨) [النحل: ٦٨] قال السدي(٩) : يقول هي ساقطة على سقفها أي سقطت السقف ثم سقطت الحيطان عليها، وقال غير السدي : معناه خاوية من الناس على العروش أي على البيوت، وسقفها عليها لكنها خوت من الناس والبيوت قائمة، قال أبو محمد : وانظر استعمل العريش مع على، في الحديث في قوله، وكان المسجد يومئذ على عريش في أمر ليلة القدر(١٠)، و ﴿خاوية﴾ معناه خالية، يقال خوت الدار تخوي خواء وخوياً ويقال خويت قال الطبري : والأول أفصح وقوله :﴿أنّى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ معناه من أي طريق وبأي سبب ؟ وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان كما يقال الآن في المدن الخربة التي يبعد أن تعمر وتسكن فكأن هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته، وضرب له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه(١١)، والمثال الذي ضرب له في نفسه يحتمل أن يكون على أن سؤاله، إنما كان عن إحياء الموتى من بنى آدم، أي أنى يحيي الله موتاها، وقد حكى الطبري عن بعضهم أنه قال كان هذا القول(١٢) شكاً في قدرة الله على الإحياء، فلذلك ضرب له المثل في نفسه.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وليس يدخل شك في قدرة الله على إحياء قرية بجلب العمرة إليها، وإنما يتصور الشك من جاهل في الوجه الآخر(١٣)، والصواب أن لا يتأول في الآية شك، وروي في قصص هذه الآية أن بني إسرائيل لما أحدثوا الأحداث بعث الله عليهم بخت نصر البابلي فقتلهم وجلاهم من بيت المقدس فخربه، فلما ذهب عنه جاء أرمياء فوقف على المدينة معتبراً فقال، ﴿أنّى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ ؟ قال :﴿فأماته الله﴾ تعالى وكان معه حمار قد ربطه بحبل جديد وكان معه سلة فيها تبن وهو طعامه، وقيل تبن وعنب، وكان معه ركوة من خمر، وقيل من عصير وقيل، قلة ماء هي شرابه، وبقي ميتاً مائة عام، فروي أنه بلي وتفرقت عظامه هو وحماره، وروي أنه بلي دون الحمار، وأن الحمار بقي حياً مربوطاً لم يمت ولا أكل شيئاً ولا بليت رمته، وروي أن الحمار بلي وتفرقت أوصاله دون عزير(١٤)، وروي أن الله بعث إلى تلك القرية من عمرها ورد إليها جماعة بني إسرائيل حيث كملت على رأس مائة سنة، وحينئذ حيي عزير، وروي أن الله رد عليه عينيه وخلق له حياة يرى بها كيف تعمر القرية ويحيى مدة من ثلاثين سنة تكملة المائة، لأنه بقي سبعين ميتاً كله، وهذا ضعيف ترد عليه ألفاظ الآية، وقوله تعالى :﴿ثم بعثه﴾، معناه : أحياه وجعل له الحركة والانتقال، فسأله الله تعالى بواسطة الملك ﴿كم لبثت﴾ ؟ على جهة التقرير، و ﴿كم﴾ في موضع نصب على الظرف، فقال :﴿لبثت يوماً أو بعض يوم﴾، قال ابن جريج وقتادة والربيع : أماته الله غدوة يوم ثم بعث قبل الغروب، فظن هذا اليوم واحداً فقال ﴿لبثت يوماً﴾ ثم رأى بقية من الشمس فخشي أن يكون كاذباً فقال :﴿أو بعض يوم﴾ فقيل له ﴿بل لبثت مائة عام﴾، ورأى من عمارة القرية وأشجارها ومبانيها ما دله على ذلك قال النقاش : العام مصدر كالعوم سمي به هذا القدر من الزمان لأنها عومة من الشمس في الفلك، والعوم كالسبح، وقال تعالى :
﴿وكل في فلك يسبحون﴾ [الأنبياء: ٣٣].
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه هذا معنى كلام النقاش. والعام على هذا كالقول والقال(١٥). وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد، وروي في قصص هذه الآية : أن الله بعث لها ملكاً من الملوك يعمرها ويجد في ذلك حتى كان كمال عمارتها عند بعث القائل :﴿أنّى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع :﴿لبثت﴾ في كل القرآن بإظهارالثاء وذلك لتباين الثاء من مخرج التاء، وذلك أن الطاء والتاء والدال من حيز، والظاء والذال والثاء المثلثة من حيز، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي، بالإدغام في كل القرآن، أجروهما مجرى المثلى من حيث اتقف الحرفان في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا وفي أنهما مهموستان(١٦)، قال أبو علي : ويقوي ذلك وقوع هذين الحرفين في «روي قصيدة واحدة ».
قوله عز وجل :
﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
وقف في هذه الألفاظ على بقاء طعامه وشرابه على حاله لم يتغير، وعلى بقاء حماره حيّاً على مربطه. هذا على أحد التأويلين(١٧). وعلى التأويل الثاني : وقف على الحمار كيف يحيى وتجتمع عظامه. وقرأ ابن مسعود :«وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه »، وقرأ طلحة بن مصرف وغيره :«وانظر إلى طعامك وشرابك لمائة سنة »(١٨)، قال أبو علي : واختلفوا في إثبات الهاء في الفعل من قوله عز وجل :﴿لم يتسنه﴾ و ﴿اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]، و ﴿ما أغنى عني ماليه﴾ [الحاقة: ٢٨] و ﴿سلطانيه﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿وما أدراك ماهية﴾ [القارعة: ١٠] وإسقاطها في الوصل، ولم يختلفوا في إثباتها في الوقف. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل، وكان حمزة يحذفهن في الوصل، وكان الكسائي يحذفها في ﴿يتسنّه﴾، و ﴿اقتده﴾، ويثبتها في الباقي. ولم يخلتفوا في ﴿حسابيه﴾ [الحاقة: ٢٠-٢٦] و ﴿كتابيه﴾ [الحاقة: ١٩-٢٥] أنهما بالهاء في الوقف والوصل(١٩)، و ﴿يتسنّه﴾(٢٠) يحتمل أن يكون من تسنن الشيء إذا تغير وفسد، ومنه الحمأ المسنون في قول بعضهم.
وقال الزجّاج : ليس منه وإنما المسنون المصبوب على سنة الأرض، فإذا كان من تسنن فهو لم يتسنن. قلبت النون ياء كما فعل في تظننت، حتى قلت لم أتظنن، فيجيء تسنن تسنى. ثم تحذف الياء للجزم فيجيء المضارع لم يتسن(٢١). ومن قرأها بالهاء على هذا القول فهي هاء السكت. وعلى هذا يحسن حذفها في الوصل. ويحتمل ﴿يتسنه﴾ أن يكون من السنة وهو الجدب. والقحط، وما أشبهه، يسمونه بذلك. وقد اشتق منه فعل فقيل : استنّوا(٢٢)، وإذا كان هذا(٢٣) أو من السنة التي هي العام على قول من يجمعها سنوات فعلى هذا أيضاً الهاء هاء السكت، والمعنى لم تغير طعامك القحوط والجدوب ونحوه، أو لم تغيره السنون والأعوام. وأما من قال في تصغير السنة سنيهة وفي الجمع سنهات، وقال أسنهت عند بني فلان(٢٤) وهي لغة الحجاز ومنها قول الشاعر :
وليست بسنهاء ولا رجبية. . . ولكن عرايا في السنين الجوائح(٢٥)
فإن(٢٦) القراءة على هذه اللغة هي بإثبات الهاء ولا بد، وهي لام الفعل، وفيها ظهر الجزم ب ﴿لم﴾، وعلى هذا هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو، وقد ذكر(٢٧). وقرأ طلحة بن مصرف «لم يسنّه » على الإدغام.
وقال النقاش :﴿لم يتسنه﴾ معناه : لم يتغير من قوله تعالى :﴿ماء غير آسن﴾ [محمد: ١٥]، قال أبو محمد : ورد النحاة على هذا القول، لأنه لو كان من أسن الماء لجاء لم يتأسن، وأما قوله تعالى :﴿وانظر إلى حمارك﴾، فقال وهب بن منبه وغيره : المعنى وانظر إلى اتصال عظامه وإحيائه جزءاً جزءاً، ويروى أنه أحياه الله كذلك حتى صار عظاماً ملتئمة، ثم كساه لحماً حتى كمل حماراً، ثم جاء ملك فنفخ في أنفه الروح، فقام الحمار ينهق، وروي عن الضحاك ووهب بن منبه أيضاً أنهما قالا : بل قيل له وانظر إلى حمارك قائماً في مربطه لم يصبه شيء مائة سنة، قالا : وإنما العظام التي نظر إليها عظام نفسه(٢٨)، قالا : وأعمى الله العيون عن أرمياء وحماره طول هذه المدة.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وكثر أهل القصص في صورة هذه النازلة تكثيراً اختصرته لعدم صحته، وقوله تعالى :﴿ولنجعلك آية للناس﴾ معناه لهذا المقصد من أن تكون آية فعلنا بك هذا(٢٩)، وقال الأعمش موضع كونه آية هو أنه جاء شاباً على حاله يوم مات، فوجد الحفدة والأبناء شيوخاً، وقال عكرمة : جاء وهو ابن أربعين سنة كما كان يوم مات، ووجد بنيه قد نيفوا على مائة سنة، وقال غير الأعمش : بل موضع كونه آية أنه جاء وقد هلك كل من يعرف، فكان آية لمن كان حياً من قومه، إذ كانوا موقنين بحاله سماعاً.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وفي إماتته هذه المدة، ثم إحيائه أعظم آية، وأمره كله آية للناس غابر الدهر، لا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض.
وأما العظام التي أمر بالنظر إليها فقد ذكرنا من قال : هي
١ - الآية منسوقة على الآية قبلها، والتقدير: "ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم فيربه – وإلى الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها». وقيل تقديره: هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، وهل رأيت كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها». قاله البغوي، وقوله تعالى: [مائة عام] ليس منصوبا بأماته، لأن الإماتة سلب الحياة وهي لا تمتد، وإنما الوجه أن يضمن (أمًاتَهُ) معنى (ألْبَثَهُ)، فكأنه قيل: ألبثَه الله ميتا مائة عام، قاله ابن هشام في معنى اللبيب..
٢ - والعطف على المعنى موجود في كلام العرب وإن كان لا ينقاس، ومنه قول الشاعر:
تَقِيٌّ نَقِيٌّ لمْ يُكَثِّر غُنَيْمَــةً بِنَهْكَةِ ذِي قُرْبَى ولا بِحَقَلَّــدِ
لأن المعنى في قوله: "لم يكثر" ليس بمكثر – ولذلك راعى هذا المعنى فعطف عليه قوله: "ولا بحقلد"..
٣ - فالهمزة للاستفهام الذي معناه التقرير. والتقدير: "وأَرَأَيْتَ مثل الذي"..
٤ - ناجية بن كعب الخزاعي هو صاحب هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عروة، أن النبي ﷺ بعث ناجية الخزاعي عيناً في فتح مكة،.
٥ - إن كان الخضر هو أرمياء فلا يبعد ما قاله ابن اسحق، لأن الخضر من المعمرين فيمكن أن يبقى حيا إلى هذا العصر على أحد القولين، وإن كان قد مات قبل – كما هو الصحيح عند المحدثين – فقول الإمام ابن عطية صحيح..
٦ - أي قول أبي زيد..
٧ - الحديث الطويل عن هذه القصة رواه ابن جرير الطبري عن محمد بن إسحق صاحب السيرة عمن لا يتهم عن وهب بن منبه اليماني..
٨ - من الآية (٦٨) من سورة النحل..
٩ - أي في معنى قوله تعالى: [وهي خاوية على عروشها]، وعلى ما قاله السدي رحمه الله [على عروشها] متعلق [خاوية]، وعلى ما قاله غيره فهو متعلق بمحذوف، أي قائمة على عروشها، وقد أيد الثاني الإمام ابن عطية. تأمل..
١٠ - نصه كما في البخاري: (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال: من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر وقد أُريت هذه الليلة ثم أُنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر، فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد فبصرت عيناي رسول الله ﷺ على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين)..
١١ - وهو إماتته مائة عام ثم بعثه وسؤاله..
١٢ - أي: [أنّى يحيي هذه الله بعد موتها]..
١٣ - وهو إحياء الموتى لا إحياء القرية..
١٤ - هناك روايات ثلاث: بلي هو دون حماره، بلي حماره دونه، بلي الاثنان وتفرقت عظامهما وأوصالهما..
١٥ - يعني أنه يقال: عام يعوم عوماً وعاماً، كما يقال: قال يقول قولا وقالا..
١٦ - الحروف المهموسة عشرة يجمعها قولك: (حَثَّه شخص فَسَكَتَ) وضدها المجْهُورة وهي تسعة عشر، والمجهورة ما يصحبها صوت قوي لقوة الاعتماد عليها، والمهموسة ما يصحبها صوت ضعيف لضعف الاعتماد عليها..
١٧ - وهو أن حماره بقي حيا في مربطه دون أكل أو شرب. والثاني وقف على كيفية حياة حماره الميت، وجمع عظامه..
١٨ - أي بدل قوله (لم يتسنه)..
١٩ - قوله تعالى: [اقْتَدِهْ] من الآية ٩٠ من سورة الأنعام. وفي قوله سبحانه: [أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقْتَدِهْ].
وقوله: [وما أدراك ماهيهْ] هي الآية ١٠ من سورة القارعة.
أما قوله تعالى: [ما أغنى عنِّي ماليه] – [هلك عني سلطانيه] – [إني ظننت أني ملاق حسابية] – [ولم أدر ما حسابيه] – [هاؤم اقرؤوا كتابيه] – [يا ليتني لم أوت كتابيه] فكلها في سروة الحاقة..
٢٠ - هذه الاحتمالات مبنية على الخلاف في هاء [يَتَسَنَّهْ]. أهي زائدة أم أًصلية من بنية الكلمة، وحاصله أن [يَتَسَنَّهْ] إما من التَسَنِّي والتسنن، وإما من السنة بمعنى: الجدب، أو بمعنى: العام وتجمع السنة على سنوات، ففي هذا كله الهاء هاء السكت، وإذا كانت السنة بمعنى العام وتجمع على سنهات فالهاء أصلية وبذلك قرأ أكثر السبعة..
٢١ - يعني أن أصله تَسَنن، ثم قلبت النون ياء كراهة التضعيف فصار "يتسنَّى"، وعليه فالأصل "تسنن" ثم "تسنى"، ثم جاء المضارع بالجزم فأصبح: "لم يَتَسَنَّ"، ومن قرأها بالهاء على هذا فهي هاء السكت..
٢٢ - أي أجدبوا، بقلب اللام تاء للفرق بين السنة بمعنى الجدب وبمعنى العام، ويقال: أسنوا: أتت عليهم سَنَة..
٢٣ - أي من السنة بمعنى الجدب أو من السنة بمعنى العام، أي قطع الشمس البروج الإثنى عشر..
٢٤ - أي أقمت عندهم سنة..
٢٥ - البيت لسويد بن الصامت الأنصاري، يقال: نخلة سنهاء، أي تحمل سنة ولا تحمل أخرى، ورُجَبِيَّة كعُمرية، يقال: رَجَّبَ النخلة: بنى تحتها بناءً تعتمد عليه لضعفها، أو ضمّ أعذاقها إلى سعفاتها وشدَّها بالخوص لئلا تنفضها الريح، وفي حديث السقيفة: «أنا جُذَيلها المحكَّك، وعُذَيقها المُرَجَّب» أو وضع الشوك حولها خشية أن يصل إليها سارق. والجوائح: السنون الشداد التي تجتاح المال. أي تهلكه وتستأصله..
٢٦ - جواب قوله: «وأما من قال في تصغير السنة... الخ»..
٢٧ - أي ذُكر ذلك من قبل – حيث قال: فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل..
٢٨ - معنى ذلك أن الله أحيا منه رأسه وعينيه وأبقى سائر جسده ميِّتا، وعند ذلك نظر بعينيه إلى عظامه، وهذه الرواية شاذة، وهذا القصص أصله إسرائيلي، والإسرائيليات لا تعتمد في التفسير الصحيح..
٢٩ - يشير بهذا إلى أن قوله تعالى: [ولنجعلك آية للناس] مربوط بفعل مقدر، أي: وفعلنا بك ذلك لنجعلك آية للناس على البعث والمعاد..
٢ - والعطف على المعنى موجود في كلام العرب وإن كان لا ينقاس، ومنه قول الشاعر:
تَقِيٌّ نَقِيٌّ لمْ يُكَثِّر غُنَيْمَــةً بِنَهْكَةِ ذِي قُرْبَى ولا بِحَقَلَّــدِ
لأن المعنى في قوله: "لم يكثر" ليس بمكثر – ولذلك راعى هذا المعنى فعطف عليه قوله: "ولا بحقلد"..
٣ - فالهمزة للاستفهام الذي معناه التقرير. والتقدير: "وأَرَأَيْتَ مثل الذي"..
٤ - ناجية بن كعب الخزاعي هو صاحب هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عروة، أن النبي ﷺ بعث ناجية الخزاعي عيناً في فتح مكة،.
٥ - إن كان الخضر هو أرمياء فلا يبعد ما قاله ابن اسحق، لأن الخضر من المعمرين فيمكن أن يبقى حيا إلى هذا العصر على أحد القولين، وإن كان قد مات قبل – كما هو الصحيح عند المحدثين – فقول الإمام ابن عطية صحيح..
٦ - أي قول أبي زيد..
٧ - الحديث الطويل عن هذه القصة رواه ابن جرير الطبري عن محمد بن إسحق صاحب السيرة عمن لا يتهم عن وهب بن منبه اليماني..
٨ - من الآية (٦٨) من سورة النحل..
٩ - أي في معنى قوله تعالى: [وهي خاوية على عروشها]، وعلى ما قاله السدي رحمه الله [على عروشها] متعلق [خاوية]، وعلى ما قاله غيره فهو متعلق بمحذوف، أي قائمة على عروشها، وقد أيد الثاني الإمام ابن عطية. تأمل..
١٠ - نصه كما في البخاري: (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال: من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر وقد أُريت هذه الليلة ثم أُنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر، فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد فبصرت عيناي رسول الله ﷺ على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين)..
١١ - وهو إماتته مائة عام ثم بعثه وسؤاله..
١٢ - أي: [أنّى يحيي هذه الله بعد موتها]..
١٣ - وهو إحياء الموتى لا إحياء القرية..
١٤ - هناك روايات ثلاث: بلي هو دون حماره، بلي حماره دونه، بلي الاثنان وتفرقت عظامهما وأوصالهما..
١٥ - يعني أنه يقال: عام يعوم عوماً وعاماً، كما يقال: قال يقول قولا وقالا..
١٦ - الحروف المهموسة عشرة يجمعها قولك: (حَثَّه شخص فَسَكَتَ) وضدها المجْهُورة وهي تسعة عشر، والمجهورة ما يصحبها صوت قوي لقوة الاعتماد عليها، والمهموسة ما يصحبها صوت ضعيف لضعف الاعتماد عليها..
١٧ - وهو أن حماره بقي حيا في مربطه دون أكل أو شرب. والثاني وقف على كيفية حياة حماره الميت، وجمع عظامه..
١٨ - أي بدل قوله (لم يتسنه)..
١٩ - قوله تعالى: [اقْتَدِهْ] من الآية ٩٠ من سورة الأنعام. وفي قوله سبحانه: [أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقْتَدِهْ].
وقوله: [وما أدراك ماهيهْ] هي الآية ١٠ من سورة القارعة.
أما قوله تعالى: [ما أغنى عنِّي ماليه] – [هلك عني سلطانيه] – [إني ظننت أني ملاق حسابية] – [ولم أدر ما حسابيه] – [هاؤم اقرؤوا كتابيه] – [يا ليتني لم أوت كتابيه] فكلها في سروة الحاقة..
٢٠ - هذه الاحتمالات مبنية على الخلاف في هاء [يَتَسَنَّهْ]. أهي زائدة أم أًصلية من بنية الكلمة، وحاصله أن [يَتَسَنَّهْ] إما من التَسَنِّي والتسنن، وإما من السنة بمعنى: الجدب، أو بمعنى: العام وتجمع السنة على سنوات، ففي هذا كله الهاء هاء السكت، وإذا كانت السنة بمعنى العام وتجمع على سنهات فالهاء أصلية وبذلك قرأ أكثر السبعة..
٢١ - يعني أن أصله تَسَنن، ثم قلبت النون ياء كراهة التضعيف فصار "يتسنَّى"، وعليه فالأصل "تسنن" ثم "تسنى"، ثم جاء المضارع بالجزم فأصبح: "لم يَتَسَنَّ"، ومن قرأها بالهاء على هذا فهي هاء السكت..
٢٢ - أي أجدبوا، بقلب اللام تاء للفرق بين السنة بمعنى الجدب وبمعنى العام، ويقال: أسنوا: أتت عليهم سَنَة..
٢٣ - أي من السنة بمعنى الجدب أو من السنة بمعنى العام، أي قطع الشمس البروج الإثنى عشر..
٢٤ - أي أقمت عندهم سنة..
٢٥ - البيت لسويد بن الصامت الأنصاري، يقال: نخلة سنهاء، أي تحمل سنة ولا تحمل أخرى، ورُجَبِيَّة كعُمرية، يقال: رَجَّبَ النخلة: بنى تحتها بناءً تعتمد عليه لضعفها، أو ضمّ أعذاقها إلى سعفاتها وشدَّها بالخوص لئلا تنفضها الريح، وفي حديث السقيفة: «أنا جُذَيلها المحكَّك، وعُذَيقها المُرَجَّب» أو وضع الشوك حولها خشية أن يصل إليها سارق. والجوائح: السنون الشداد التي تجتاح المال. أي تهلكه وتستأصله..
٢٦ - جواب قوله: «وأما من قال في تصغير السنة... الخ»..
٢٧ - أي ذُكر ذلك من قبل – حيث قال: فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل..
٢٨ - معنى ذلك أن الله أحيا منه رأسه وعينيه وأبقى سائر جسده ميِّتا، وعند ذلك نظر بعينيه إلى عظامه، وهذه الرواية شاذة، وهذا القصص أصله إسرائيلي، والإسرائيليات لا تعتمد في التفسير الصحيح..
٢٩ - يشير بهذا إلى أن قوله تعالى: [ولنجعلك آية للناس] مربوط بفعل مقدر، أي: وفعلنا بك ذلك لنجعلك آية للناس على البعث والمعاد..