روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ لما ذكر سبحانه وتعالى فيما تقدم الكفار وما يؤول إليه حالهم في الآخرة وكان في ذلك أبلغ التخويف والإنذار عقب بالمؤمنين وما لهم جرياً على السنة الإلهية من شفع الترغيب بالترهيب والوعد بالوعيد لأن من الناس من لا يجديه التخويف ولا يجديه وينفعه اللطف، ومنهم عكس ذلك فكأن هذا وما بعده معطوف على سابقه عطف القصة على القصة، والتناسب بينهما باعتبار أنه بيان لحال الفريقين المتباينين وكشف عن الوصفين المتقابلين، وهل هو معطوف على ﴿وَإِن كُنتُمْ﴾ [ البقرة : ٣ ٢ ] إلى ﴿أُعِدَّتْ﴾ [ البقرة : ٤ ٢ ] أو على ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ [ البقرة : ٤ ٢ ] الآية قولان ؟ اختار السيد أولهما، وادعى بعضهم أنه أقضى لحق البلاغة، وادعى لتلائم النظم لأن ﴿ياأيها الناس اعبدوا﴾ [ البقرة : ١ ٢ ] خطاب عام يشمل الفريقين ﴿وَإِن كُنتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣] الخ مختص بالمخالف ومضمونه الإنذار ﴿وَبَشّرِ﴾ الخ مختص بالموافق ومضمونه البشارة كأنه تعالى أوحى إلى نبيه ﷺ أن يدعو الناس إلى عبادته، ثم أمر أن ينذر من عاند ويبشر من صدق، والسعد اختار ثانيهما لأن السوق لبيان حال الكفار ووصف عقابهم. وقيل عطف على ﴿فاتقوا﴾ [ البقرة : ٤ ٢ ] وتغاير المخاطبين لا يضر ك ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا واستغفري﴾ [ يوسف : ٩ ٢ ] وترتبه على الشرط بحكم العطف باعتبار أن اتقوا إنذار وتخويف للكفار ﴿وَبَشّرِ﴾ تبشيراً للمؤمنين، وكل منهما مترتب على عدم المعارضة بعدم التحدي لأن عدم المعارضة يستلزم ظهور إعجازه وهو يستلزم استيجاب منكره العقاب، ومصدقه الثواب لأن الحجة تمت والدعوة كملت، واستيجابهما إياهما يقتضي الإنذار والتبشير، فترتب الجملة الثانية على الشرط ترتب الأولى عليه بلا فرق، وقد يقال إن الجزاء ( فآمنوا ) محذوفاً والمذكور قائم مقامه ؛ فالمعنى إن لم تأتوا بكذا فآمنوا ﴿وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ﴾ أي فليوجد إيمان منهم وبشارة منك ووضع الظاهر موضع الضمير، وفيه حث لهم على الإيمان، ولعله أقل مؤنة. واختار صاحب «الإيضاح » عطفه على أنذر مقدراً بعد جملة ﴿أُعِدَّتْ﴾ وقيل : عطف على قل قبل ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ وتقديره قبل ﴿يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس﴾ [ البقرة : ١ ٢ ] يحوج إلى إجراء ﴿مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا﴾ [ البقرة : ٣ ٢ ] على طريقة كلام العظماء، أو تقدير قال الله بعد قل، والبشارة بالكسر والضم اسم من بشر بشراً وبشوراً وتفتح الباء فتكون بمعنى الجمال، وفي الفعل لغتان، التشديد وهي العليا، والتخفيف وهي لغة أهل تهامة، وقرئ بهما في المضارع في مواضع والتكثير في المشدد بالنسبة إلى المفعول، فإن واحداً كان فعل فيه مغنياً عن فعل، وفسروها في المشهور، وصحح بالخبر السار الذي ليس عند المختبر علم به، واشترط بعضهم أن يكون صدقاً، وعن سيبويه إنها خبر يؤثر في البشرة حزناً أو سروراً وكثر استعماله في الخير، وصححه في «البحر » ﴿فبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] ظاهر عليه، ومن باب التهكم/ على الأول والمأمور بالتبشير البشير النذير ﷺ، وقيل : كل من يتأتى منه ذلك كما في قوله ﷺ «بشر المشائين إلى المساجد » الحديث ففيه رمز إلى أن الأمر لعظمته حقيق بأن يتولى التبشير به كل من يقدر عليه ويكون هناك مجاز إن كان الضمير موضوعاً لجزئي بوضع كلي وإلا ففي الحقيقة والمجاز كلام في محله، ولم يخاطب المؤمنون كما خوطب الكفرة تفخيماً لشأنهم وإيذاناً تاماً فإنهم أحقاء بأن يبشروا ويهنئوا بما أعد لهم، وقيل : تغيير للأسلوب لتخييل كمال التباين بين حال الفريقين، وعندي أنه سبحانه لما كسى رسوله ﷺ حلة عبوديته في قوله :﴿مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا﴾ [ البقرة : ٣ ٢ ] ناسب أن يطرزها بطراز التكليف بما يزيد حب أحبابه له فيزدادوا إيمانا إلى إيمانهم، وفي ذلك من اللطف به ﷺ وبهم ما لا يخفى.
وقرأ زيد بن علي ( وبشر ) مبنياً للمفعول وهو معطوف على ﴿أُعِدَّتْ﴾ [ البقرة : ٤ ٢ ] كما اشتهر، وقيل : إنه خبر معنى الأمر فتوافق القراءتان معنى وعطفاً، وتعليق التبشير بالموصول للإشعار بأنه معلل بما في حيز الصلة من الإيمان والعمل الصالح لكن لا لذاتهما بل بجعل الشارع ومقتضى وعده، وجعل صلته فعلاً مفيداً للحدوث بعد إيراد الكفار بصيغة الفاعل لحث المخاطبين بالاتقاء على إحداث الإيمان وتحذيرهم من الاستمرار على الكفر، ثم لا يخفى أن كون مناط البشارة مجموع الأمرين لا يقتضي انتفاء البشارة عند انتفائه فلا يلزم من ذلك أن لا يدخل بالإيمان المجرد الجنة كما هو رأي المعتزلة على أن مفهوم المخالفة ظني لا يعارض النصوص الدالة على أن الجنة جزاء مجرد الإيمان، ومتعلق ﴿ءامَنُواْ﴾ مما لا يخفى، وقدره بعضهم هنا بأنه منزل من عند الله عز وجل، و( الصالحات ) جمع صالحة وهي في الأصل مؤنث الصالح اسم فاعل من صلح صلوحاً وصلاحاً خلاف فسدت، ثم غلبت على ما سوغه الشرع وحسنه، وأجريت مجرى الأسماء الجامدة في عدم جريها على الموصوف وغيره، وتأنيثها على تقدير الخلة وللغلبة ترك، ولم تجعل التاء للنقل لعدم صيرورتها اسماً وأل فيها للجنس لكن لا من حيث تحققه في الأفراد إذ ليس ذلك في وسع المكلف ولو أريد التوزيع يلزم كفاية عمل واحد بل في البعض الذي يبقى مع إرادته معناه الأصلي الجنسية مع الجمعية وهو الثلاثة أو الاثنان، والمخصص حال المؤمن فما يستطيع من الأعمال الصالحة بعد حصول شرائطه هو المراد، فالمؤمن الذي لم يعمل أصلاً أو عمل عملاً واحداً غير داخل في الآية، ومعرفة كونه مبشراً من مواقع أخر، وبعضهم جعل فيها شائبة التوزيع بأن يعمل كل ما يجب من الصالحات إن وجب قليلاً كان أو كثيراً، وأدخل من أسلم ومات قبل أن يجب عليه شيء أو وجب شيء واحد، وليس هذا توزيعاً في المشهور كركب القوم دوابهم إذ قد يطلق أيضاً على مقابلة أشياء بأشياء أخذ كل منها ما يخصه سواء الواحد الواحد –كالمثال- أو الجمع الواحد- كدخل الرجال مساجد محلاتهم أو العكس كلبس القوم ثيابهم ومنه ﴿فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والسيد يسمي هذا شائبة التوزيع.
﴿أَنَّ لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أراد سبحانه :﴿بِأَنَّ لَهُمُ﴾ الخ لتعدي البشارة بالباء فحذف لاطراد حذف الجار مع أنّ، وأن بغير عوض لطولهما بالصلة، ومع غيرهما فيه خلاف مشهور، وفي المحل بعد الحذف قولان، النصب بنزع الخافض كما هو المعروف في أمثاله، والجر لأن الجار بعد الحذف قد يبقى أثره ولام الجر للاستحقاق وكيفيته مستفادة من خارج ولا استحقاق بالذات فهو بمقتضى وعد الشارع الذي لا يخلفه فضلاً وكرماً لكن بشرط الموت على الإيمان، والجنة في الأصل المرة من الجن بالفتح مصدر جنه إذا ستره، ومدار التركيب على الستر ثم سمي بها البستان الذي سترت أشجاره أرضه أو كل أرض فيها شجر ونخل/ فإن كرم ففردوس، وأطلقت على الأشجار نفسها ووردت في شعر الأعشى(١) بمعنى النخل خاصة ثم نقلت وصارت حقيقة شرعية في دار الثواب إذ فيها من النعيم «مالا، ولا » مما هو مغيب الآن عنا، وجمعت جمع قلة في المشهور لقلتها عدداً كقلة أنواع العبادات ولكن في كل واحدة منها مراتب شتى ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال، وما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها سبع لم يقف على ثبوته الحفاظ، وتنوينها إما للتنويع أو للتعظيم، وتقديم الخبر لقرب مرجع الضمير وهو أسر للسامع، والشائع التقديم إذا كان الاسم نكرة ك ﴿إِنَّ لَنَا لأجرا﴾ [ الأعراف : ٣ ١١ ] وتحت ظرف مكان لا يتصرف فيه بغير ( من ) كما نص عليه أبو الحسن، والضمير للجنات فإن أريد الأشجار فذاك مع ما فيه قريب في الجملة وإن أريد الأرض قيل من تحت أشجارها أو عاد عليها باعتبار الأشجار استخداماً ونحوه، وقيل : إن تحت بمعنى جانب كداري تحت دار فلان وضعف كالقول من تحت أوامر أهلها وقيل : منازلها، وإن أريد مجموع الأرض والأشجار فاعتبار التحتية كما قيل بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحح لإطلاق الجنة على الكل والوارد في الأثر الصحيح عن مسروق إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وهذا في أرض حصباؤها الدر والياقوت أبلغ في النزهة وأحلى في المنظر وأبهج للنفس :
وتحدث الماء الزلال مع الحصىفجرى النسيم عليه يسمع ما جرى
والأنهار : جمع نهر بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح، وأصله الشق، والتركيب للسعة ولو معنوية كنهر السائل بناءً على أنه الزجر البليغ فأطلق على ما دون البحر وفوق الجدول، وهل هو نفس مجرى الماء أو الماء في المجرى المتسع ؟ قولان : أشهرهما الأول، وعليه فالمراد مياهها أو ماؤها، وتأنيث ﴿تَجْرِى﴾ رعاية للمضاف إليه أو للفظ الجمع، وفي الكلام مجاز في النقص أو في الطرف ( أولا، ولا ) والإسناد مجازي، وأل للعهد الذهني قيل : أو الخارجي لتقدم ذكر الأنهار في قوله تعالى :﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء﴾ [ محمد : ٥ ١ ] الآية فإنها مكية على الأصح، وذي مدنية نزلت بعدها، واستبعده السيد والسعد، وقيل : عوض عن المضاف إليه أي أنهارها وهو مذهب كوفي، وحملها على الاستغراق على معنى يجري تحت الأشجار جميع أنهار الجنة فهو وصف لدار الثواب بأن أشجارها على شواطئ الأنهار وأنهارها تحت ظلال الأشجار أبرد من الثلج، ولا يخفى الكلام على جمع القلة.
﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ صفة ثانية لجنات أخرت عن الأولى لأن جريان الأنهار من تحتها وصف لها باعتبار ذاتها، وهذا باعتبار سكانها أو خبر مبتدأ محذوف أي هم والقرينة ذكره في السابقة واللاحقة، وكون الكلام مسوقاً لبيان أحوال المؤمنين، وفائدة حذف هذا المبتدأ تحقق التناسب بين الجمل الثلاثة صورة لأسميتها، ومعنى لكونها جواب سؤال كأنه قيل : ما حالهم في تلك الجنات ؟ فأجيب بأن لهم فيها ثماراً لذيذة عجيبة وأزواجاً نظيفة ﴿وَهُمْ فِيهَا خالدون﴾ وتقدير المبتدأ هو أو هي للشأن أو القصة ليس بشيء بناءً على أنه لا يجوز حذف هذا الضمير، وإذا لم تدخله النواسخ لا بد أن يكون مفسره جملة اسمية، نعم جاز تقدير هي للجنات والجملة خبر إلا أن التناسب أنسب أو جملة مستأنفة كأنه لما وصف الجنات بما ذكر وقع في الذهن أن ثمارها كثمار جنات الدنيا أولاً فبين حالها ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أزواج﴾ زيادة في الجواب ولو قدر السؤال نحو ألهم في الجنات لذات كما في هذه الدار أم أتم وأزيد ؟ كان أصح وأوضح، وأجاز أبو البقاء كونها حالاً من ﴿الذين﴾ أو من ﴿جنات﴾ لوصفها وهي حينئذٍ حال مقدرة والأصل في الحال المصاحبة، والقول بأنها صفة مقطوعة دعوى موصولة بالجهل بشرط القطع وهو علم السامع باتصاف المنعوت بذلك النعت وإلا لاحتاج إليه ولا قطع مع الحاجة، و﴿كُلَّمَا﴾ نصب على الظرفية ب ﴿قَالُواْ﴾، و﴿رِزْقاً﴾ مفعول ثان لرزقوا كرزقه مالاً أي أعطاه، وليس مفعولاً مطلقاً مؤكداً لعامله لأنه بمعنى المرزوق أعرف، والتأسيس خير من التأكيد مع اقتضاء ظاهر ما بعده له، وتنكيره للتنويع أو للت
١ _ وهو قوله: كأن عيني في غربي..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى