الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿وَبَشِّرِ﴾ أي وأخبر. ﴿الَّذِين آمَنُواْ﴾ وأصل التبشير : إيصال الخبر السار على [ مسامع الناس ] ويستبشر به، وأصله من البشرة ؛ لأنّ الإنسان إذا فرح بان ذلك في وجهه وبشرته، ثمّ كثر حتى وضع موضع الخبر فيما [ ساء وسرّ ] قال الله تعالى :﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]. ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ أي الخصال والفعلات ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ نعت لأسم مؤنث محذوف.
وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه في ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ : معناه أخلصوا الأعمال، يدلّ عليه قوله :﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الكهف: ١١٠] أي خالصاً لأن المنافق والمرائي لا يكون عمله خالصاً، وقال : أقاموا الصلوات المفروضات، دليله قوله تعالى :﴿وأقاموا الصلاة﴾. ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] من المسلمين.
وقال ابن عباس : عملوا الصالحات فيما بينهم وبين ربّهم، وقال : العمل الصالح يكون فيه أربعة أشياء : العلم، والنية، والصبر، والاخلاص.
وقال سهل بن عبدالله : لزموا السنّة ؛ لأنّ عمل المبتدع لا يكون صالحاً.
وقيل : أدّوا الأمانة، يدل عليه قوله :﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ [الكهف: ٨٢] أي أميناً.
وقيل : تابوا، ودليله قوله تعالى :﴿وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩] أي التائبين. ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ : محل ( أن ) نصب بنزع حرف الصّفة، أي بأنّ لهم. ﴿جَنَّاتٍ﴾ : في محل النصب فخفض لأنها جمع التأنيث، وهي جمع الجنّة وهي البستان، سمّيت جنّة لاجتنانها بالأشجار. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ : أي من تحت شجرها ومساكنها. وقيل : بأمرهم، كقوله :﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] أي بأمري.
والأنهار : جمع نهر، سمّي نهراً لسعته وضيائه ومنه النهار.
وأنشد أبو عبيدة :
ملكتُ بها كفّي فأنهرتُ فتقهايرى قائم من دونها ما وراءها
أي وسعتها، يصف طعنة.
وأراد بالأنهار المياه على قرب الجوار لأن النهر لا يجري.
وقد جاء في الحديث :" أنهار الجنّة تجري في غير إخدود ". ﴿كُلَّمَا﴾ متى ما ﴿رُزِقُواْ﴾ أطعموا ﴿مِنْهَا﴾ من الجنّة ﴿مِن ثَمَرَةٍ﴾ : أي ثمره، و( من ) صلة. ﴿رِّزْقاً﴾ طعاماً. ﴿قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا﴾ أُطعمنا ﴿مِن قَبْلُ﴾ : طعامهما، وقيل معناه : هذا الذي رزقنا من قبل، أي وعدنا الله في الدنيا وهو قول عطاء، و( قبل ) رفع على الغاية، قال الله تعالى :﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]. ﴿وَأُتُواْ﴾ وجيئوا ﴿بِهِ﴾ بالرزق.
قرأ هارون بن موسى :( وأتوا ) بفتح الألف، أراد أتاهم الخدم به. ﴿مُتَشَابِهاً﴾ اختلفوا في معناه، فقال ابن عباس ومجاهد والربيع والسّدي : متشابهاً في الألوان، مختلفاً في الطعوم.
الحسن وقتادة : متشابهاً في الفضل، خياراً كلّه ؛ لأنّ ثمار الدنيا [ تبقى ] ويرذل منها، وإن ثمار الجنة لا يرذل منها شيء.
محمد بن كعب وعلي بن زيد : بمعنى يشبه ثمر الدنيا غير أنها أطيب.
وقال بعضهم : متشابهاً في الإسم مختلفاً في الطعم.
قال ابن عباس : ليس في الجنة شيء ممّا في الدنيا غير الأسماء. ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ﴾ في الجنّات. ﴿أَزْوَاجٌ﴾ نساء وجوار، يعني الحور العين.
قال ثعلب : الزوج في اللغة : المرأة والرجل، والجمع والفرد، والنوع واللون، وجميعها أزواج. ﴿مُّطَهَّرَةٌ﴾ من الغائط والبول والحيض والنفاس والمخاط والبصاق والقيء والمني والولد وكل قذر ودنس.
وقال إبراهيم النخعي : في الجنة جماع ما شئت ولا ولد.
وقيل : مطهّرة عن مساويء الأخلاق.
وقال يمان : مطهّرة من الأثم والأذى.
قال النبي ﷺ :" إنّ أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يتفلون ولا يتغوّطون ولا يبولون ولا يتمخطون ". قيل : فما بال الطعام ؟ قال :" جشأ ورشح تجري من أعرافهم كريح المسك يلهمون التسبيح والتهليل كما يلهمون النفس ". ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ دائمون مقيمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها.
الحسن عن ابن عمر قال :" سُئل رسول الله ﷺ عن الجنة : كيف هي ؟
قال :" من يدخل الجنة يحيى ولا يموت وينعم ولا يبؤس ولا تبلى ثيابه ولا شبابه ".
قيل : يا رسول الله كيف بناؤها ؟ قال :" لبنة من فضّة ولبنةٌ من ذهب، بلاطها مسك أذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران ".
وقال يحيى بن أبي كثير : إنّ الحور العين لتُنادينّ أزواجهنّ بأصوات حسان، فيقلن : طالما انتظرناكم، نحن الراضيات الناعمات الخالدات، أنتم حبّنا ونحن حبّكم ليس دونكم مقصد ولا وراءكم معذر.
وقال الحسن في هذه الآية : هنّ عجائزكم الغمض الرّمض العمش طُهّرن من قذرات الدنيا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى