البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
البشارة : أول خبر يرد على الإنسان من خير كان أو شر، وأكثر استعماله في الخبر، وظاهر كلام الزمخشري.
أنه لا يكون إلا في الخير، ولذلك قال : تأول ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ وهو محجوج بالنقل.
قيل عن سيبويه : هو خبر يؤثر في البشرة من حزن أو سرور.
قال بعضهم : ولذا يقيد في الحزن، والبشارة : الجمال، والبشير : الجميل، قاله ابن دريد، وتباشير الفجر : أوائله.
وفي الفعل لغتان : التشديد، وهي اللغة العليا، والتخفيف : وهي لغة أهل تهامة.
وقد قرئ باللغتين في المضارع في مواضع من القرآن، ستأتي إن شاء الله.
الصلاح : يقابله الفساد.
الجنة : البستان الذي سترت أشجاره أرضه، وكل شيء ستر شيئاً فقد أجنه، ومن ذلك الجنة والجنة والجن والمجن والجنين.
المفضل الجنة : كل بستان فيه ظل، وقيل : كل أرض كان فيها شجر ونخل فهي جنة، فإن كان فيها كرم فهي : فردوس.
تحت : ظرف مكان لا يتصرف فيه بغير من، نص على ذلك أبو الحسن.
قال العرب : تقول تحتك رجلاك، لا يختلفون في نصب التحت.
النهر : دون البحر وفوق الجدول، وهل هو نفس مجرى الماء أو الماء في المجرى المتسع قولان، وفيه لغتان : فتح الهاء، وهي اللغة العالية، والسكون، وعلى الفتح جاء الجمع أنهاراً قياساً مطرداً إذ أفعال في فعل الاسم الصحيح العين لا يطرد، وإن كان قد جاءت منه ألفاظ كثيرة، وسمي نهراً لاتساعه، وأنهر : وسع، والنهار لاتساع ضوئه.
التشابه : تفاعل من الشبه والشبه المثل.
وتفاعل تأتي لستة معان : الاشتراك في الفاعلية من حيث اللفظ، وفيها وفي المفعولية من حيث المعنى، والإبهام، والرَّوم، ومطاوعة فاعل الموافق أفعل، ولموافقة المجرد وللإغناء عنه.
الزوج : الواحد الذي يكون معه آخر، واثنان : زوجان.
ويقال للرجل : زوج، ولامرأته أيضاً زوج وزوجة أقل.
وذكر الفراء أن زوجاً المراد به المؤنث فيه لغتان : زوج لغة أهل الحجاز، وزوجة لغة تميم وكثير من قيس وأهل نجد، وكل شيء قرن بصاحبه فهو زوج له، والزوج : الصنف ومنه : زوج بهيج، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً.
الطهارة : النظافة، والفعل طهر بفتح الهاء وهو الأفصح، وطهر بالضم، واسم الفاعل منهما طاهر.
فعلى الفتح قياس وعلى الضم شاذ نحو : حمض فهو حامض، وخثر فهو خاثر.
الخلود : المكث في الحياة أو الملك أو المكان مدّة طويلة لا انتهاء لها وهل يطلق على المدّة الطويلة التي لها انتهاء بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز قولان، وقال زهير :
فلو كان حمد يخلد الناس لم تمتولكن حمد الناس ليس بمخلد
ويقال : خلد بالمكان أقام به، وأخلد إلى كذا، سكن إليه، والمخلد : الذي لم يشب، ولهذا المعنى، أعني من السكون والاطمئنان، سمي هذا الحيوان اللطيف الذي يكون في الأرض خلداً.
وظاهره هذه الاستعمالات وغيرها يدل على أن الخلد هو المكث الطويل، ولا يدل على المكث الذي لا نهاية له إلا بقرينة.
واختار الزمخشري فيه : أنه البقاء اللازم الذي لا ينقطع، تقوية لمذهبه الاعتزالي في أن من دخل النار لم يخرج منها بل يبقى فيها أبداً.
والأحاديث الصحيحة المستفيضة دلت على خروج ناس من المؤمنين الذين دخلوا النار بالشفاعة من النار، ومناسبة قوله تعالى : وبشر لما قبله ظاهره، وذلك أنه لما ذكر ما تضمن ذكر الكفار وما تؤول إليه حالهم في الآخرة، وكان ذلك من أبلغ التخويف والإنذار، أعقب ما تضمن ذكر مقابليهم وأحوالهم وما أعد الله لهم في الآخرة من النعيم السرمدي.
وهكذا جرت العادة في القرآن غالباً متى جرى ذكر الكفار وما لهم أعقب بالمؤمنين وما لهم وبالعكس، لتكون الموعظة جامعة بين الوعيد والوعد واللطف والعنف، لأن من الناس من لا يجذبه التخويف ويجذبه اللطف، ومنهم من هو بالعكس.
والمأمور بالتبشير قيل : النبي ﷺ، وقيل : كل من يصلح للبشارة من غير تعيين.
قال الزمخشري : وهذا أحسن وأجزل لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به، انتهى كلامه.
والوجه الأول عندي أولى، لأن أمره ﷺ لخصوصيته بالبشارة أفخم وأجزل، وكأنه ما اتكل على أن يبشر المؤمنين كل سامع، بل نص على أعظمهم وأصدقهم ليكون ذلك أوثق عندهم وأقطع في الإخبار بهذه البشارة العظيمة، إذ تبشيره ﷺ تبشير من الله تعالى.
والجملة من قوله : وبشر معطوفة على ما قبلها، وليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب مشاكل من أمر أو نهي بعطف عليه، إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين، فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين، كما تقول : زيد يعاقب بالقيد والإزهاق، وبشر عمراً بالعفو والإطلاق، قال هذا الزمخشري وتبعه أبو البقاء فقال : الواو في وبشر عطف بها جملة ثواب المؤمنين على جملة عقاب الكافرين، انتهى كلامه.
وتلخص من هذا أن عطف الجمل بعضها على بعض ليس من شرطه أن تتفق معاني الجمل، فعلى هذا يجوز عطف الجملة الخبرية على الجملة غير الخبرية، وهذه المسألة فيها اختلاف.
ذهب جماعة من النحويين إلى اشتراط اتفاق المعاني، والصحيح أن ذلك ليس بشرط، وهو مذهب سيبويه.
فعلى مذهب سيبويه يتمشى إعراب الزمخشري وأبي البقاء.
وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن يكون قوله : وبشر معطوفاً على قوله : فاتقوا النار، ليكون عطف أمر على أمر.
قال الزمخشري : كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بني أسد بإحسان إليهم، وهذا الذي ذهبا إليه خطأ لأن قوله : فاتقوا جواب للشرط وموضعه جزم، والمعطوف على الجواب جواب، ولا يمكن في قوله : وبشر أن يكون جواباً لأنه أمر بالبشارة ومطلقاً، لا على تقدير إن لم تفعلوا، بل أمر أن يبشر الذين آمنوا أمراً ليس مترتباً على شيء قبله، وليس قوله : وبشر على إعرابه مثل ما مثل به من قوله : يا بني تميم إلخ، لأن قوله : احذروا لا موضع له من الإعراب، بخلاف قوله : فاتقوا.
فلذلك أمكن فيما مثل به العطف ولم يمكن في وبشر.
وقرأ زيد بن علي : وبشر فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول.
قال الزمخشري : عطفاً على أعدت انتهى.
وهذا الإعراب لا يتأتى على قول من جعل أعدت جملة في موضع الحال، لأن المعطوف على الحال حال، ولا يتأتى أن يكون وبشر في موضع الحال، فالأصح أن تكون جملة معطوفة على ما قبلها، وإن لم تتفق معاني الجمل، كما ذهب إليه سيبويه وهو الصحيح، وقد استدل لذلك بقول الشاعر :
تناغى غزالاً عند باب ابن عامروكحل مآقيك الحسان بإثمد
وبقول امرىء القيس :
وإن شفائي عبرة إن سفحتهاوهل عند رسم دارس من معوّل
وأجاز سيبويه : جاءني زيد، ومن أخوك العاقلان، على أن يكون العاقلان خبر ابتداء مضر.
وقد تقدم لنا أن الزمخشري يخص البشارة بالخبر الذي يظهر سرور المخبر به.
وقال ابن عطية : الأغلب استعماله في الخير، وقد يستعمل في الشر مقيداً به منصوصاً على الشر للمبشر به، كما قال تعالى :﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ ومتى أطلق لفظ البشارة فإنما يحمل على الخير، انتهى كلامه.
وتقدم لنا ما يخالف قوليهما من قول سيبويه وغيره، وأن البشارة أول خبر يرد على الإنسان من خير كان أو شر، قالوا : وسمي بذلك لتأثيره في البشرة، فإن كان خيراً أثر المسرة والانبساط، وإن كان شراً أثر القبض والانكماش.
قال تعالى :﴿يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان﴾ وقال تعالى :﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ وجعل الزمخشري هذا العكس في الكلام الذي يقصد به استهزاء الزائد في غيظه المستهزأ به وتألمه.
وقيل : معناه ضع هذا موضع البشارة منهم، قالوا : والصحيح أن كل خبر غير البشرة خيراً كان أو شراً بشارة، قال الشاعر :
يبشرني الغراب ببين أهلفقلت له ثكلتك من بشير
وقال آخر :
وبشرتني يا سعد أن أحبتيجفوني وأن الود موعده الحشر
والتضعيف في بشر من التضعيف الدال على التكثير فيما قال بعضهم، ولا يتأتى التكثير في بشر إلا بالنسبة إلى المفاعيل، لأن البشارة أول خبر يسر أو يحزن على المختار، ولا يتأتى التكثير فيه بالنسبة إلى المفعول الواحد، فبالنسبة إليه يكون فعل فيه مغنياً عن فعل، لأن الذي ينطق به مشدداً غير العرب الذين ينطقون به مخففاً، كما بينا قبل.
وكون مفعول بشر موصولاً بجملة فعلية ماضية ولم يكن اسم فاعل، دلالة على أن مستحق التبشير بفضل الله من وقع منه الإيمان وتحقق به وبالأعمال الصالحة.
والصالحات : جمع صالحة، وهي صفة جرت مجرى الأسماء في إيلائها العوامل، قال الحُطيئة :
كيف الهجاء وما ينفك صالحةمن آل لام بظهر الغيب تأتيني
فعلى هذا انتصابها على أنها مفعول بها، والألف واللام في الصالحات للجنس لا للعموم، لأنه لا يكاد يمكن أن يعمل المؤمن جميع الصالحات، لكن يعمل جملة من الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف.
والفرق بين لام الجنس إذا دخلت على المفرد، وبينها إذا دخلت على الجمع، أنها في المفرد يحتمل أن يراد بها واحد من الجنس، وفي الجمع لا يحتمله.
قال عثمان بن عفان : الصالح ما أخلص لله تعالى، وقال معاذ بن جبل : ما احتوى على أربعة : العلم والنية والصبر والإخلاص، وقال سهل بن عبد الله : ما وافق الكتاب والسنة، وقال علي بن أبي طالب : الصلوات في أوقاتها وتعديل أركانها وهيآتها، وقيل : الأمانة، وقيل : التوبة والاختيار، قول الجمهور : وهو كل عمل صالح أريد به الله.
قال ابن عطية : وفي قوله تعالى :﴿وعملوا الصالحات﴾ ردّ على من يقول : إن لفظة الإيمان بمجردها تقتضي الطاعات، لأنه لو كان ذلك ما أعادها، انتهى كلامه.
وفي ذلك أيضاً دليل على أن الذين أمر الله بأن يبشروا هم من جمعوا بين الإيمان والأعمال الصالحات، وأن من اقتصر على الإيمان فقط دون الأعمال الصالحات لا يكون مبشراً.
من هذه الآية : وبشر يتعدى لمفعولين : أحدهما بنفسه، والآخر بإسقاط حرف الجر.
فقوله :﴿أن لهم جنات﴾ هو في موضع هذا المفعول، وجاز حذف حرف الجر مع أن قياساً مطرداً، واختلفوا بعد حذف الحرف، هل موضع أن ومعموليها جر أم نصب ؟ فمذهب الخليل والكسائي : أن موضعه جر، ومذهب سيبويه والفراء : أن موضعه نصب، والاستدلال في كتب النحو.
وجنات : جمع جنة، جمع قلة، فروي عن ابن عباس أنها سبع جنات.
وقال قوم : هي ثمان جنات.
وزعم بعض المفسرين أن في تضاعيف الكتاب والسنة ما يدل على أنها أكثر من العدد الذي أشار إليه ابن عباس وغيره، قال : فإنه قال :﴿إن المتقين في جنات ونهر﴾ ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ ﴿ومن دونهما جنتان﴾ ﴿عندها جنة المأوى﴾ ﴿جنات عدن﴾ وعن النبي ﷺ قال :« جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما، وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن » وهذا الذي أورده هذا المفسر لا يدل على أنها أكثر مما روي عن ابن عباس.
وقال الزمخشري : الجنة اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاق العاملين، لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان، انتهى كلامه.
وقد دس فيه مذهبه الا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى