مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون﴾.
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة تكلم بعدهما في المعاد وبين عقاب الكافر وثواب المطيع ومن عادة الله تعالى أنه إذا ذكر آية في الوعيد أن يعقبها بآية في الوعد وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن مسألة الحشر والنشر من المسائل المعتبرة في صحة الدين والبحث عن هذه المسألة إما أن يقع عن إمكانها أو عن وقوعها، أما الإمكان فيجوز إثباته تارة بالعقل، وبالنقل أخرى، وأما الوقوع فلا سبيل إليه إلا بالنقل، وإن الله ذكر هاتين المسألتين في كتابه وبين الحق فيهما من وجوه. الوجه الأول : أن كثيرا ما حكى عن المنكرين إنكار الحشر والنشر، ثم إنه تعالى حكم بأنه واقع كائن من غير ذكر الدليل فيه، وإنما جاز ذلك لأن كل ما لا يتوقف صحة نبوة الرسول ﷺ عليه أمكن إثباته بالدليل النقلي، هذه المسألة كذلك فجاز إثباتها بالنقل، مثاله ما حكم ههنا بالنار للكفار، والجنة للأبرار، وما أقام عليه دليلا بل اكتفى بالدعوى، وأما في إثبات الصانع وإثبات النبوة فلم يكتف فيه بالدعوى بل ذكر فيه الدليل، وسبب الفرق ما ذكرناه وقال في سورة النحل ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ وقال في سورة التغابن ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم﴾. الوجه الثاني : أنه تعالى أثبت إمكان الحشر والنشر بناء على أنه تعالى قادر على أمور تشبه الحشر والنشر، وقد قرر الله تعالى هذه الطريقة على وجوه، فأجمعها ما جاء في سورة الواقعة فإنه تعالى ذكر فيها حكاية عن أصحاب الشمال أنهم كانوا يقولون ﴿أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون﴾، فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿قل إن الأولين والأخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم﴾ ثم إنه تعالى احتج على إمكانه بأمور أربعة. أولها : قوله ﴿أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾ وجه الاستدلال بذلك أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في آفاق أطراف الأعضاء ولهذا تشترك الأعضاء في الالتذاذ بالوقاع بحصول الانحلال عنها كلها، ثم أن الله تعالى سلط قوة الشهوة على البقية حتى أنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، فالحاصل أن تلك الأجزاء كانت متفرقة جدا، أولا في أطراف العالم، ثم أنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، ثم إنها كانت متفرقة في أطراف بدن ذلك الحيوان فجمعها الله سبحانه وتعالى في أوعية المني، ثم إنه تعالى أخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكون منها ذلك الشخص، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى ؟ فهذا تقرير هذه الحجة، وإن الله تعالى ذكرها في مواضع من كتابه، منها في سورة الحج ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب﴾ إلى قوله ﴿وترى الأرض هامدة﴾ ثم قال ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور﴾ وقال في سورة قد أفلح المؤمنون بعد ذكر مراتب الخلقة ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون﴾ وقال في سورة لا أقسم ﴿ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى﴾ وقال في سورة الطارق ﴿فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج﴾ إلى قوله ﴿إنه على رجعه لقادر﴾. وثانيها قوله ﴿أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه﴾ إلى قوله ﴿بل نحن محرومون﴾ وجه الاستدلال به أن الحب وأقسامه من مطول مشقوق وغير مشقوق، كالأرز والشعير، ومدور ومثلث ومربع، وغير ذلك على اختلاف أشكاله إذا وقع في الأرض الندية واستولى عليه الماء والتراب، فالنظر العقلي يقتضي أن يتعفن ويفسد، لأن أحدهما يكفي في حصول العفونة، ففيهما جميعا أولى، ثم إنه لا يفسد بل يبقى محفوظا، ثم إذا ازدادت الرطوبة تنفلق الحبة فلقتين فيخرج منها ورقتان، وأما المطول فيظهر في رأسه ثقب وتظهر الورقة الطويلة كما في الزرع، وأما النوى فما فيه من الصلابة العظيمة التي بسببها يعجز عن فلقه أكثر الناس إذا وقع في الأرض الندية ينفلق بإذن الله، ونواة التمر تنفلق من نقرة على ظهرها ويصير مجموع النواة من نصفين يخرج من أحد النصفين الجزء الصاعد، ومن الثاني الجزء الهابط، أما الصاعد فيصعد، وأما الهابط فيغوص في أعماق الأرض، والحاصل أنه يخرج من النواة الصغيرة شجرتان إحداهما خفيف صاعد، والأخرى ثقيل هابط مع اتحاد العنصر واتحاد طبع النواة والماء والهواء والتربة أفلا يدل ذلك على قدرة كاملة وحكمة شاملة فهذا القادر كيف يعجز عن جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء. ونظيره قوله تعالى في الحج ﴿وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾. وثالثها : قوله تعالى ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ؟﴾ وتقديره أن الماء جسم ثقيل بالطبع، وإصعاد الثقيل أمر على خلاف الطبع، فلابد من قادر قاهر يقهر الطبع ويبطل الخاصية ويصعد ما من شأنه الهبوط والنزول. وثانيها : أن تلك الذرات المائية اجتمعت بعد تفرقها. وثالثها : تسييرها بالرياح. ورابعها : إنزالها في مظان الحاجة والأرض الجرز، وكل ذلك يدل على جواز الحشر. أما صعود الثقيل فلأنه قلب الطبيعة، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يظهر الحياة والرطوبة من حساوة التراب والماء ؟ والثاني : لما قدر على جمع تلك الذرات المائية بعد تفرقها فلم لا يجوز جمع الأجزاء الترابية بعد تفرقها ؟ والثالث : تسيير الرياح فإذا قدر على تحريك الرياح التي تضم بعض تلك الأجزاء المتجانسة إلى بعض فلم لا يجوز ههنا ؟ والرابع : أنه تعالى أنشأ السحاب لحاجة الناس إليه فههنا الحاجة إلى إنشاء المكلفين مرة أخرى ليصلوا إلى ما استحقوه من الثواب والعقاب أولى واعلم أن الله تعالى عبر عن هذه الدلالة في موضع آخر من كتابه فقال في الأعراف لما ذكر دلالة التوحيد ﴿إن ربكم الله الذي﴾ إلى قوله ﴿قريب من المحسنين﴾ ثم ذكر دليل الحشر فقال ﴿وهو الذي يرسل الرياح﴾ إلى قوله ﴿كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون﴾ ورابعها : قوله ﴿أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون﴾ وجه الاستدلال أن النار صاعدة والشجرة هابطة، وأيضا النار لطيفة، والشجرة كثيفة. وأيضا النار نورانية والشجرة ظلمانية، والنار حارة يابسة والشجرة باردة رطبة، فإذا أمسك الله تعالى في داخل تلك الشجرة الأجزاء النورانية النارية فقد جمع بقدرته بين هذه الأشياء المتنافرة، فإذا لم يعجز عن ذلك فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات وتأليفها ؟ والله تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة يس فقال ﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا﴾.
واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة أمر الماء والنار وذكر في النمل أمر الهواء بقوله ﴿أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر﴾ إلى قوله ﴿أمن يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ وذكر الأرض في الحج في قوله ﴿وترى الأرض هامدة﴾ فكأنه سبحانه وتعالى بين أن العناصر الأربعة على جميع أحوالها شاهدة بإمكان الحشر والنشر. النوع الثاني : من الدلائل الدالة على إمكان الحشر : هو أنه تعالى يقول : لما كنت قادرا على الإيجاد أولا فلأن أكون قادرا على الإعادة أولى. وهذه الدلالة تقريرها في العقل ظاهر، وأنه تعالى ذكرها في مواضع من كتابه، منها في البقرة ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون﴾ ومنها قوله في سبحان الذي ﴿وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة﴾ إلى قوله ﴿قل الذي فطركم أول مرة﴾ ومنها في العنكبوت ﴿أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده﴾ ومنها قوله في الروم ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى﴾ ومنها في يس ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾، النوع الثالث : الاستدلال باقتداره على السماوات على اقتداره على الحشر. وذلك في آيات منها في سورة سبحان ﴿أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم﴾
وقال في يس ﴿أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم﴾ وقال في الأحقاف ﴿أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير﴾ ومنها في سورة ق ﴿أئذا متنا وكنا ترابا﴾ إلى قوله ﴿رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج﴾ ثم قال ﴿أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد﴾. النوع الرابع : الاستدلال على وقوع الحشر بأنه لابد من إثابة المحسن وتعذيب العاصي وتمييز أحدهما من الآخر بآيات، منها في يونس ﴿إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ءامنوا وعملوا الصالحات بالقسط﴾ ومنها في طه ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى﴾ ومنها في ص ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾. النوع الخامس : الاستدلال بإحياء الموتى في الدنيا على صحة الحشر والنشر فمنها خلقه آدم عليه الصلاة والسلام ابتداء ومنها قصة البقرة وهي قوله ﴿فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى﴾ ومنها قصة إبراهيم عليه السلام ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾ ومنها قوله ﴿أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها﴾ ومنها قصة يحيى وعيسى عليهما السلام فإنه تعالى استدل على إمكانهما بعين ما استدل به على جواز الحشر حيث قال ﴿وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا﴾ ومنها في قصة أصحاب الكهف ولذلك قال ﴿ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها﴾ ومنها قصة أيوب عليه السلام وهي قوله ﴿وآتيناه أهله﴾ يدل على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا ومنها ما أظهر الله تعالى على يد عيسى عليه السلام من إحياء الموتى حيث قال ﴿ويحيي الموتى﴾ وقال ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني﴾ ومنها قوله ﴿أولا يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا﴾ فهذا هو الإشارة إلى أصول الدلائل التي ذكرها الله تعالى في كتابه على صحة القول بالحشر، وسيأتي الاستقصاء في تفسير كل آية من هذه الآيات عند الوصول إليها إن شاء الله تعالى، ثم إنه تعالى نص في القرآن على أن منكر الحشر والنشر كافر، والدليل عليه قوله ﴿ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب﴾ ووجه إلزام الكفر أن دخول هذا الشيء في الوجود في نفسه، إذ لو كان ممتنع الوجود لما وجد في المرة الأولى فحيث وجد في المرة الأولى علمنا أنه ممكن الوجود في ذاته، فلو لم يصح ذلك من الله تعالى لدل ذلك إما على عجزه
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة تكلم بعدهما في المعاد وبين عقاب الكافر وثواب المطيع ومن عادة الله تعالى أنه إذا ذكر آية في الوعيد أن يعقبها بآية في الوعد وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن مسألة الحشر والنشر من المسائل المعتبرة في صحة الدين والبحث عن هذه المسألة إما أن يقع عن إمكانها أو عن وقوعها، أما الإمكان فيجوز إثباته تارة بالعقل، وبالنقل أخرى، وأما الوقوع فلا سبيل إليه إلا بالنقل، وإن الله ذكر هاتين المسألتين في كتابه وبين الحق فيهما من وجوه. الوجه الأول : أن كثيرا ما حكى عن المنكرين إنكار الحشر والنشر، ثم إنه تعالى حكم بأنه واقع كائن من غير ذكر الدليل فيه، وإنما جاز ذلك لأن كل ما لا يتوقف صحة نبوة الرسول ﷺ عليه أمكن إثباته بالدليل النقلي، هذه المسألة كذلك فجاز إثباتها بالنقل، مثاله ما حكم ههنا بالنار للكفار، والجنة للأبرار، وما أقام عليه دليلا بل اكتفى بالدعوى، وأما في إثبات الصانع وإثبات النبوة فلم يكتف فيه بالدعوى بل ذكر فيه الدليل، وسبب الفرق ما ذكرناه وقال في سورة النحل ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ وقال في سورة التغابن ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم﴾. الوجه الثاني : أنه تعالى أثبت إمكان الحشر والنشر بناء على أنه تعالى قادر على أمور تشبه الحشر والنشر، وقد قرر الله تعالى هذه الطريقة على وجوه، فأجمعها ما جاء في سورة الواقعة فإنه تعالى ذكر فيها حكاية عن أصحاب الشمال أنهم كانوا يقولون ﴿أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون﴾، فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿قل إن الأولين والأخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم﴾ ثم إنه تعالى احتج على إمكانه بأمور أربعة. أولها : قوله ﴿أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾ وجه الاستدلال بذلك أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في آفاق أطراف الأعضاء ولهذا تشترك الأعضاء في الالتذاذ بالوقاع بحصول الانحلال عنها كلها، ثم أن الله تعالى سلط قوة الشهوة على البقية حتى أنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، فالحاصل أن تلك الأجزاء كانت متفرقة جدا، أولا في أطراف العالم، ثم أنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، ثم إنها كانت متفرقة في أطراف بدن ذلك الحيوان فجمعها الله سبحانه وتعالى في أوعية المني، ثم إنه تعالى أخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكون منها ذلك الشخص، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى ؟ فهذا تقرير هذه الحجة، وإن الله تعالى ذكرها في مواضع من كتابه، منها في سورة الحج ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب﴾ إلى قوله ﴿وترى الأرض هامدة﴾ ثم قال ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور﴾ وقال في سورة قد أفلح المؤمنون بعد ذكر مراتب الخلقة ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون﴾ وقال في سورة لا أقسم ﴿ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى﴾ وقال في سورة الطارق ﴿فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج﴾ إلى قوله ﴿إنه على رجعه لقادر﴾. وثانيها قوله ﴿أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه﴾ إلى قوله ﴿بل نحن محرومون﴾ وجه الاستدلال به أن الحب وأقسامه من مطول مشقوق وغير مشقوق، كالأرز والشعير، ومدور ومثلث ومربع، وغير ذلك على اختلاف أشكاله إذا وقع في الأرض الندية واستولى عليه الماء والتراب، فالنظر العقلي يقتضي أن يتعفن ويفسد، لأن أحدهما يكفي في حصول العفونة، ففيهما جميعا أولى، ثم إنه لا يفسد بل يبقى محفوظا، ثم إذا ازدادت الرطوبة تنفلق الحبة فلقتين فيخرج منها ورقتان، وأما المطول فيظهر في رأسه ثقب وتظهر الورقة الطويلة كما في الزرع، وأما النوى فما فيه من الصلابة العظيمة التي بسببها يعجز عن فلقه أكثر الناس إذا وقع في الأرض الندية ينفلق بإذن الله، ونواة التمر تنفلق من نقرة على ظهرها ويصير مجموع النواة من نصفين يخرج من أحد النصفين الجزء الصاعد، ومن الثاني الجزء الهابط، أما الصاعد فيصعد، وأما الهابط فيغوص في أعماق الأرض، والحاصل أنه يخرج من النواة الصغيرة شجرتان إحداهما خفيف صاعد، والأخرى ثقيل هابط مع اتحاد العنصر واتحاد طبع النواة والماء والهواء والتربة أفلا يدل ذلك على قدرة كاملة وحكمة شاملة فهذا القادر كيف يعجز عن جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء. ونظيره قوله تعالى في الحج ﴿وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾. وثالثها : قوله تعالى ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ؟﴾ وتقديره أن الماء جسم ثقيل بالطبع، وإصعاد الثقيل أمر على خلاف الطبع، فلابد من قادر قاهر يقهر الطبع ويبطل الخاصية ويصعد ما من شأنه الهبوط والنزول. وثانيها : أن تلك الذرات المائية اجتمعت بعد تفرقها. وثالثها : تسييرها بالرياح. ورابعها : إنزالها في مظان الحاجة والأرض الجرز، وكل ذلك يدل على جواز الحشر. أما صعود الثقيل فلأنه قلب الطبيعة، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يظهر الحياة والرطوبة من حساوة التراب والماء ؟ والثاني : لما قدر على جمع تلك الذرات المائية بعد تفرقها فلم لا يجوز جمع الأجزاء الترابية بعد تفرقها ؟ والثالث : تسيير الرياح فإذا قدر على تحريك الرياح التي تضم بعض تلك الأجزاء المتجانسة إلى بعض فلم لا يجوز ههنا ؟ والرابع : أنه تعالى أنشأ السحاب لحاجة الناس إليه فههنا الحاجة إلى إنشاء المكلفين مرة أخرى ليصلوا إلى ما استحقوه من الثواب والعقاب أولى واعلم أن الله تعالى عبر عن هذه الدلالة في موضع آخر من كتابه فقال في الأعراف لما ذكر دلالة التوحيد ﴿إن ربكم الله الذي﴾ إلى قوله ﴿قريب من المحسنين﴾ ثم ذكر دليل الحشر فقال ﴿وهو الذي يرسل الرياح﴾ إلى قوله ﴿كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون﴾ ورابعها : قوله ﴿أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون﴾ وجه الاستدلال أن النار صاعدة والشجرة هابطة، وأيضا النار لطيفة، والشجرة كثيفة. وأيضا النار نورانية والشجرة ظلمانية، والنار حارة يابسة والشجرة باردة رطبة، فإذا أمسك الله تعالى في داخل تلك الشجرة الأجزاء النورانية النارية فقد جمع بقدرته بين هذه الأشياء المتنافرة، فإذا لم يعجز عن ذلك فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات وتأليفها ؟ والله تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة يس فقال ﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا﴾.
واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة أمر الماء والنار وذكر في النمل أمر الهواء بقوله ﴿أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر﴾ إلى قوله ﴿أمن يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ وذكر الأرض في الحج في قوله ﴿وترى الأرض هامدة﴾ فكأنه سبحانه وتعالى بين أن العناصر الأربعة على جميع أحوالها شاهدة بإمكان الحشر والنشر. النوع الثاني : من الدلائل الدالة على إمكان الحشر : هو أنه تعالى يقول : لما كنت قادرا على الإيجاد أولا فلأن أكون قادرا على الإعادة أولى. وهذه الدلالة تقريرها في العقل ظاهر، وأنه تعالى ذكرها في مواضع من كتابه، منها في البقرة ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون﴾ ومنها قوله في سبحان الذي ﴿وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة﴾ إلى قوله ﴿قل الذي فطركم أول مرة﴾ ومنها في العنكبوت ﴿أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده﴾ ومنها قوله في الروم ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى﴾ ومنها في يس ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾، النوع الثالث : الاستدلال باقتداره على السماوات على اقتداره على الحشر. وذلك في آيات منها في سورة سبحان ﴿أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم﴾
وقال في يس ﴿أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم﴾ وقال في الأحقاف ﴿أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير﴾ ومنها في سورة ق ﴿أئذا متنا وكنا ترابا﴾ إلى قوله ﴿رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج﴾ ثم قال ﴿أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد﴾. النوع الرابع : الاستدلال على وقوع الحشر بأنه لابد من إثابة المحسن وتعذيب العاصي وتمييز أحدهما من الآخر بآيات، منها في يونس ﴿إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ءامنوا وعملوا الصالحات بالقسط﴾ ومنها في طه ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى﴾ ومنها في ص ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾. النوع الخامس : الاستدلال بإحياء الموتى في الدنيا على صحة الحشر والنشر فمنها خلقه آدم عليه الصلاة والسلام ابتداء ومنها قصة البقرة وهي قوله ﴿فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى﴾ ومنها قصة إبراهيم عليه السلام ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾ ومنها قوله ﴿أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها﴾ ومنها قصة يحيى وعيسى عليهما السلام فإنه تعالى استدل على إمكانهما بعين ما استدل به على جواز الحشر حيث قال ﴿وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا﴾ ومنها في قصة أصحاب الكهف ولذلك قال ﴿ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها﴾ ومنها قصة أيوب عليه السلام وهي قوله ﴿وآتيناه أهله﴾ يدل على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا ومنها ما أظهر الله تعالى على يد عيسى عليه السلام من إحياء الموتى حيث قال ﴿ويحيي الموتى﴾ وقال ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني﴾ ومنها قوله ﴿أولا يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا﴾ فهذا هو الإشارة إلى أصول الدلائل التي ذكرها الله تعالى في كتابه على صحة القول بالحشر، وسيأتي الاستقصاء في تفسير كل آية من هذه الآيات عند الوصول إليها إن شاء الله تعالى، ثم إنه تعالى نص في القرآن على أن منكر الحشر والنشر كافر، والدليل عليه قوله ﴿ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب﴾ ووجه إلزام الكفر أن دخول هذا الشيء في الوجود في نفسه، إذ لو كان ممتنع الوجود لما وجد في المرة الأولى فحيث وجد في المرة الأولى علمنا أنه ممكن الوجود في ذاته، فلو لم يصح ذلك من الله تعالى لدل ذلك إما على عجزه