البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الربوة : قال الخليل : أرض مرتفعة طيبة، ويقال فيها : الرباوة، وتثلث الراء في اللغتين، ويقال : رابية.
قال الشاعر :
وغيث من الوسميّ جوّ تلاعه***
أجابت روابيه النجا وهواطله
وقال الأخفش : ويختار الضم في ربوة لأنه لا يكاد يسمع في الجمع إلاَّ الربا، وأصله من ربا الشيء زاد وارتفع.
وتفسير بالسدّي بأنها : ما انخفض من الأرض ليس بشيء.
الطل : المستدق من القطر الخفيف، هذا مشهور اللغة.
وقال قوم، منهم مجاهد : الطل الندى، وهذا تجوّز.
وفي ( الصحاح ) : الطل أضعف المطر، والجمع طلال، يقال : طلت الأرض وهو مطلوب.
قال الشاعر :
ولما نزلنا منزلاً طله الندى***
ويقال أيضاً : أطلها الندى، والطلة الزوجة.
﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة﴾ لما ضرب مثل : من أنفق ماله رئاء الناس وهو غير مؤمن، ذكر ضدّه بتمثيل محسوس للذهن، حتى يتصوّر السامع تفاوت ما بين الضدّين، وهذا من بديع أساليب فصاحة القرآن.
ولما وصف صاحب النفقة بوصفين، قابل ذلك هنا بوصفين، فقوله :﴿ابتغاء مرضات الله﴾ مقابل لقوله :﴿رئاء الناس﴾ وقوله :﴿وتثبيتاً من أنفسهم﴾ مقابل لقوله :﴿ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ لأن المراد بالتثبيت توطين النفس على المحافظة عليه وترك ما يفسده، ولا يكون إلاَّ عن يقين بالآخرة.
والتقادير الثلاثة التي في قوله :﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة﴾ جارية هنا، أي : ومثل المنافقين كمثل غارس حبة، أو : مثل نفقتهم كحبة، أو : مثل المنفقين ونفقتهم كمثل حبة وغارسها.
وجوّزوا في : ابتغاء أن يكون مصدراً في موضع الحال.
أي : مبتغين، وأن يكون مفعولاً من أجله، وكذلك : وتثبيتاً.
قال ابن عطية : ولا يصح أن يكون ابتغاء مفعولاً من أجله، لعطف، وتثبيتاً عليه، ولا يصح في : وتثبيتاً أنه مفعول من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت.
وقال مكي في ( المشكل ) : كلاهما مفعول من أجله، وهو مردود بما بيناه.
انتهى كلامه.
وتثبيت، مصدر : ثبت، وهو متعد، ويحتمل أن يكون المفعول محذوفاً تقديره الثواب من الله تعالى، أي : وتثبيتاً وتحصيلاً من أنفسهم الثواب على تلك النفقة، فيكون إذ ذاك تثبيت الثواب وتحصيله من الله حاملاً على الإنفاق في سبيل الله.
ومن قدر المفعول غير ذلك أي : وتثبيتاً من أنفسهم أعمالهم بإخلاص النية، وجعله من أنفسهم على أن تكون : من، بمعنى : اللام، أي : لأنفسهم، كما تقول : فعلت ذلك كسراً من شهوتي، أي : لشهوتي، فلا يتضح فيه أن ينتصب على المفعول له.
قال الشعبي، وقتادة، والسُّدي، وأبو صالح، وابن زيد : معناه وتيقناً، أي : إن نفوسهم لها بصائر متأكدة، فهي تثبتهم على الإنفاق.
ويؤكده قراءة من قرأ : أو تبييناً من أنفسهم، وقال قتادة أيضاً : واحتساباً من أنفسهم.
وقال الشعبي أيضاً والضحاك، والكلبي : وتصديقاً، أي : يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم.
وقال ابن جبير، وأبو مالك : تحقيقاً في دينهم.
وقال ابن كيسان : إخلاصاً وتوطيداً لأنفسهم على طاعة الله في نفقاتهم.
وقال الزجاج : ومقرين حين ينفقون أنها مما يثيب الله عليها.
وقال الشعبي أيضاً : عزماً.
وقال يمان أيضاً : بصيرة.
وقال مجاهد، والحسن : معناه أنهم يثبتون، أي يضعون صدقاتهم.
قال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقة يتثبت، فإن كان ذلك لله أمضاه، وإن خالطه شك أمسك.
وقد أجاز بعض المصريين أن يكون قوله : وتثبيتاً.
بمعنى : تثبتاً، فيكون لازماً.
قال : والمصادر قد تختلف، ويقع بعضها موقع بعض، ومنه قوله :﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾ أي تبتلاً وردّ هذا القول بأن ذلك لا يكون بالفعل المتقدّم على المصدر نحو الآية، أما أن يأتي بالمصدر من غير بنائه على فعل مذكور فلا يحمل على غير فعله الذي له في الأصل، تقول : إن ثبت فعل لازم معناه : تمكن، ورسخ، وتحقق.
وثبت معدى بالتضعيف، ومعناه : مكن، وحقق.
قال ابن رواحة يخاطب رسول الله ﷺ :
فثبَّت الله ما آتاك من حسن***
تثبيت عيسى ونصراً كالذي نصروا
فالمعنى، والله أعلم، أنهم يثبتون من أنفسهم على الإيمان بهذا العمل الذي هو إخراج المال الذي هو عديل الروح في سبيل الله ابتغاء رضاً، لأن مثل هذا العمل شاق على النفس، فهم يعملون لتثبيت النفس على الإيمان، وما ترجو من الله بهذا العمل الصعب، لأنها إذا ثبتت على الأمر الصعب انقادت وذلت له.
وإذا كان التثبيت مسنداً إليهم كانت : من، في موضع نصب متعلقة بنفس المصدر، وتكون للتبعيض، مثلها في : هزّ من عطفه، و : حرك من نشاطه، وإن كان التثبيت مسنداً في المعنى إلى أنفسهم كانت : من، في موضع نصب أيضاً صفة للمصدر تقديره : كائناً من أنفسهم.
قال الزمخشري : فإن قلت : فما معنى التبعيض ؟
قلت : معناه أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها ﴿وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾ انتهى.
والظاهر أن نفسه هي التي تثبته وتحمله على الإنفاق في سبيل الله، ليس له محرك إلاَّ هي، لما اعتقدته من الإيمان وجزيل الثواب، فهي الباعثة له على ذلك، والمثبتة له بحسن إيمانها وجليل اعتقادها.
وقرأ عاصم الجحدري ﴿كمثل حبة﴾ بالحاء والباء في : بربوة، ظرفية، وهي في موضع الصفة فتتعلق بمحذوف.
وخص الربوة لحسن شجرها وزكاء ثمرها.
كما قال الشاعر، وهو الخليل بن أحمد، رحمه الله تعالى :
ترفعت عن ندى الأعماق وانخفضت***
عن المعاطش واستغنت بسقياها
فمال بالخوخ والرمان أسفلُها***
واعتم بالنخل والزيتون أعلاها
وتفسير ابن عباس : الربوة، بالمكان المرتفع الذي لا يجري فيه الأنهار، إنما يريد المذكورة لقوله :﴿أصابها وابل﴾ فدل على أنها ليس فيها ماء جار، ولم يرد أن جنس الربوة لا يجري فيها ماء، ألا ترى قوله تعالى :﴿إلى ربوة ذات قرار ومعين﴾ وخصت بأن سقياها الوابل لا الماء الجاري فيها على عادة بلاد العرب بما يحسونه كثيراً.
وقال أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي : المفسرون قالوا : البستان إذا كان في ربوة كان أحسن، وأكثر ريعاً، وفيه لي أشكال، لأنه يكون فوق الماء، ولا ترتفع إليه الأنهار، وتضربه الرياح كثيراً، فلا يحسن ريعه.
وإذا كان في وهدة انصبت إليه المياه، ولا تصل إليه آثار الرياح، فلا يحسن أيضاً ريعه، وإنما يحسن ريعه في أرض مستوية، فالمراد بالربوة ليس ما ذكروه، وإنما هو كون الأرض طيبة بحيث إذا نظر نزول المطر عليها انتفخت وربت، فيكثر ريعها، وتكمل الأشجار فيها.
ويؤيده :﴿وترى الأرض هامدة﴾ الآية.
وأنه في مقابلة المثل الأول، والأول لا يؤثر فيه المطر، وهو : الصفوان.
انتهى كلامه.
وفيه بعض تلخيص، وما قاله قاله قبله الحسن.
الربوة الأرض المستوية التي لا تعلو فوق الماء.
وقال الشاعر في رياض الحزن :
ما روضة من رياض الحَزْنِ معشبة***
خضراء جاد عليها وابل هطل
ولا يراد : برياض الحزن، رياض الربا، كما زعم الطبري، بل : رياض الحزن هي المنسوبة إلى نجد، ونجد يقال لها : الحزن، وإنما نسبت الروضة إلى الحزن وهو نجد، لأن نباته أعطر، ونسيمه أبرد، وأرق.
فهي خير من رياض تهامة.
وقرأ ابن عامر، وعاصم بفتح الراء، وباقي السبعة بالضم.
وكذلك خلافهم في ﴿قد أفلح﴾ وقرأ ابن عباس بكسر الراء.
وقرأ أبو جعفر، وأبو عبد الرحمن : برباوة، على وزن : كراهة.
وأبو الأشهب العقيلي : برباوة، على وزن رسالة.
﴿أصابها وابل﴾ جملة في موضع الصفة لجنة، وبدئ بالوصف بالمجرور، ثم بالوصف بالجملة، وهذا الأكثر في لسان العرب، وبدئ بالوصف الثابت، وهو : كونها بربوة، ثم بالوصف العارض، وهو ﴿أصابها وابل﴾ وجاء في وصف صفوان قوله : عليه تراب، ثم عطف عليه بالفاء، وهنا لم يعطف، بل أخرج صفة، وينظر ما الفرق بين الموضعين، وجوَّز أن يكون :﴿أصابها وابل﴾ حالاً من جنة لأنها نكرة، وقد وصفت حالاً من الضمير في الجار والمجرور.
﴿فآتت أكلها ضعفين﴾ آتت بمعنى : أعطت، والمفعول الأول محذوف، التقدير : فآتت صاحبها، أو : أهلها أكلها.
كما حذف في قوله ﴿كمثل جنة﴾ أي : صاحب أو : غارس جنة، ولأن المقصود ذكر ما يثمر لا لمن تثمر، إذ هو معلوم، ونصب : ضعفين، على الحال، ومن زعم أن : ضعفين، مفعول ثان : لآتت، فهو ساه، وليس المعنى عليه، وكذلك قول من زعم ان آتت بمعنى أخرجت، وأنها تتعدى لواحد، إذ لا يعلم ذلك في لسان العرب، ونسبة الإيتاء إليها مجاز، والأكل بضم الهمزة الشيء المأكول، وأريد هنا الثمر، وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص، كسرج الدابة، إذ ليس الثمر مما تملكه الجنة.
وقرأ الحرميان، وأبو عمرو بضم الهمزة، وإسكان الكاف، وكذا كل مضاف إلى مؤنث.
ونقل أبو عمرو فيما أضيف إلى غير مكني، أو إلى مكني مذكر، والباقون بالتثقيل.
ومعنى : ضعفين : مِثْلا ما كانت تثمر بسبب الوابل، وبكونه في ربوة، لأن ريع الربا أكثر، ومن السيل والبرد أبعد، وقيل : ضعفي غيرها من الأرضين، وقيل : أربعة أمثالها، وهذا مبني على أن ضعف الشيء مثلاه.
وقال أبو مسلم : ثلاثة أمثالها، قال تاج القراء.
وليس لهذا في العربية وجه، وإيتاء الضعفين هو في حمل واحد.
وقال عكرمة، وعطاء : معنى ضعفين أنها حملت في السنة مرتين.
ويحتمل عندي أن يكون قوله : ضعفين، مما لا يزاد به شفع الواحد، بل يكون من التشبيه الذي يقصد به التكثير.
وكأنه قيل : فآتت أكلها ضعفين، ضعفاً بعد ضعف أي : أضعافاً كثيرة، وهذا أبلغ في التشبيه للنفقة بالجنة، لأن الحسنة لا يكون لها ثواب حسنتين، بل جاء تضاعف أضعافاً كثيرة، وعشر أمثالها، وسبع مائة وأزيد.
﴿فإن لم يصبها وابل فطل﴾ قال ابن عيسى : فيه إضمار، التقدير : فإن لم يكن يصيبها وابل كما قال الشاعر :
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة***
أي : لم تكن تلدني، والمعنى : إن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين، وذلك أكرم الأرض وطيبها، فلا تنقص ثمرتها بنقصان المطر.
وقيل : المعنى فإن لم يصبها وابل فيتضاعف ثمرها، وأصابها طل فأخرجت دون ما تخرجه بالوابل، فهي على كل حال لا تخلو من أن تثمر.
قال الماوردي : زرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعاً، وفيه : وإن قل تماسك ونفع. انتهى.
ودعوى التقديم والتأخير في الآية، على ما قاله بعضهم، من أن المعنى أصابها وابل.
فإن لم يصبها وابل فطل***
فآتت أكلها ضعفين حتى يجعل ايتاؤها الأكل ضعفين على الحالين من الوابل والطل، لا حاجة إليها.
والتقديم والتأخير من ضرورات الشعر، فينزه القرآن عن ذلك.
قال زيد بن أسلم : المضروب به المثل أرض مصر، إن لم يصبها مطر زكت، وإن أصابها مطر أضعفت.
قال الزمخشري : مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل، فكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة، فكذلك نفقتهم كثيرة، كانت أو قليلة، بعد أن يطلب بها وجه الله ويبذل فيها الوسع، زاكية عند الله، زائدة في زل
قال الشاعر :
وغيث من الوسميّ جوّ تلاعه***
أجابت روابيه النجا وهواطله
وقال الأخفش : ويختار الضم في ربوة لأنه لا يكاد يسمع في الجمع إلاَّ الربا، وأصله من ربا الشيء زاد وارتفع.
وتفسير بالسدّي بأنها : ما انخفض من الأرض ليس بشيء.
الطل : المستدق من القطر الخفيف، هذا مشهور اللغة.
وقال قوم، منهم مجاهد : الطل الندى، وهذا تجوّز.
وفي ( الصحاح ) : الطل أضعف المطر، والجمع طلال، يقال : طلت الأرض وهو مطلوب.
قال الشاعر :
ولما نزلنا منزلاً طله الندى***
ويقال أيضاً : أطلها الندى، والطلة الزوجة.
﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة﴾ لما ضرب مثل : من أنفق ماله رئاء الناس وهو غير مؤمن، ذكر ضدّه بتمثيل محسوس للذهن، حتى يتصوّر السامع تفاوت ما بين الضدّين، وهذا من بديع أساليب فصاحة القرآن.
ولما وصف صاحب النفقة بوصفين، قابل ذلك هنا بوصفين، فقوله :﴿ابتغاء مرضات الله﴾ مقابل لقوله :﴿رئاء الناس﴾ وقوله :﴿وتثبيتاً من أنفسهم﴾ مقابل لقوله :﴿ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ لأن المراد بالتثبيت توطين النفس على المحافظة عليه وترك ما يفسده، ولا يكون إلاَّ عن يقين بالآخرة.
والتقادير الثلاثة التي في قوله :﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة﴾ جارية هنا، أي : ومثل المنافقين كمثل غارس حبة، أو : مثل نفقتهم كحبة، أو : مثل المنفقين ونفقتهم كمثل حبة وغارسها.
وجوّزوا في : ابتغاء أن يكون مصدراً في موضع الحال.
أي : مبتغين، وأن يكون مفعولاً من أجله، وكذلك : وتثبيتاً.
قال ابن عطية : ولا يصح أن يكون ابتغاء مفعولاً من أجله، لعطف، وتثبيتاً عليه، ولا يصح في : وتثبيتاً أنه مفعول من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت.
وقال مكي في ( المشكل ) : كلاهما مفعول من أجله، وهو مردود بما بيناه.
انتهى كلامه.
وتثبيت، مصدر : ثبت، وهو متعد، ويحتمل أن يكون المفعول محذوفاً تقديره الثواب من الله تعالى، أي : وتثبيتاً وتحصيلاً من أنفسهم الثواب على تلك النفقة، فيكون إذ ذاك تثبيت الثواب وتحصيله من الله حاملاً على الإنفاق في سبيل الله.
ومن قدر المفعول غير ذلك أي : وتثبيتاً من أنفسهم أعمالهم بإخلاص النية، وجعله من أنفسهم على أن تكون : من، بمعنى : اللام، أي : لأنفسهم، كما تقول : فعلت ذلك كسراً من شهوتي، أي : لشهوتي، فلا يتضح فيه أن ينتصب على المفعول له.
قال الشعبي، وقتادة، والسُّدي، وأبو صالح، وابن زيد : معناه وتيقناً، أي : إن نفوسهم لها بصائر متأكدة، فهي تثبتهم على الإنفاق.
ويؤكده قراءة من قرأ : أو تبييناً من أنفسهم، وقال قتادة أيضاً : واحتساباً من أنفسهم.
وقال الشعبي أيضاً والضحاك، والكلبي : وتصديقاً، أي : يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم.
وقال ابن جبير، وأبو مالك : تحقيقاً في دينهم.
وقال ابن كيسان : إخلاصاً وتوطيداً لأنفسهم على طاعة الله في نفقاتهم.
وقال الزجاج : ومقرين حين ينفقون أنها مما يثيب الله عليها.
وقال الشعبي أيضاً : عزماً.
وقال يمان أيضاً : بصيرة.
وقال مجاهد، والحسن : معناه أنهم يثبتون، أي يضعون صدقاتهم.
قال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقة يتثبت، فإن كان ذلك لله أمضاه، وإن خالطه شك أمسك.
وقد أجاز بعض المصريين أن يكون قوله : وتثبيتاً.
بمعنى : تثبتاً، فيكون لازماً.
قال : والمصادر قد تختلف، ويقع بعضها موقع بعض، ومنه قوله :﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾ أي تبتلاً وردّ هذا القول بأن ذلك لا يكون بالفعل المتقدّم على المصدر نحو الآية، أما أن يأتي بالمصدر من غير بنائه على فعل مذكور فلا يحمل على غير فعله الذي له في الأصل، تقول : إن ثبت فعل لازم معناه : تمكن، ورسخ، وتحقق.
وثبت معدى بالتضعيف، ومعناه : مكن، وحقق.
قال ابن رواحة يخاطب رسول الله ﷺ :
فثبَّت الله ما آتاك من حسن***
تثبيت عيسى ونصراً كالذي نصروا
فالمعنى، والله أعلم، أنهم يثبتون من أنفسهم على الإيمان بهذا العمل الذي هو إخراج المال الذي هو عديل الروح في سبيل الله ابتغاء رضاً، لأن مثل هذا العمل شاق على النفس، فهم يعملون لتثبيت النفس على الإيمان، وما ترجو من الله بهذا العمل الصعب، لأنها إذا ثبتت على الأمر الصعب انقادت وذلت له.
وإذا كان التثبيت مسنداً إليهم كانت : من، في موضع نصب متعلقة بنفس المصدر، وتكون للتبعيض، مثلها في : هزّ من عطفه، و : حرك من نشاطه، وإن كان التثبيت مسنداً في المعنى إلى أنفسهم كانت : من، في موضع نصب أيضاً صفة للمصدر تقديره : كائناً من أنفسهم.
قال الزمخشري : فإن قلت : فما معنى التبعيض ؟
قلت : معناه أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها ﴿وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾ انتهى.
والظاهر أن نفسه هي التي تثبته وتحمله على الإنفاق في سبيل الله، ليس له محرك إلاَّ هي، لما اعتقدته من الإيمان وجزيل الثواب، فهي الباعثة له على ذلك، والمثبتة له بحسن إيمانها وجليل اعتقادها.
وقرأ عاصم الجحدري ﴿كمثل حبة﴾ بالحاء والباء في : بربوة، ظرفية، وهي في موضع الصفة فتتعلق بمحذوف.
وخص الربوة لحسن شجرها وزكاء ثمرها.
كما قال الشاعر، وهو الخليل بن أحمد، رحمه الله تعالى :
ترفعت عن ندى الأعماق وانخفضت***
عن المعاطش واستغنت بسقياها
فمال بالخوخ والرمان أسفلُها***
واعتم بالنخل والزيتون أعلاها
وتفسير ابن عباس : الربوة، بالمكان المرتفع الذي لا يجري فيه الأنهار، إنما يريد المذكورة لقوله :﴿أصابها وابل﴾ فدل على أنها ليس فيها ماء جار، ولم يرد أن جنس الربوة لا يجري فيها ماء، ألا ترى قوله تعالى :﴿إلى ربوة ذات قرار ومعين﴾ وخصت بأن سقياها الوابل لا الماء الجاري فيها على عادة بلاد العرب بما يحسونه كثيراً.
وقال أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي : المفسرون قالوا : البستان إذا كان في ربوة كان أحسن، وأكثر ريعاً، وفيه لي أشكال، لأنه يكون فوق الماء، ولا ترتفع إليه الأنهار، وتضربه الرياح كثيراً، فلا يحسن ريعه.
وإذا كان في وهدة انصبت إليه المياه، ولا تصل إليه آثار الرياح، فلا يحسن أيضاً ريعه، وإنما يحسن ريعه في أرض مستوية، فالمراد بالربوة ليس ما ذكروه، وإنما هو كون الأرض طيبة بحيث إذا نظر نزول المطر عليها انتفخت وربت، فيكثر ريعها، وتكمل الأشجار فيها.
ويؤيده :﴿وترى الأرض هامدة﴾ الآية.
وأنه في مقابلة المثل الأول، والأول لا يؤثر فيه المطر، وهو : الصفوان.
انتهى كلامه.
وفيه بعض تلخيص، وما قاله قاله قبله الحسن.
الربوة الأرض المستوية التي لا تعلو فوق الماء.
وقال الشاعر في رياض الحزن :
ما روضة من رياض الحَزْنِ معشبة***
خضراء جاد عليها وابل هطل
ولا يراد : برياض الحزن، رياض الربا، كما زعم الطبري، بل : رياض الحزن هي المنسوبة إلى نجد، ونجد يقال لها : الحزن، وإنما نسبت الروضة إلى الحزن وهو نجد، لأن نباته أعطر، ونسيمه أبرد، وأرق.
فهي خير من رياض تهامة.
وقرأ ابن عامر، وعاصم بفتح الراء، وباقي السبعة بالضم.
وكذلك خلافهم في ﴿قد أفلح﴾ وقرأ ابن عباس بكسر الراء.
وقرأ أبو جعفر، وأبو عبد الرحمن : برباوة، على وزن : كراهة.
وأبو الأشهب العقيلي : برباوة، على وزن رسالة.
﴿أصابها وابل﴾ جملة في موضع الصفة لجنة، وبدئ بالوصف بالمجرور، ثم بالوصف بالجملة، وهذا الأكثر في لسان العرب، وبدئ بالوصف الثابت، وهو : كونها بربوة، ثم بالوصف العارض، وهو ﴿أصابها وابل﴾ وجاء في وصف صفوان قوله : عليه تراب، ثم عطف عليه بالفاء، وهنا لم يعطف، بل أخرج صفة، وينظر ما الفرق بين الموضعين، وجوَّز أن يكون :﴿أصابها وابل﴾ حالاً من جنة لأنها نكرة، وقد وصفت حالاً من الضمير في الجار والمجرور.
﴿فآتت أكلها ضعفين﴾ آتت بمعنى : أعطت، والمفعول الأول محذوف، التقدير : فآتت صاحبها، أو : أهلها أكلها.
كما حذف في قوله ﴿كمثل جنة﴾ أي : صاحب أو : غارس جنة، ولأن المقصود ذكر ما يثمر لا لمن تثمر، إذ هو معلوم، ونصب : ضعفين، على الحال، ومن زعم أن : ضعفين، مفعول ثان : لآتت، فهو ساه، وليس المعنى عليه، وكذلك قول من زعم ان آتت بمعنى أخرجت، وأنها تتعدى لواحد، إذ لا يعلم ذلك في لسان العرب، ونسبة الإيتاء إليها مجاز، والأكل بضم الهمزة الشيء المأكول، وأريد هنا الثمر، وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص، كسرج الدابة، إذ ليس الثمر مما تملكه الجنة.
وقرأ الحرميان، وأبو عمرو بضم الهمزة، وإسكان الكاف، وكذا كل مضاف إلى مؤنث.
ونقل أبو عمرو فيما أضيف إلى غير مكني، أو إلى مكني مذكر، والباقون بالتثقيل.
ومعنى : ضعفين : مِثْلا ما كانت تثمر بسبب الوابل، وبكونه في ربوة، لأن ريع الربا أكثر، ومن السيل والبرد أبعد، وقيل : ضعفي غيرها من الأرضين، وقيل : أربعة أمثالها، وهذا مبني على أن ضعف الشيء مثلاه.
وقال أبو مسلم : ثلاثة أمثالها، قال تاج القراء.
وليس لهذا في العربية وجه، وإيتاء الضعفين هو في حمل واحد.
وقال عكرمة، وعطاء : معنى ضعفين أنها حملت في السنة مرتين.
ويحتمل عندي أن يكون قوله : ضعفين، مما لا يزاد به شفع الواحد، بل يكون من التشبيه الذي يقصد به التكثير.
وكأنه قيل : فآتت أكلها ضعفين، ضعفاً بعد ضعف أي : أضعافاً كثيرة، وهذا أبلغ في التشبيه للنفقة بالجنة، لأن الحسنة لا يكون لها ثواب حسنتين، بل جاء تضاعف أضعافاً كثيرة، وعشر أمثالها، وسبع مائة وأزيد.
﴿فإن لم يصبها وابل فطل﴾ قال ابن عيسى : فيه إضمار، التقدير : فإن لم يكن يصيبها وابل كما قال الشاعر :
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة***
أي : لم تكن تلدني، والمعنى : إن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين، وذلك أكرم الأرض وطيبها، فلا تنقص ثمرتها بنقصان المطر.
وقيل : المعنى فإن لم يصبها وابل فيتضاعف ثمرها، وأصابها طل فأخرجت دون ما تخرجه بالوابل، فهي على كل حال لا تخلو من أن تثمر.
قال الماوردي : زرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعاً، وفيه : وإن قل تماسك ونفع. انتهى.
ودعوى التقديم والتأخير في الآية، على ما قاله بعضهم، من أن المعنى أصابها وابل.
فإن لم يصبها وابل فطل***
فآتت أكلها ضعفين حتى يجعل ايتاؤها الأكل ضعفين على الحالين من الوابل والطل، لا حاجة إليها.
والتقديم والتأخير من ضرورات الشعر، فينزه القرآن عن ذلك.
قال زيد بن أسلم : المضروب به المثل أرض مصر، إن لم يصبها مطر زكت، وإن أصابها مطر أضعفت.
قال الزمخشري : مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل، فكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة، فكذلك نفقتهم كثيرة، كانت أو قليلة، بعد أن يطلب بها وجه الله ويبذل فيها الوسع، زاكية عند الله، زائدة في زل