غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿ولا تيمموا﴾ بتشديد التاء ومد الألف : البزي وابن فليح الباقون على الأصل ﴿ومن يؤت الحكمة﴾ بكسر التاء : يعقوب أي من يؤتيه الله. الباقون بالفتح ﴿فنعما هي﴾ ساكنة العين : أبو عمرو والمفضل ويحيى وأبو جعفر ونافع غير ورش ﴿فنعما هي﴾ بفتح النون وكسر العين : ابن عامر وعلي وحمزة وخلف والخراز، الباقون ﴿فنعما هي﴾ بكسر النون والعين والميم مشددة في القراءات، ﴿ونكفر﴾ بالنون والراء ساكنة : أبو جعفر ونافع وحمزة وخلف وعلي ﴿ويكفر﴾ بالياء والراء مرفوعة : ابن عامر وحفص والمفضل. الباقون ﴿ونكفر﴾ بالنون ورفع الراء ﴿يحسبهم﴾ وبابه بفتح السين : ابن عامر ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة. ﴿بسيماهم﴾ بالإمالة : حمزة وعلي وابن شاذان عن خلاد مخيراً. وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وكذلك كل كلمة على ميزان " فعلى ".
الوقوف :﴿من الأرض﴾ " ز " لعطف المتفقتين ﴿تغمضوا فيه﴾ ( ط )، ﴿حميد﴾ ه، ﴿الفحشاء﴾ ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، ﴿فضلاً﴾ ط، ﴿عليم﴾ ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، ﴿من يشاء﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف. ومن قرأ ﴿ومن يؤت الحكمة﴾ بالكسر فالوصل أجوز. ﴿كثيراً﴾ ط، ﴿الألباب﴾ ه، ﴿يعلمه﴾ ط، ﴿أنصار﴾ ه، ﴿فنعما هي﴾ ج، ﴿خير لكم﴾ ط، لمن قرأ ﴿ونكفر﴾ مرفوعاً بالنون أو الياء على الاستئناف. ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف ﴿سيئاتكم﴾ ط، ﴿خبير﴾ ه، ﴿من يشاء﴾ ط لابتداء الشرط ﴿فلأنفسكم﴾ ط لابتداء النفي، ﴿وجه الله﴾ ط، ﴿لا يظلمون﴾ ه، ﴿في الأرض﴾ ز لأن ﴿يحسبهم﴾ وإن صلحت حالاً بعد حال نظماً، ولكن لا يليق بحال من أحصر. ﴿التعفف﴾ ز لأن ﴿تعرفهم﴾ تصلح استئنافاً والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف. وقد يجعل ﴿لا يسألون﴾ استئنافاً فيجوز الوقف على ﴿سيماهم﴾ ﴿إلحافاً﴾ ط، ﴿عليم﴾ ه، ﴿عند ربهم﴾ ج ﴿يحزنون﴾ ه.
التفسير : لما رغب في الإنفاق وذكر أن منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ذلك، وشرح ما يتعلق بكل من القسمين وضرب لكل واحد مثلاً، ذكر بعد ذلك أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف يجب أن يكون فقال ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا﴾ أي من طيبات ما أخرجنا، فحذف لدلالة الأول عليه. عن الحسن : أن المراد من هذا الإنفاق الفرض بناء على أن ظاهر الأمر للوجوب، والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة، وقيل : التطوع لما روي عن علي والحسن ومجاهد أن بعض الناس كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم فأنزل الله هذه الآية.
عن ابن عباس :" جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة لأهل الصفة على حبل بين أسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ فقال ﷺ : بئسما صنع صاحب هذا " فنزلت. وقيل : يشمل الفرض والنفل، لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على الترك فقط، ويتفرع على قول الوجوب وجوب الزكاة في كل مال يكسبه الإنسان، فيشمل زكاة التجارة وزكاة الذهب والفضة وزكاة النعم وزكاة كل ما ينبت من الأرض، إلا أن العلماء خصصوها بالأقوات لما روي أنه ﷺ قال :" الصدقة في أربعة : في التمر والزبيب والحنطة والشعير وليس فيما سواها صدقة " فهذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة، لكن ثبت أخذ الزكاة من الذرة وغيرها بأمر ﷺ فعلم وجوب الزكاة في الأقوات دون غيرها. ولا يكفي في وجوب الزكاة كون الشيء مقتاتاً على الإطلاق، بل المعتبر حالة الاختيار لا وقت الضرورة ومثله الشافعي بالقت وحب الحنظل وسائر البذور البرية، وشبهها ببقرة الوحش لا زكاة فيها لأن الناس لا يتعهدونها. وأيضاً لا تجب الزكاة في القوت ما لم يبلغ خمسة أوسق وبه قال مالك وأحمد لرواية أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال :" ليس فيما دون خمسَة أوسق صدقة " وقال أبو حنيفة : يجب العشر في القليل والكثير استدلالاً بعموم الآية. وتفصيل الكلام في الأموال الزكوية وكيفية إخراجها ونصاب كل منها مشهور مذكور في الفروع، فلذلك ولطولها لم نشرع فيها. وما المراد بالطيب في الآية ؟ قيل : الجيد فيكون المراد بالخبيث الرديء لما مر في سبب النزول أنهم كانوا يتصدقون برذالة أموالهم فنهوا عن ذلك، ولأن المحرم لا يجوز أخذه بالإغماض وبغيره، والآية دلت على جواز أخذ الخبيث بالإغماض، وعن ابن مسعود ومجاهد : أن الطيب هو الحلال والخبيث هو الحرام، والمراد من الإغماض هو المسامحة وترك الاستقصاء. والمعنى ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال من حلاله أو من حرامه، ويحتمل أن يراد ما يكون طيباً من جميع الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال وبمعنى الجودة أيضاً، لأن الاستطابة قد تكون شرعاً وقد تكون عقلاً. واعلم أن المال الزكوي إن كان كله شريفاً وجب أن يكون المأخوذ منه كذلك، وإن كان الكل خسيساً فلا يكلف صاحبه فوق طاقته ولا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ في هذه الحال لا يكون خبيثاً من ذلك المال وإنما الكلام فيما لو كان في المال جيد ورديء فحينئذٍ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك، ولا تكلف أيضاً جيده لقوله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن :
" أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم " بل الواجب حينئذٍ هو الوسط. ثم إن قلنا : المراد من الإنفاق في الآية التطوع أو هو والفرض جميعاً، فالمعنى أن الله تعالى ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه قضاء لحقوق التعظيم والإخلاص، ومعنى ﴿لا تيمموا الخبيث﴾ لا تقصدوه. يقال : تيممته وتأممته كله بمعنى قصدته. ومحل ﴿تنفقون﴾ نصب على الحال، وقدم ﴿منه﴾ عليه ليعلم أن المنهي عنه هو تخصيص الخبيث بالإنفاق منه أي إذا كان في المال طيب وخبيث. ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله :﴿ولا تيمموا الخبيث﴾ ثم ابتدأ مستفهماً بطريق الإنكار فقال :﴿منه تنفقون﴾ وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم إلا بالإغماض وهو غض البصر وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض وهو الخفاء. يقال للبائع : أًغْمِضْ أي لا تستقص كأنك لا تبصر. وأصله أن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه كيلا يرى ذلك، فكثر حتى جعل كل مساهلة إغماضاً أي لو أهدي لكم مثل هذه الأشياء أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم ؟ ويحتمل أن يراد إلا إذا أغمضتم بصر البائع أي كلفتموه الحط من الثمن. عن الحسن : لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه. ﴿واعلموا أن الله غني﴾ عن صدقاتكم ﴿حميد﴾ محمود على ما أنعم من البيان والتكليف بما تحوزون به النعيم الأبدي، أو حامد شاكر على إنفاقكم كقوله :
﴿فأولئك كان سعيهم مشكوراً﴾[الإسراء: ١٩]
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ فيه صلاح المتصدق من وجوه : أحدها لو فسر الطيب بالحلال فليقبل الله منه، ولو فسر بالجودة فليجز به بقدر جودته. وثانيها ليثاب على التعظيم لأمر الله. وثالثها ليثاب على الشفقة على خلق الله. ورابعها ليثاب على الإيثار ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾[الحشر: ٩] وخامسها ليستحق البر ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾[آل عمران: ٩٢]. وسادسها ليثاب على زيادة الإيمان وأن المتصدق في صدقته كالزارع في زراعته. فكما أن الزارع كلما ازداد إيقانه بحصول الثمرة اجتهد في جودة البذر فكذا المتصدق كلما ازداد إيمانه بالبعث والجزاء زاد في جودة صدقته لتحققه ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾[النساء: ٤٠] وقدم ذكر الكسب على ذكر المخرج من الأرض لقوله ﷺ " إن أطيب ما يأكل الرجل من كسب يده " وفي الآية معنى آخر لطيف ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ من تزكية النفوس وتصفية القلوب ﴿ومما أخرجنا لكم﴾ من أرض طينتكم من تحلية سرائركم بمكارم الأخلاق، ولتكن النفقة طيبة من خباثة الشبهات طيباً إنفاقها من خباثة الأغراض الدنيوية والأخروية، طيباً منفقهاً من خباثة الالتفات والنظر في الإنفاق إلى غير الله، فإذا كانت النفقة طيبة في نفسها فلله قبول طيب من الوسائط فيأخذها بيده ويربيها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت اليد طيبة في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيباً عن الالتفات إلى غير الله فلله قبول طيب عن الأغيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا تحقيق قوله ﷺ " إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب " ولستم بآخذي هذا الخبيث لا في أصل الفطرة ولا في عهد الخلقة لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة. فالروح من أطيب الأطايب لأنه أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين، والجسد من التراب الطيب ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾[النساء: ٤٣] ثم أحياكم بالإيمان ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾[النحل: ٩٧] ثم يرزقكم من الطيبات ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾[البقرة: ٥٧] فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن ﴿إلا أن تغمضوا فيه﴾ فتقبلوه تكلفاً وقسراً " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه " فلما لم تكن الخباثة ذاتية للإنسان بل كانت طارئة عليه عارية لديه أنزل الله تعالى كلمة طيبة هي " لا إله إلا الله " ليطيب بالمواظبة عليها أخلاقهم ويستحقوا يوم القيامة أن يقال لهم ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾[الزمر: ٧٣] ﴿واعلموا أن الله غني﴾ فمن كمال غناه أراد أن يغنيكم بثواب الإنفاق ﴿حميد﴾ على ما أنعم بهذا التكليف ليتوسل به إلى الكمال الأبدي. ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ ظاهراً فهو يأمركم بالفحشاء باطناً لأنها اسم جامع لكل سوء فيتضمن البخل والحرص واليأس من الحق والشك في مواعيد الحق بالخلف والتضعيف وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه ونسيان فضله وتعلق القلب بغيره ومتابعة الشهوات وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية. فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات وأضعافها، ومن فتح على نفسه باب عدة الحق أفاض عليه سجال غفرانه وبحار فضله وإحسانه. فالمغفرة تكفير الذنوب والآثام، والفضل ما لا تدركه الأوهام ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾[يونس: ٢٦] فمن ذلك أن يفتح على قلبه باب حكمته عاجلاً كما قال ﴿يؤتي الحكمة من يشاء﴾ وليست الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار كما ظنه أهل الإنكار والذين لم يفرقوا بين المعقولات وبين الأسرار والحكم الإلهيات. فالمعقولات ما تكتسب بالبرهان وهي مشتركة بين أهل الأديان، والأسرار الإلهية مواهب الحق لا ترد إلا على قلوب الأنبياء والأولياء ﴿نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء﴾[النور: ٣٥] ﴿وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ الذين لم يقفوا عند القشور وارتقوا إلى لب عالم النور. ثم أخبر عن توفية الأجور للمنفق في المفروض والمنذور ﴿وما للظالمين﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه فبدلوا بالإنفاق النفاق وبالإخلاص الرياء ﴿من أنصار﴾ ولا ناصر بالحقيقة إلا الله، ومن أذن له الله إبداء الصدقات ضد إخفائها، وإخفاؤها تخليتها عن شوب الحظوظ وإليه الإشارة في قوله ﷺ :" سبعة يظلهم الله في ظله " ثم قال :" ورجل تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله " أي عن حظوظ نفسه لتكون خالصة لوجه الله. فصاحبها يكون في ظل الله قال ﷺ :" إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة " أي إن كانت صدقته لله كان في ظل الله، وإن كانت للجنة كان في ظل الجنة، وإن كانت للهوى كان في ظل الهاوية. فمعنى قوله :﴿إن تبدو الصدقات﴾ أي تظهروها لطمع ثواب الجنة فإن طمع الصواب شوب حظ ﴿فنعما هي﴾ فإنها مرتبة الأبرار ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾[الانفطار: ١٣] ﴿وإن تخفوها﴾ عن كل حظ ونصيب ﴿وتؤتوها الفقراء﴾ الذين تعطونها إياهم لوجه الله لا لحظ النفس ﴿فهو خير لكم﴾ لأن جزاءها لقاء الله. ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها الولاية وأن الله فيها ولي الكفاية، يا محمد لك المقام المحمود واللواء المعقود ولك الوسيلة وعلى الأنبياء الفضيلة، وأنت سيد الأولين والآخرين وأنت أكرم الخلائق على رب العالمين ولكن ﴿ليس عليك هداهم﴾ ولكن الهداية من خصائص شأننا ولوائح برهاننا، أنت تدعوهم ونحن نهديهم.
ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق هو الفقير الذي أحصرته المحبة في الله عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الكفاف، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له في المشرق مذهب ولا له في المغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب.
﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ لأنهم مستورون تحت قباب الغيرة محجوبون عن معرفة أهل الغيرية " أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غير ي يا محمد " ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ لأنك لست بك فلست غيري، ما رأيت إذ رأيت ولكن الله رأى ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾[الأنفال: ١٧] وإن سيماهم لا يرى بالبصر الإنساني بل يرى من نور رباني، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن أنهم ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ لا بقليل ولا بكثير. لأن أثار أنوار غنى قلوبهم انعكست على ظواهرهم فتنورت بالتعفف نفوسهم، واضمحلت ظلمة فقرهم وفاقتهم ﴿وما تنفقوا من خير﴾ من المال أو الجاه أو خدمة بالنفس أو إكرام أو إرادة حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقاً وإجلالاً لا استخفافاً وإذلالاً ﴿فإن الله به عليم﴾ ومن سيماهم في الظاهر أنهم إذا وجدوا مالاً لم يبيعوا عزة الفقر به بل ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴿فلهم أجرهم عند ربهم﴾ عند مليك مقتدر ﴿ولا هم يحزنون﴾ في الدنيا على ما يفوتهم لأنهم تركوها لله وهو لهم خلف عن كل تلف، ولا في الآخرة
﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾[الأنبياء: ١٠٣]﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور﴾[فاطر: ٣٤].
القراءات :﴿ولا تيمموا﴾ بتشديد التاء ومد الألف : البزي وابن فليح الباقون على الأصل ﴿ومن يؤت الحكمة﴾ بكسر التاء : يعقوب أي من يؤتيه الله. الباقون بالفتح ﴿فنعما هي﴾ ساكنة العين : أبو عمرو والمفضل ويحيى وأبو جعفر ونافع غير ورش ﴿فنعما هي﴾ بفتح النون وكسر العين : ابن عامر وعلي وحمزة وخلف والخراز، الباقون ﴿فنعما هي﴾ بكسر النون والعين والميم مشددة في القراءات، ﴿ونكفر﴾ بالنون والراء ساكنة : أبو جعفر ونافع وحمزة وخلف وعلي ﴿ويكفر﴾ بالياء والراء مرفوعة : ابن عامر وحفص والمفضل. الباقون ﴿ونكفر﴾ بالنون ورفع الراء ﴿يحسبهم﴾ وبابه بفتح السين : ابن عامر ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة. ﴿بسيماهم﴾ بالإمالة : حمزة وعلي وابن شاذان عن خلاد مخيراً. وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وكذلك كل كلمة على ميزان " فعلى ".
الوقوف :﴿من الأرض﴾ " ز " لعطف المتفقتين ﴿تغمضوا فيه﴾ ( ط )، ﴿حميد﴾ ه، ﴿الفحشاء﴾ ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، ﴿فضلاً﴾ ط، ﴿عليم﴾ ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، ﴿من يشاء﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف. ومن قرأ ﴿ومن يؤت الحكمة﴾ بالكسر فالوصل أجوز. ﴿كثيراً﴾ ط، ﴿الألباب﴾ ه، ﴿يعلمه﴾ ط، ﴿أنصار﴾ ه، ﴿فنعما هي﴾ ج، ﴿خير لكم﴾ ط، لمن قرأ ﴿ونكفر﴾ مرفوعاً بالنون أو الياء على الاستئناف. ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف ﴿سيئاتكم﴾ ط، ﴿خبير﴾ ه، ﴿من يشاء﴾ ط لابتداء الشرط ﴿فلأنفسكم﴾ ط لابتداء النفي، ﴿وجه الله﴾ ط، ﴿لا يظلمون﴾ ه، ﴿في الأرض﴾ ز لأن ﴿يحسبهم﴾ وإن صلحت حالاً بعد حال نظماً، ولكن لا يليق بحال من أحصر. ﴿التعفف﴾ ز لأن ﴿تعرفهم﴾ تصلح استئنافاً والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف. وقد يجعل ﴿لا يسألون﴾ استئنافاً فيجوز الوقف على ﴿سيماهم﴾ ﴿إلحافاً﴾ ط، ﴿عليم﴾ ه، ﴿عند ربهم﴾ ج ﴿يحزنون﴾ ه.
الوقوف :﴿من الأرض﴾ " ز " لعطف المتفقتين ﴿تغمضوا فيه﴾ ( ط )، ﴿حميد﴾ ه، ﴿الفحشاء﴾ ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، ﴿فضلاً﴾ ط، ﴿عليم﴾ ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، ﴿من يشاء﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف. ومن قرأ ﴿ومن يؤت الحكمة﴾ بالكسر فالوصل أجوز. ﴿كثيراً﴾ ط، ﴿الألباب﴾ ه، ﴿يعلمه﴾ ط، ﴿أنصار﴾ ه، ﴿فنعما هي﴾ ج، ﴿خير لكم﴾ ط، لمن قرأ ﴿ونكفر﴾ مرفوعاً بالنون أو الياء على الاستئناف. ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف ﴿سيئاتكم﴾ ط، ﴿خبير﴾ ه، ﴿من يشاء﴾ ط لابتداء الشرط ﴿فلأنفسكم﴾ ط لابتداء النفي، ﴿وجه الله﴾ ط، ﴿لا يظلمون﴾ ه، ﴿في الأرض﴾ ز لأن ﴿يحسبهم﴾ وإن صلحت حالاً بعد حال نظماً، ولكن لا يليق بحال من أحصر. ﴿التعفف﴾ ز لأن ﴿تعرفهم﴾ تصلح استئنافاً والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف. وقد يجعل ﴿لا يسألون﴾ استئنافاً فيجوز الوقف على ﴿سيماهم﴾ ﴿إلحافاً﴾ ط، ﴿عليم﴾ ه، ﴿عند ربهم﴾ ج ﴿يحزنون﴾ ه.
التفسير : لما رغب في الإنفاق وذكر أن منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ذلك، وشرح ما يتعلق بكل من القسمين وضرب لكل واحد مثلاً، ذكر بعد ذلك أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف يجب أن يكون فقال ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا﴾ أي من طيبات ما أخرجنا، فحذف لدلالة الأول عليه. عن الحسن : أن المراد من هذا الإنفاق الفرض بناء على أن ظاهر الأمر للوجوب، والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة، وقيل : التطوع لما روي عن علي والحسن ومجاهد أن بعض الناس كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم فأنزل الله هذه الآية.
عن ابن عباس :" جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة لأهل الصفة على حبل بين أسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ فقال ﷺ : بئسما صنع صاحب هذا " فنزلت. وقيل : يشمل الفرض والنفل، لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على الترك فقط، ويتفرع على قول الوجوب وجوب الزكاة في كل مال يكسبه الإنسان، فيشمل زكاة التجارة وزكاة الذهب والفضة وزكاة النعم وزكاة كل ما ينبت من الأرض، إلا أن العلماء خصصوها بالأقوات لما روي أنه ﷺ قال :" الصدقة في أربعة : في التمر والزبيب والحنطة والشعير وليس فيما سواها صدقة " فهذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة، لكن ثبت أخذ الزكاة من الذرة وغيرها بأمر ﷺ فعلم وجوب الزكاة في الأقوات دون غيرها. ولا يكفي في وجوب الزكاة كون الشيء مقتاتاً على الإطلاق، بل المعتبر حالة الاختيار لا وقت الضرورة ومثله الشافعي بالقت وحب الحنظل وسائر البذور البرية، وشبهها ببقرة الوحش لا زكاة فيها لأن الناس لا يتعهدونها. وأيضاً لا تجب الزكاة في القوت ما لم يبلغ خمسة أوسق وبه قال مالك وأحمد لرواية أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال :" ليس فيما دون خمسَة أوسق صدقة " وقال أبو حنيفة : يجب العشر في القليل والكثير استدلالاً بعموم الآية. وتفصيل الكلام في الأموال الزكوية وكيفية إخراجها ونصاب كل منها مشهور مذكور في الفروع، فلذلك ولطولها لم نشرع فيها. وما المراد بالطيب في الآية ؟ قيل : الجيد فيكون المراد بالخبيث الرديء لما مر في سبب النزول أنهم كانوا يتصدقون برذالة أموالهم فنهوا عن ذلك، ولأن المحرم لا يجوز أخذه بالإغماض وبغيره، والآية دلت على جواز أخذ الخبيث بالإغماض، وعن ابن مسعود ومجاهد : أن الطيب هو الحلال والخبيث هو الحرام، والمراد من الإغماض هو المسامحة وترك الاستقصاء. والمعنى ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال من حلاله أو من حرامه، ويحتمل أن يراد ما يكون طيباً من جميع الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال وبمعنى الجودة أيضاً، لأن الاستطابة قد تكون شرعاً وقد تكون عقلاً. واعلم أن المال الزكوي إن كان كله شريفاً وجب أن يكون المأخوذ منه كذلك، وإن كان الكل خسيساً فلا يكلف صاحبه فوق طاقته ولا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ في هذه الحال لا يكون خبيثاً من ذلك المال وإنما الكلام فيما لو كان في المال جيد ورديء فحينئذٍ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك، ولا تكلف أيضاً جيده لقوله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن :
" أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم " بل الواجب حينئذٍ هو الوسط. ثم إن قلنا : المراد من الإنفاق في الآية التطوع أو هو والفرض جميعاً، فالمعنى أن الله تعالى ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه قضاء لحقوق التعظيم والإخلاص، ومعنى ﴿لا تيمموا الخبيث﴾ لا تقصدوه. يقال : تيممته وتأممته كله بمعنى قصدته. ومحل ﴿تنفقون﴾ نصب على الحال، وقدم ﴿منه﴾ عليه ليعلم أن المنهي عنه هو تخصيص الخبيث بالإنفاق منه أي إذا كان في المال طيب وخبيث. ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله :﴿ولا تيمموا الخبيث﴾ ثم ابتدأ مستفهماً بطريق الإنكار فقال :﴿منه تنفقون﴾ وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم إلا بالإغماض وهو غض البصر وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض وهو الخفاء. يقال للبائع : أًغْمِضْ أي لا تستقص كأنك لا تبصر. وأصله أن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه كيلا يرى ذلك، فكثر حتى جعل كل مساهلة إغماضاً أي لو أهدي لكم مثل هذه الأشياء أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم ؟ ويحتمل أن يراد إلا إذا أغمضتم بصر البائع أي كلفتموه الحط من الثمن. عن الحسن : لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه. ﴿واعلموا أن الله غني﴾ عن صدقاتكم ﴿حميد﴾ محمود على ما أنعم من البيان والتكليف بما تحوزون به النعيم الأبدي، أو حامد شاكر على إنفاقكم كقوله :
﴿فأولئك كان سعيهم مشكوراً﴾[الإسراء: ١٩]
ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق هو الفقير الذي أحصرته المحبة في الله عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الكفاف، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له في المشرق مذهب ولا له في المغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب.
| كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها | عليه فما تزداد طولاً ولا عرضاً |
﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾[الأنبياء: ١٠٣]﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور﴾[فاطر: ٣٤].
القراءات :﴿ولا تيمموا﴾ بتشديد التاء ومد الألف : البزي وابن فليح الباقون على الأصل ﴿ومن يؤت الحكمة﴾ بكسر التاء : يعقوب أي من يؤتيه الله. الباقون بالفتح ﴿فنعما هي﴾ ساكنة العين : أبو عمرو والمفضل ويحيى وأبو جعفر ونافع غير ورش ﴿فنعما هي﴾ بفتح النون وكسر العين : ابن عامر وعلي وحمزة وخلف والخراز، الباقون ﴿فنعما هي﴾ بكسر النون والعين والميم مشددة في القراءات، ﴿ونكفر﴾ بالنون والراء ساكنة : أبو جعفر ونافع وحمزة وخلف وعلي ﴿ويكفر﴾ بالياء والراء مرفوعة : ابن عامر وحفص والمفضل. الباقون ﴿ونكفر﴾ بالنون ورفع الراء ﴿يحسبهم﴾ وبابه بفتح السين : ابن عامر ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة. ﴿بسيماهم﴾ بالإمالة : حمزة وعلي وابن شاذان عن خلاد مخيراً. وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وكذلك كل كلمة على ميزان " فعلى ".
الوقوف :﴿من الأرض﴾ " ز " لعطف المتفقتين ﴿تغمضوا فيه﴾ ( ط )، ﴿حميد﴾ ه، ﴿الفحشاء﴾ ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، ﴿فضلاً﴾ ط، ﴿عليم﴾ ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، ﴿من يشاء﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف. ومن قرأ ﴿ومن يؤت الحكمة﴾ بالكسر فالوصل أجوز. ﴿كثيراً﴾ ط، ﴿الألباب﴾ ه، ﴿يعلمه﴾ ط، ﴿أنصار﴾ ه، ﴿فنعما هي﴾ ج، ﴿خير لكم﴾ ط، لمن قرأ ﴿ونكفر﴾ مرفوعاً بالنون أو الياء على الاستئناف. ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف ﴿سيئاتكم﴾ ط، ﴿خبير﴾ ه، ﴿من يشاء﴾ ط لابتداء الشرط ﴿فلأنفسكم﴾ ط لابتداء النفي، ﴿وجه الله﴾ ط، ﴿لا يظلمون﴾ ه، ﴿في الأرض﴾ ز لأن ﴿يحسبهم﴾ وإن صلحت حالاً بعد حال نظماً، ولكن لا يليق بحال من أحصر. ﴿التعفف﴾ ز لأن ﴿تعرفهم﴾ تصلح استئنافاً والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف. وقد يجعل ﴿لا يسألون﴾ استئنافاً فيجوز الوقف على ﴿سيماهم﴾ ﴿إلحافاً﴾ ط، ﴿عليم﴾ ه، ﴿عند ربهم﴾ ج ﴿يحزنون﴾ ه.