جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿للفقراء الّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أغنياء مِنَ التّعَفّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾
أما قوله :﴿لِلْفُقَرَاءِ الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ فبيان من الله عزّ وجلّ عن سبيل النفقة ووجهها. ومعنى الكلام : وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، تنفقون للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله. واللام التي في الفقراء مردودة على موضع اللام في فلأنفسكم، كأنه قال :﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ يعني به : وما تتصدّقوا به من مال، فللفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، فلما اعترض في الكلام بقوله :«فلأنفسكم »، فأدخل الفاء التي هي جواب الجزاء فيه تركت إعادتها في قوله :«للفقراء »، إذ كان الكلام مفهوما معناه. كما :
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي قوله :﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فِلأَنْفُسِكُمْ﴾ أما «ليس عليك هداهم »، فيعني المشركين، وأما النفقة فبين أهلها، فقال : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله.
وقيل : إن هؤلاء الفقراء الذين ذكرهم الله في هذه الآية، هم فقراء المهاجرين عامة دون غيرهم من الفقراء. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿لِلْفُقَرَاءِ الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ مهاجري قريش بالمدينة مع النبيّ ﷺ، أمر بالصدقة عليهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قوله :﴿لِلْفِقُرَاءِ الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾. . . الآية. قال : هم فقراء المهاجرين بالمدينة.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿لِلْفُقَرَاءِ الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ قال : فقراء المهاجرين.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾.


يعني تعالى ذكره بذلك : الذين جعلهم جهادهم عدوّهم يحصرون أنفسهم فيحبسونها عن التصرف فلا يستطيعون تصرّفا. وقد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى الإحصار : تصيير الرجل المحصر بمرضه أو فاقته أو جهاده عدوّه، وغير ذلك من علله إلى حالة يحبس نفسه فيها عن التصرّف في أسبابه بما فيه الكفاية فيما مضى قبل.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : في ذلك بنحو الذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ قال : حصروا أنفسهم في سبيل الله للغزو.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿لِلْفُقَرَاءِ الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ قال : كانت الأرض كلها كفرا لا يستطيع أحد أن يخرج يبتغي من فضل الله إذا خرج خرج في كفر. وقيل : كانت الأرض كلها حربا على أهل هذا البلد، وكانوا لا يتوجهون جهة إلا لهم فيها عدوّ، فقال الله عزّ وجلّ :﴿لِلْفُقَرَاءِ الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾. . . الآية¹ كانوا ههنا في سبيل الله.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : الذين أحصرهم المشركون فمنعوهم التصرّف. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿لِلْفُقَرَاءِ الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ حصرهم المشركون في المدينة.
ولو كان تأويل الآية على ما تأوّله السدي، لكان الكلام : للفقراء الذين حصروا في سبيل الله، ولكنه «أحصروا »، فدلّ ذلك على أن خوفهم من العدوّ الذي صير هؤلاء الفقراء إلى الحال التي حَبسوا وهم في سبيل الله أنفسهم، لا أن العدوّ هم كانوا الحابسيهم، وإنما يقال لمن حبسه العدوّ : حصره العدوّ، وإذا كان الرجل المحبس من خوف العدوّ قيل : أحصره خوف العدوّ.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبا فِي الأرْضِ﴾.


يعني بذلك جل ثناؤه : لا يستطيعون تقلبا في الأرض، وسفرا في البلاد، ابتغاء المعاش وطلب المكاسب، فيستغنوا عن الصدقات رهبة العدوّ، وخوفا على أنفسهم منهم. كما :
حدثني الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة :﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبا فِي الأرْضِ﴾ حبسوا أنفسهم في سبيل الله للعدوّ، فلا يستطيعون تجارة.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبا فِي الأرْضِ﴾ يعني التجارة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد قوله :﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبا فِي الأرْضِ﴾ كان أحدهم لا يستطيع أن يخرج يبتغي من فضل الله.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التّعَفّفِ﴾.


يعني بذلك : يحسبهم الجاهل بأمرهم وحالهم أغنياء من تعففهم عن المسألة وتركهم التعرّض لما في أيدي الناس صبرا منهم على البأساء والضرّاء. كما :
حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِيَاءَ﴾ يقول : يحسبهم الجاهل بأمرهم أغنياء من التعفف.
ويعني بقوله :﴿مِنَ التّعَفّفِ﴾ من ترك مسألة الناس، وهو التفعل من العفة عن الشيء، والعفة عن الشيء : تركه، كما قال رؤبة :
فَعَفّ عَنْ أسْرَارِها بَعْدَ العَسَقْ
يعني بريء وتجنب.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ﴾.


يعني بذلك جل ثناؤه : تعرفهم يا محمد بسيماهم، يعني بعلامتهم وآثارهم، من قول الله عزّ وجلّ :﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السّجُودِ﴾ هذه لغة قريش، ومن العرب من يقول :«بسيمائهم » فيمدها، وأما ثقيف وبعض أسد، فإنهم يقولون :«بسيميائهم » ومن ذلك قول الشاعر :
غُلامٌ رَماهُ اللّهُ بالحُسْنِ يافِعالَهُ سِيمِيَاءُ لا تَشُقّ عَلى البَصَرْ
وقد اختلف أهل التأويل في السيما التي أخبر الله جل ثناؤه أنها لهؤلاء الفقراء الذين وصفت صفتهم وأنهم يعرفون بها، فقال بعضهم : هو التخشع والتواضع. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ قال : التخشع.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، قال : كان مجاهد يقول : هو التخشع.
وقال آخرون يعني بذلك : تعرفهم بسيما الفقر وجهد الحاجة في وجوههم. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ بسيما الفقر عليهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ يقول : تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة.
وقال آخرون : معنى ذلك : تعرفهم برثاثة ثيابهم، وقالوا : الجوع خفيّ. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد :﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ قال : السيما : رثاثة ثيابهم، والجوع خفيّ على الناس، ولم تستطع الثياب التي يخرجون فيها تخفى على الناس.
وأول الأقوال في ذلك بالصواب : أن يقال : إن الله عزّ وجلّ أخبر نبيه ﷺ أنه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم. وإنما كان النبيّ ﷺ يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند المشاهدة بالعيان، فيعرفهم وأصحابه بها، كما يدرك المريض فيعلم أنه مريض بالمعاينة.
وقد يجوز أن تكون تلك السيما كانت تخشعا منهم، وأن تكون كانت أثر الحاجة والضرّ، وأن تكون كانت رثاثة الثياب، وأن تكون كانت جميع ذلك، وإنما تدرك علامات الحاجة وآثار الضرّ في الإنسان، ويعلم أنها من الحاجة والضرّ بالمعاينة دون الوصف، وذلك أن المريض قد يصير به في بعض أحوال مرضه من المرض نظر آثار المجهود من الفاقة والحاجة، وقد يلبس الغنيّ ذو المال الكثير الثياب الرثة، فيتزيا بزيّ أهل الحاجة، فلا يكون في شيء من ذلك دلالة بالصفة على أن الموصوف به مختلّ ذو فاقة، وإنما يدري ذلك عند المعاينة بسيماه، كما وصفهم الله نظير ما يعرف أنه مريض عند المعاينة دون وصفه بصفته.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿لاَ يَسألُونَ النّاسَ إلْحافا﴾.


يقال : قد ألحف السائل في مسألته إذا ألحّ فهو يلحف فيها إلحافا.
فإن قال قائل : أفكان هؤلاء القوم يسألون الناس غير إلحاف ؟ قيل : غير جائز أن يكون كانوا يسألون الناس شيئا على وجه الصدقة، إلحافا أو غير إلحاف، وذلك أن الله عزّ وجلّ وصفهم بأنهم كانوا أهل تعفف، وأنهم إنما كانوا يعرفون بسيماهم، فلو كانت المسألة من شأنهم لم تكن صفتهم التعفف، ولم يكن بالنبيّ ﷺ إلى علم معرفتهم بالأدلة والعلامة حاجة، وكانت المسألة الظاهرة تنبئ عن حالهم وأمرهم. وفي الخبر الذي :
حدثنا به بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن هلال بن حصن، عن أبي سعيد الخدري، قال : أعوزنا مرة فقيل لي : لو أتيت رسول الله ﷺ فسألته. فانطلقت إليه مُعْنقا، فكان أوّل ما واجهني به :«مَنْ اسْتَعَفّ أعَفّهُ الله، ومَنِ اسْتَغْنَى أغْنَاهُ الله، ومَنْ سَأَلَنا لَمْ نَدّخِرْ عَنْهُ شَيْئا نَجِدُهُ »، قال : فرجعت إلى نفسي، فقلت : ألا أستعفّ فيفعني الله ! فرجعت فما سألت رسول الله ﷺ شيئا بعد ذلك من أمر حاجة حتى مالت علينا الدنيا فغرقتنا إلا من عصم الله.
الدلالة الواضحة على أن التعفف معنى ينفي معنى المسألة من الشخص الواحد، وأن من كان موصوفا بالتعفف فغير موصوف بالمسألة إلحافا أو غير إلحاف.
فإن قال قائل : فإن كان الأمر على ما وصفت، فما وجه قوله :﴿لاَ يَسْأَلُونَ النّاسَ إِلْحافا﴾ وهم لا يسألون الناس إلحافا أو غير إلحاف ؟ قيل له : وجه ذلك أن الله تعالى ذكره لما وصفهم بالتعفف وعرّف عباده أنهم ليسوا أهل مسألة بحال بقوله :﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِيَاءَ مِنَ التّعَفّفِ﴾ وأنهم إنما يعرفون بالسيما، زاد عباده إبانة لأمرهم، وحسن ثناء عليهم بنفي الشره والضراعة التي تكون في الملحّين من السؤال عنهم. وقال : كان بعض القائلين يقول في ذلك نظير قول القائل : فَلَمّا رأيت مثل فلان، ولعله لم يره مثله أحدا ولا نظيرا.
وبنحو الذي قلنا في معنى الإلحاف قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿لاَ يَسألُونَ الناسَ إلْحافا﴾ قال : لا يلحفون في المسألة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى