جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللّيْلِ وَالنّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا معتمر، عن أيمن بن نابل، قال : حدثني شيخ من غافق : أن أبا الدرداء كان ينظر إلى الخيل مربوطة بين البراذين والهجن، فيقول : أهل هذه يعني الخيل من الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّا وعلانية، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وقال آخرون : عنى بذلك قوما أنفقوا في سبيل الله في غير إسراف ولا تقتير. ذكر من قال ذلك :
حدثني بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿الّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ﴾ إلى قوله :﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هؤلاء أهل الجنة¹ ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«المُكْثِرُونَ هم الأسْفَلُونَ ». قالوا : يا نبيّ الله إلاّ مَنْ ؟ قال :«المُكْثِرُونَ هُمْ الأسْفَلُونَ »، قالوا : يا نبيّ الله إلا مَن ؟ حتى خشوا أن تكون قد مضت فليس لها ردّ، حتى قال :«إِلاّ مَنْ قَالَ بالمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا » عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمالِهِ، «وَهَكَذَا » بين يَدَيْهِ «وَهَكَذَا » خَلْفَهُ، «وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، هؤلاء قَوْمٌ أنْفَقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الّتِي افْتَرَضَ وَارْتَضَى فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلا إِمْلاقٍ وَلا تَبْذِيرٍ وَلاَ فَسَادٍ ».
وقد قيل : إن هذه الآيات من قوله :﴿إِنْ تُبْدُوا الصّدَقَاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ إلى قوله :﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ كان مما يعمل به قبل نزول ما في سورة براءة من تفصيل الزكوات، فلما نزلت براءة قصروا عليها. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿إِنْ تُبْدُوا الصّدَقَاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ إلى قوله :﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فكان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها انتهت الصدقات إليها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى