اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية : في تعلُّق هذا الجارِّ خمسة أوجهٍ :
أحدها :- وهو الظاهر - أنه متعلِّق بفعل مقدرٍ، يدلُّ عليه سياق الكلام، واختلفت عبارات المعربين فيه، فقال مكي(١) - ولم يذكر غيره - :" أَعْطُوا لِلْفقراءِ "، وفي هذا نظرٌ ؛ لأنه يلزم زيادة اللام في أحد مفعولي أعطى، ولا تزاد اللام إلا لضعف العامل : إمَّا بتقدُّم معموله كقوله تعالى :﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، وإمَّا لكونه فرعاً ؛ نحو قوله تعالى :﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ويبعد أن يقال : لمَّا أُضمر العامل، ضعف ؛ فقوي باللام، على أنَّ بعضهم يجيز ذلك، وإن لم يضعف العامل، وجعل منه ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢]، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقدَّره أبو البقاء(٢) :" اعْجَبُوا لِلْفُقَرَاءِ " وفيه نظرٌ، لأنه لا دلالة من سياق الكلام على العجب. وقدَّره الزمخشريُّ :" اعْمدُوا، أو اجعلوا ما تُنْفقون للفقراء " والأحسن من ذلك ما قدَّره مكي، لكن فيه ما تقدَّم.
الثاني : أنَّ هذا الجارَّ خبر مبتدأ محذوف، تقديره : الصدقات أو النفقات التي تنفقونها للفقراء، وهو في المعنى جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر، كأنهم لما حثُّوا على الصدقات، قالوا : فلمن هي ؟ فأجيبوا بأنها لهؤلاء، وفيها بيان مصرف الصَّدقات. وهذا اختيار ابن الأنباري.
قال ابن الخطيب(٣) : لما تقدمت الآيات الكثيرة في الحث على الإنفاق، قال بعدها " لِلْفُقَرَاءِ " أي : ذلك الإنفاق المحثوث عليه للفقراء وهذا كما إذا تقدم ذكر رجل، فتقول : عاقلٌ لبيبٌ، والمعنى : أن ذلك الذي مرَّ وصفه عاقلٌ لبيبٌ، وكذلك الناس يكتبون على الكيس يجعلون فيه الذهب، والفضَّة : ألفان، أو مائتان، أي : ذلك الذي في الكيس ألفان، أو مائتان.
وأنشد ابن الأنباري :[ الرجز ]
يريد : هو خبٌّ.
الثالث : أنَّ اللام تتعلَّق بقوله تعالى :﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] وهو مذهب القفَّال، واستبعده الناس ؛ لكثرة الفواصل.
الرابع : أنه متعلِّقٌ بقوله تعالى :﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ وفي هذا نظرٌ ؛ من حيث إنه يلزم فيه الفصل بين فعل الشرط وبين معموله بجملة الجواب، فيصير نظير قولك : مَنْ يُكْرِمْ أُحْسِنْ إليه زيداً. وقد صرَّح الواحديُّ بالمنع من ذلك، معلِّلاً بما ذكرناه، فقال : وَلاَ يجوزُ أن يكون العاملُ في هذه اللام " تنفقوا " الأخير في الآية المتقدمة الكريمة ؛ لأنه لا يفصل بين العامل، والمعمول بما ليس منه، كما لا يجوز :" كانَتْ زَيْداً الحُمَّى تأخُذُ ".
الخامس : أنَّ " للفقراء " بدلٌ من قوله :" فلأَنْفُسِكُمْ "، وهذا مردودٌ ؛ قال الواحدي، وغيره :" لأنَّ بدل الشيء من غيره، لا يكون إلا والمعنى مشتملٌ عليه، وليس كذلك ذكر النفس هاهنا ؛ لأنَّ الإنفاق من حيث هو عائدٌ عليها، وللفقراء من حيث هو واصلٌ إليهم، وليس من باب ﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] ؛ لأنَّ الأمر لازمٌ للمستطيع خاصةً " قال شهاب الدين رحمه الله تعالى : يعني أنَّ الفقراء ليست هي الأنفس، ولا جزاءً منها، ولا مشتملةً عليها، وكأن القائل بذلك توهَّم أنه من باب قوله تعالى :﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] في أحد التأويلين.
والفقير : قيل : أصله من " فَقَرَتْه الفَاقِرَةُ "، أي : كسرت فقرات ظهره الداهية. قال الراغب(٥) : وأصل الفقير : هو المكسُورُ الفقار، يقال :" فَقَرَتْه الفاقرةُ " أي : الداهية تكسر الفقار، و " أَفْقَرَكَ الصَّيْدُ [ فَارْمِهِ " ] أي أمكنك من فقاره، وقيل : هو من الفُقرة، أي : الحفرة، ومنه قيل لكلِّ حفرةٍ يجتمع فيها الماء، فقيرٌ : وفقرت للفسيل : حفرت له حفرة ؛ غرسته فيها ؛ قال :[ السريع أو الرجز ]
مَا لَيْلَةُ الفَقِيرِ إِلاَّ شَيْطَانْ(٦) ***. . .
قيل : هو اسم بئر، وفقرت الخرز : ثقبته.
وقال الهروي : يقال " فَقَره " إذا أصاب فقار ظهره، نحو : رَأَسَهُ، أي : أصاب رأسه، وبَطَنَهُ، أي : أصاب بطنه. وقال الأصمعي :" الفقر : أن يحزَّ أنف البعير، حتى يخلص الحزُّ إلى العظم، ثم يلوي عليه جريراً يذلَّل به الصَّعب من الإبل، ومنه قيل : عمل به الفاقرة ". والفقرات - بكسر الفاء، وفتح القاف - : جمع فقرة : الأمور العظام، ومنه حديث السَّعي :" فِقَراتُ ابن آدَم ثلاثٌ : يَوْمَ وُلِد، ويومَ يَمُوتُ، ويومَ يُبْعَثُ ". والفقر - بضم الفاء، وفتح القاف - : جمع فقرة ؛ وهي الحزُّ، وخرم الخطم، ومنه قول أبي زيادٍ :" يُفْقَرُ الصَّعْبُ ثلاثَ فُقَرٍ في خطْمِه " ومنه حديث سعدٍ :" فَأَشَارَ إلى فُقَرٍ في أنْفِهِ "، أي : شقٍّ، وحزٍّ. وقد تقدَّم الكلام في الإحصار عند قوله :" فإن أحصرتم ".
قوله :" فِي سَبِيلِ " في هذا الجار وجهان :
أحدهما : أن يتعلَّق بالفعل قبله ؛ فيكون ظرفاً له.
والثاني : أن يكون متعلِّقاً بمحذوف على أنه حال من مرفوع " أُحصروا "، أي : مستقرين في سبيل الله. وقدَّره أبو البقاء(٧) بمجاهدين في سبيل الله، فهو تفسير معنًى لا إعراب ؛ لأنَّ الجارَّ لا يتعلَّق إلا بالكون المطلق.
نزلت في فقراء المهاجرين، وكانوا نحو أربعمائةٍ، وهم أصحاب الصُّفَّة، لم يكن لهم مساكن ولا عشائر بالمدينة، وكانوا ملازمين المسجد ؛ يتعلمون القرآن الكريم، ويرضخون النوى بالنهار ويخرجون في كل سريَّةٍ يبعثها رسول الله - ﷺ - فحث الله عليهم الناس ؛ فكان من عنده فضلٌ أتاهم به، إذا أمسى(٨).
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : وقف رسول الله - ﷺ - يوماً على أصحاب الصفة، فرأى فقرهم، وجهدهم ؛ فطيَّب قلوبهم، فقال :" أَبْشِرُوا يَا أَصْحَابَ الصُّفَّةِ فإنَّهُ مَنْ لَقِيَ اللهَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى النَّعْتِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ رَاضِياً بِمَا فِيهِ فَإِنَّهُ مِنْ رُفَقَائِي(٩) "
واعلم أنه تعالى وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفاتٍ :
الأولى : قوله :﴿الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ والإحصار : أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين سفره من مرضٍ، أو كسرٍ، أو عدوٍّ، أو ذهاب نفقةٍ، أو ما يجري مجرى هذه الأشياء، يقال : أحصر الرجل : فهو محصرٌ، وفي معنى هذا الإحصار، وجوه :
الأول : أنَّهم حصروا أنفسهم، ووقفوها على الجهاد ؛ لأن قوله :﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ مختصٌّ بالجهاد في عرف القرآن.
الثاني : قال قتادة - رحمه الله - وابن زيد : منعو أنفسهم من التصرفات في التجارة للمعاش ؛ خوف العدوِّ(١٠) ؛ لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة، وكانوا متى وجدوهم، قتلوهم(١١).
الثالث : قال سعيد بن جبير ؛ وهو اختيار الكسائي : إنَّ هؤلاء القوم أصابتهم جراحاتٌ مع رسول الله - ﷺ - وصاروا زمنى، فأحصرهم المرض، والزمانة عن الضَّرب في الأرض(١٢).
الرابع : قال ابن عباس - رضي الله عنهما - هؤلاء القوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله، فعذرهم الله(١٣).
الصفة الثانية : قوله تعالى :﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ﴾ في هذه الجملة احتمالان :
أظهرهما : أنها حالٌ، وفي صاحبها وجهان :
أحدهما : أنه " الفقراء "، وثانيهما : أنه مرفوع " أُحْصِرُوا ".
والاحتمال الثاني : أن تكون مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب ؛ و " ضَرْباً " مفعولٌ به، وهو هنا السفر للتجارة ؛ قال :[ الوافر ]
ويقال : ضَرَبْتُ في الأَرْضِ ضَرْباً، ومَضْرِباً، أي : سرتُ.
عدم استطاعتهم : إمَّا أن يكون لاشتغالهم بصلاح الدِّين، بأمر الجهاد ؛ فيمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة، وإمَّا لخوفهم من الأعداء، وإمَّا لمرضهم، وعجزهم ؛ وعلى جميع الوجوه فلا شكَّ في احتياجهم إلى من يعينهم.
الصفة الثالثة : قوله :" يَحْسَبُهم " يجوز في هذه الجملة ما جاز فيما قبلها من الحالية والاستئناف، وكذلك ما بعدها.
" يَحْسَبُهُمْ " هو الظَّنُّ، أي : إنّهم من الانقباض، وترك المسألة، والتوكل على الله، بحيث يظنهم الجاهل أغنياء.
وقرأ ابن عامرٍ(١٥)، وعاصمٌ، وحمزة :" يَحْسَبُ " - حيث ورد - بفتح السين، والباقون : بكسرها. فأمَّا القراءة الأولى ؛ فجاءت على القياس ؛ لأنَّ قياس فعل - بكسر العين - يفعل بفتحها لتتخالف الحركتان فيخفَّ اللفظ، وهي لغة تميم، والكسر لغة الحجاز، وبها قرأ رسول الله - صلى الله عيه وسلم -، وقد شذَّت ألفاظٌ أخر ؛ جاءت في الماضي، والمضارع بكسر العين منها : نَعِم يَنْعِم، وبَئِس يَبْئِسُ، ويَئِسَ يَيْئِس، ويَبِس يَيْبِس من اليُبوسة، وعَمِد يَعْمِد، وقياسها كلُّها الفتح، واللغتان فصيحتان في الاستعمال، والقارئ بلغة الكسر اثنان من كبار النحاة : أبو عمرو - وكفى به -، والكسائي، وقارئا الحرمين : نافع، وابن كثير.
والجاهل هنا : اسم جنس لا يراد به واحدٌ بعينه.
ولم يرد - هنا - به الجهل الذي هو ضدّ العلم، وإنما أراد الجهل الذي هو ضدُّ الاختبار، يقول : يحسبهم من لم يختبر أمرهم أغنياء، و " أغنياءَ " هو المفعول الثاني.
قوله :" من التَّعَفُّفِ " في " مِنْ " هذه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها سببيةٌ، أيك سَبَبُ حُسْبَانِهم أغنياء تعفُّفهم، فهو مفعولٌ من أجله، وجرُّه بحرف السبب هنا واجبٌ، لفقد شرطٍ من شروط النصب، وهو اتحاد الفاعل، وذلك أنَّ فاعل الحسبان الجاهل، وفاعل التعفُّف هم الفقراء، ولو كان هذا المفعول له مستكملاً لشروط النصب، لكان الأحسن جرَّه بالحرف ؛ لأنه معرَّفٌ بأل، وقد تقدَّم أنَّ جرَّ هذا النوع أحسن من نصبه ؛ نحو : جئت للإكرام، وقد جاء نصبه ؛ قال القائل :[ الرجز ]
والثاني : أنها لابتداء الغاية، والمعنى أنَّ محسبة الجاهل غناهم، نشأت من تعفُّفهم ؛ لأنه لا يحسب غناهم غنى تعففٍ، إنما يحسبه غنى مالٍ، فقد نشأت محسبته من تعفُّفهم، وهذا على أنَّ تعفُّفهم تعففٌ تام.
والثالث : أنها لبيان الجنس، وإليه نحا ابن عطية، قال : يكون التعففُ داخلاً في المحسبة، أي : إنه لا يظهر لهم سؤالٌ، بل هو قليلٌ، فالجاهل بهم مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عنه، ف " مِنْ " لبيان الجنس على هذا التأويل.
قال أبو حيَّان :" وليس ما قالَه مِنْ أنَّ " مِنْ " هذه في هذا المعنى وهو أن تتقدَّر " مِنْ " بموصولٍ، وما دخلت عليه يجعل خبر مبتدأ محذوف ؛ كقوله تعالى :﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] يصح أن يقال : الذي هو الأوثان، ولو قلت هنا :" يَحْسَبُهُم الجَاهِلُ أغنياء الَّذِي هُوَ التَّعفف " لم يصحَّ هذا التقدير ؛ وكأنه سمَّى الجهة
أحدها :- وهو الظاهر - أنه متعلِّق بفعل مقدرٍ، يدلُّ عليه سياق الكلام، واختلفت عبارات المعربين فيه، فقال مكي(١) - ولم يذكر غيره - :" أَعْطُوا لِلْفقراءِ "، وفي هذا نظرٌ ؛ لأنه يلزم زيادة اللام في أحد مفعولي أعطى، ولا تزاد اللام إلا لضعف العامل : إمَّا بتقدُّم معموله كقوله تعالى :﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، وإمَّا لكونه فرعاً ؛ نحو قوله تعالى :﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ويبعد أن يقال : لمَّا أُضمر العامل، ضعف ؛ فقوي باللام، على أنَّ بعضهم يجيز ذلك، وإن لم يضعف العامل، وجعل منه ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢]، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقدَّره أبو البقاء(٢) :" اعْجَبُوا لِلْفُقَرَاءِ " وفيه نظرٌ، لأنه لا دلالة من سياق الكلام على العجب. وقدَّره الزمخشريُّ :" اعْمدُوا، أو اجعلوا ما تُنْفقون للفقراء " والأحسن من ذلك ما قدَّره مكي، لكن فيه ما تقدَّم.
الثاني : أنَّ هذا الجارَّ خبر مبتدأ محذوف، تقديره : الصدقات أو النفقات التي تنفقونها للفقراء، وهو في المعنى جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر، كأنهم لما حثُّوا على الصدقات، قالوا : فلمن هي ؟ فأجيبوا بأنها لهؤلاء، وفيها بيان مصرف الصَّدقات. وهذا اختيار ابن الأنباري.
قال ابن الخطيب(٣) : لما تقدمت الآيات الكثيرة في الحث على الإنفاق، قال بعدها " لِلْفُقَرَاءِ " أي : ذلك الإنفاق المحثوث عليه للفقراء وهذا كما إذا تقدم ذكر رجل، فتقول : عاقلٌ لبيبٌ، والمعنى : أن ذلك الذي مرَّ وصفه عاقلٌ لبيبٌ، وكذلك الناس يكتبون على الكيس يجعلون فيه الذهب، والفضَّة : ألفان، أو مائتان، أي : ذلك الذي في الكيس ألفان، أو مائتان.
وأنشد ابن الأنباري :[ الرجز ]
| تَسْأَلُنِي عَنْ زَوْجِهَا أَيُّ فَتَى | خبٌّ جَرُوزٌ وَإِذَا جَاعَ بَكَى(٤) |
الثالث : أنَّ اللام تتعلَّق بقوله تعالى :﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] وهو مذهب القفَّال، واستبعده الناس ؛ لكثرة الفواصل.
الرابع : أنه متعلِّقٌ بقوله تعالى :﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ وفي هذا نظرٌ ؛ من حيث إنه يلزم فيه الفصل بين فعل الشرط وبين معموله بجملة الجواب، فيصير نظير قولك : مَنْ يُكْرِمْ أُحْسِنْ إليه زيداً. وقد صرَّح الواحديُّ بالمنع من ذلك، معلِّلاً بما ذكرناه، فقال : وَلاَ يجوزُ أن يكون العاملُ في هذه اللام " تنفقوا " الأخير في الآية المتقدمة الكريمة ؛ لأنه لا يفصل بين العامل، والمعمول بما ليس منه، كما لا يجوز :" كانَتْ زَيْداً الحُمَّى تأخُذُ ".
الخامس : أنَّ " للفقراء " بدلٌ من قوله :" فلأَنْفُسِكُمْ "، وهذا مردودٌ ؛ قال الواحدي، وغيره :" لأنَّ بدل الشيء من غيره، لا يكون إلا والمعنى مشتملٌ عليه، وليس كذلك ذكر النفس هاهنا ؛ لأنَّ الإنفاق من حيث هو عائدٌ عليها، وللفقراء من حيث هو واصلٌ إليهم، وليس من باب ﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] ؛ لأنَّ الأمر لازمٌ للمستطيع خاصةً " قال شهاب الدين رحمه الله تعالى : يعني أنَّ الفقراء ليست هي الأنفس، ولا جزاءً منها، ولا مشتملةً عليها، وكأن القائل بذلك توهَّم أنه من باب قوله تعالى :﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] في أحد التأويلين.
والفقير : قيل : أصله من " فَقَرَتْه الفَاقِرَةُ "، أي : كسرت فقرات ظهره الداهية. قال الراغب(٥) : وأصل الفقير : هو المكسُورُ الفقار، يقال :" فَقَرَتْه الفاقرةُ " أي : الداهية تكسر الفقار، و " أَفْقَرَكَ الصَّيْدُ [ فَارْمِهِ " ] أي أمكنك من فقاره، وقيل : هو من الفُقرة، أي : الحفرة، ومنه قيل لكلِّ حفرةٍ يجتمع فيها الماء، فقيرٌ : وفقرت للفسيل : حفرت له حفرة ؛ غرسته فيها ؛ قال :[ السريع أو الرجز ]
مَا لَيْلَةُ الفَقِيرِ إِلاَّ شَيْطَانْ(٦) ***. . .
قيل : هو اسم بئر، وفقرت الخرز : ثقبته.
وقال الهروي : يقال " فَقَره " إذا أصاب فقار ظهره، نحو : رَأَسَهُ، أي : أصاب رأسه، وبَطَنَهُ، أي : أصاب بطنه. وقال الأصمعي :" الفقر : أن يحزَّ أنف البعير، حتى يخلص الحزُّ إلى العظم، ثم يلوي عليه جريراً يذلَّل به الصَّعب من الإبل، ومنه قيل : عمل به الفاقرة ". والفقرات - بكسر الفاء، وفتح القاف - : جمع فقرة : الأمور العظام، ومنه حديث السَّعي :" فِقَراتُ ابن آدَم ثلاثٌ : يَوْمَ وُلِد، ويومَ يَمُوتُ، ويومَ يُبْعَثُ ". والفقر - بضم الفاء، وفتح القاف - : جمع فقرة ؛ وهي الحزُّ، وخرم الخطم، ومنه قول أبي زيادٍ :" يُفْقَرُ الصَّعْبُ ثلاثَ فُقَرٍ في خطْمِه " ومنه حديث سعدٍ :" فَأَشَارَ إلى فُقَرٍ في أنْفِهِ "، أي : شقٍّ، وحزٍّ. وقد تقدَّم الكلام في الإحصار عند قوله :" فإن أحصرتم ".
قوله :" فِي سَبِيلِ " في هذا الجار وجهان :
أحدهما : أن يتعلَّق بالفعل قبله ؛ فيكون ظرفاً له.
والثاني : أن يكون متعلِّقاً بمحذوف على أنه حال من مرفوع " أُحصروا "، أي : مستقرين في سبيل الله. وقدَّره أبو البقاء(٧) بمجاهدين في سبيل الله، فهو تفسير معنًى لا إعراب ؛ لأنَّ الجارَّ لا يتعلَّق إلا بالكون المطلق.
فصل في بيان سبب النزول
نزلت في فقراء المهاجرين، وكانوا نحو أربعمائةٍ، وهم أصحاب الصُّفَّة، لم يكن لهم مساكن ولا عشائر بالمدينة، وكانوا ملازمين المسجد ؛ يتعلمون القرآن الكريم، ويرضخون النوى بالنهار ويخرجون في كل سريَّةٍ يبعثها رسول الله - ﷺ - فحث الله عليهم الناس ؛ فكان من عنده فضلٌ أتاهم به، إذا أمسى(٨).
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : وقف رسول الله - ﷺ - يوماً على أصحاب الصفة، فرأى فقرهم، وجهدهم ؛ فطيَّب قلوبهم، فقال :" أَبْشِرُوا يَا أَصْحَابَ الصُّفَّةِ فإنَّهُ مَنْ لَقِيَ اللهَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى النَّعْتِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ رَاضِياً بِمَا فِيهِ فَإِنَّهُ مِنْ رُفَقَائِي(٩) "
واعلم أنه تعالى وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفاتٍ :
الأولى : قوله :﴿الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ والإحصار : أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين سفره من مرضٍ، أو كسرٍ، أو عدوٍّ، أو ذهاب نفقةٍ، أو ما يجري مجرى هذه الأشياء، يقال : أحصر الرجل : فهو محصرٌ، وفي معنى هذا الإحصار، وجوه :
الأول : أنَّهم حصروا أنفسهم، ووقفوها على الجهاد ؛ لأن قوله :﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ مختصٌّ بالجهاد في عرف القرآن.
الثاني : قال قتادة - رحمه الله - وابن زيد : منعو أنفسهم من التصرفات في التجارة للمعاش ؛ خوف العدوِّ(١٠) ؛ لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة، وكانوا متى وجدوهم، قتلوهم(١١).
الثالث : قال سعيد بن جبير ؛ وهو اختيار الكسائي : إنَّ هؤلاء القوم أصابتهم جراحاتٌ مع رسول الله - ﷺ - وصاروا زمنى، فأحصرهم المرض، والزمانة عن الضَّرب في الأرض(١٢).
الرابع : قال ابن عباس - رضي الله عنهما - هؤلاء القوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله، فعذرهم الله(١٣).
الصفة الثانية : قوله تعالى :﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ﴾ في هذه الجملة احتمالان :
أظهرهما : أنها حالٌ، وفي صاحبها وجهان :
أحدهما : أنه " الفقراء "، وثانيهما : أنه مرفوع " أُحْصِرُوا ".
والاحتمال الثاني : أن تكون مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب ؛ و " ضَرْباً " مفعولٌ به، وهو هنا السفر للتجارة ؛ قال :[ الوافر ]
| لَحِفْظُ المَالِ أَيْسَرُ مِنْ بَقَاهُ | وَضَرْبٌ في البِلاَدِ بِغَيْرِ زَادِ(١٤) |
فصل في بيان عدم الاستطاعة في الآية
عدم استطاعتهم : إمَّا أن يكون لاشتغالهم بصلاح الدِّين، بأمر الجهاد ؛ فيمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة، وإمَّا لخوفهم من الأعداء، وإمَّا لمرضهم، وعجزهم ؛ وعلى جميع الوجوه فلا شكَّ في احتياجهم إلى من يعينهم.
الصفة الثالثة : قوله :" يَحْسَبُهم " يجوز في هذه الجملة ما جاز فيما قبلها من الحالية والاستئناف، وكذلك ما بعدها.
" يَحْسَبُهُمْ " هو الظَّنُّ، أي : إنّهم من الانقباض، وترك المسألة، والتوكل على الله، بحيث يظنهم الجاهل أغنياء.
وقرأ ابن عامرٍ(١٥)، وعاصمٌ، وحمزة :" يَحْسَبُ " - حيث ورد - بفتح السين، والباقون : بكسرها. فأمَّا القراءة الأولى ؛ فجاءت على القياس ؛ لأنَّ قياس فعل - بكسر العين - يفعل بفتحها لتتخالف الحركتان فيخفَّ اللفظ، وهي لغة تميم، والكسر لغة الحجاز، وبها قرأ رسول الله - صلى الله عيه وسلم -، وقد شذَّت ألفاظٌ أخر ؛ جاءت في الماضي، والمضارع بكسر العين منها : نَعِم يَنْعِم، وبَئِس يَبْئِسُ، ويَئِسَ يَيْئِس، ويَبِس يَيْبِس من اليُبوسة، وعَمِد يَعْمِد، وقياسها كلُّها الفتح، واللغتان فصيحتان في الاستعمال، والقارئ بلغة الكسر اثنان من كبار النحاة : أبو عمرو - وكفى به -، والكسائي، وقارئا الحرمين : نافع، وابن كثير.
والجاهل هنا : اسم جنس لا يراد به واحدٌ بعينه.
ولم يرد - هنا - به الجهل الذي هو ضدّ العلم، وإنما أراد الجهل الذي هو ضدُّ الاختبار، يقول : يحسبهم من لم يختبر أمرهم أغنياء، و " أغنياءَ " هو المفعول الثاني.
قوله :" من التَّعَفُّفِ " في " مِنْ " هذه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها سببيةٌ، أيك سَبَبُ حُسْبَانِهم أغنياء تعفُّفهم، فهو مفعولٌ من أجله، وجرُّه بحرف السبب هنا واجبٌ، لفقد شرطٍ من شروط النصب، وهو اتحاد الفاعل، وذلك أنَّ فاعل الحسبان الجاهل، وفاعل التعفُّف هم الفقراء، ولو كان هذا المفعول له مستكملاً لشروط النصب، لكان الأحسن جرَّه بالحرف ؛ لأنه معرَّفٌ بأل، وقد تقدَّم أنَّ جرَّ هذا النوع أحسن من نصبه ؛ نحو : جئت للإكرام، وقد جاء نصبه ؛ قال القائل :[ الرجز ]
| لاَ أَقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجَاءِ | وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرُ الأَعْدَاءِ(١٦) |
والثالث : أنها لبيان الجنس، وإليه نحا ابن عطية، قال : يكون التعففُ داخلاً في المحسبة، أي : إنه لا يظهر لهم سؤالٌ، بل هو قليلٌ، فالجاهل بهم مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عنه، ف " مِنْ " لبيان الجنس على هذا التأويل.
قال أبو حيَّان :" وليس ما قالَه مِنْ أنَّ " مِنْ " هذه في هذا المعنى وهو أن تتقدَّر " مِنْ " بموصولٍ، وما دخلت عليه يجعل خبر مبتدأ محذوف ؛ كقوله تعالى :﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] يصح أن يقال : الذي هو الأوثان، ولو قلت هنا :" يَحْسَبُهُم الجَاهِلُ أغنياء الَّذِي هُوَ التَّعفف " لم يصحَّ هذا التقدير ؛ وكأنه سمَّى الجهة
١ - ينظر: المشكل ١/١١٥..
٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٦..
٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٧٠..
٤ - البيت للشماخ: ينظر ديوانه (١٠٧)، المحتسب ١/٦٠، الدر المصون ١/٦٥٤..
٥ - ينظر: المفردات للراغب ٣٩٧..
٦ - البيت للجليخ. ينظر المفردات للراغب (٥٧٧)، الدر المصون ١/٦٥٤، جمهرة ابن دريد ٢/٧٨٤..
٧ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٦..
٨ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٧/٧٠)..
٩ - أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٣/٢٧٧) وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (١٦٥٧٧) وعزاه للخطيب في تاريخه..
١٠ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٩٣) عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٣٣) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم..
١١ - في ب: المعدوم..
١٢ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٣٣) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير..
١٣ - ذكره الفخر الرازي في "تفسيره" (٧/٧٠)..
١٤ - ينظر: الدر المصون ١/٦٥٥..
١٥ - انظر: السبعة ١٩١، والكشف ١/٣١، وحجة القراءات ١٤٨، والحجة ٢/٤٠٢، والعنوان ٧٦، وإعراب القراءات ١/١٠٣، وشرح شعلة ٣٠٣، وشرح الطيبة ٤/١٣١-١٣٣ وإتحاف ١/٤٥٧..
١٦ - تقدم برقم (٢٥٢)..
٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٦..
٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٧٠..
٤ - البيت للشماخ: ينظر ديوانه (١٠٧)، المحتسب ١/٦٠، الدر المصون ١/٦٥٤..
٥ - ينظر: المفردات للراغب ٣٩٧..
٦ - البيت للجليخ. ينظر المفردات للراغب (٥٧٧)، الدر المصون ١/٦٥٤، جمهرة ابن دريد ٢/٧٨٤..
٧ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٦..
٨ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٧/٧٠)..
٩ - أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٣/٢٧٧) وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (١٦٥٧٧) وعزاه للخطيب في تاريخه..
١٠ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٩٣) عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٣٣) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم..
١١ - في ب: المعدوم..
١٢ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٣٣) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير..
١٣ - ذكره الفخر الرازي في "تفسيره" (٧/٧٠)..
١٤ - ينظر: الدر المصون ١/٦٥٥..
١٥ - انظر: السبعة ١٩١، والكشف ١/٣١، وحجة القراءات ١٤٨، والحجة ٢/٤٠٢، والعنوان ٧٦، وإعراب القراءات ١/١٠٣، وشرح شعلة ٣٠٣، وشرح الطيبة ٤/١٣١-١٣٣ وإتحاف ١/٤٥٧..
١٦ - تقدم برقم (٢٥٢)..