بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
ثم بيّن موضع الصدقة فقال تعالى :﴿لِلْفُقَرَاء الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ يعني النفقة والصدقة للفقراء الذين حبسوا أنفسهم في طاعة الله، وهم أصحاب الصّفّة كانوا نحواً من أربعمائة رجل، جعلوا أنفسهم للطاعة، وتركوا الكسب والتجارة. قوله :﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الارض﴾ أي لا يستطيعون الخروج إلى السفر في التجارة. ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل﴾ قرأ حمزة وعاصم وابن عامر :﴿يحسبهم﴾ بنصب السين في جميع القرآن، وقرأ الباقون : بالكسر وتفسير القراءتين واحد، يعني يظن الجاهل بأمرهم وشأنهم أنهم ﴿أَغْنِيَاء مِنَ التعفف﴾ لأنهم يظهرون أنفسهم للناس باللباس وغيره، كأنهم أغنياء ويتعففون عن المسألة. قوله ﴿تَعْرِفُهُم بسيماهم﴾ أي بصفرة الوجوه من قيام الليل وصوم النهار ﴿لاَ يسألون الناس إلحافا﴾ يعني إلحاحاً قال ابن عباس رضي الله عنه : لا يسألون الناس إلحاحاً ولا غير إلحاح، ويقال : أصله من اللحاف، لأن السائل إذا كان ملحّاً، فكأنه يلصق بالمسؤول فيصير كاللحاف يلتصق، وجعل ذلك كناية عنه.
ثم قال تعالى :﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ يعني عليم بما أنفقتم ويقال هذا على معنى التحريض، فكأنه يقول عليكم بالفقراء الذين أحصروا في سبيل الله. وقال بعضهم : هذا على معنى التعجب، فكأنه يقول عجباً للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ويقال : إنه رد إلى أول الآية ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ﴾ ﴿لِلْفُقَرَاء الذين أُحصِرُواْ﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى