فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿لِلْفُقَرَاء﴾ متعلق بقوله :﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ أو بمحذوف : أي : اجعلوا ذلك للفقراء، أو خبر مبتدأ محذوف : أي : إنفاقكم للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله بالغزو، أو الجهاد، وقيل : منعوا عن التكسب لما هم فيه من الضعف ﴿الذين لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأرض﴾ للتكسب بالتجارة، والزراعة، ونحو ذلك بسبب ضعفهم. قيل : هم فقراء الصفة. وقيل : كل من يتصف بالفقر، وما ذكر معه. ثم ذكر سبحانه من أحوال أولئك الفقراء ما يوجب الحُنُوّ عليهم، والشفقة بهم، وهو : كونهم متعففين عن المسألة، وإظهار المسكنة بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء. والتعفف تفعل، وهو بناء مبالغة من عف عن الشيء : إذا أمسك عنه، وتنزّه عن طلبه، وفي :«يحسبهم » لغتان : فتح السين، وكسرها. قال أبو عليّ الفارسيّ : والفتح أقيس ؛ لأن العين من الماضي مكسورة، فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة. فالقراءة بالكسر على هذا حسنة، وإن كانت شاذة. و«من » في قوله :«من التعفف » لابتداء الغاية، وقيل : لبيان الجنس. قوله :﴿تَعْرِفُهُم بسيماهم﴾ أي : برثاثة ثيابهم، وضعف أبدانهم، وكل ما يشعر بالفقر، والحاجة. والخطاب إما لرسول الله ﷺ، أو لكل من يصلح للمخاطبة، والسيما مقصورة : العلامة، وقد تمد. والإلحاف : الإلحاح في المسئلة، وهو مشتق من اللحاف، سمي بذلك ؛ لاشتماله على وجوه الطلب في المسئلة، كاشتمال اللحاف على التغطية. ومعنى قوله :﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ أنهم لا يسألونهم ألبتة، لا سؤال إلحاح، ولا سؤال غير إلحاح. وبه قال الطبري، والزجاج، وإليه ذهب جمهور المفسرين، ووجهه أن التعَفُّفَّ صفةٌ ثابتة لهم لا تفارقهم، ومجرد السؤال ينافيها. وقيل : المراد أنهم إذا سألوا سألوا بتلطف، ولا يلحفون في سؤالهم، وهذا، وإن كان هو الظاهر من توجه النفي إلى القيد دون المقيد، لكن صفة التعفف تنافيه، وأيضاً كون الجاهل بهم يحسبهم أغنياء لا يكون إلا مع عدم السؤال ألبتة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأخرج ابن المنذر من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله :﴿لِلْفُقَرَاء الذين أُحصِرُوا فِى سَبِيلِ الله﴾ قال : هم أصحاب الصفة. وأخرج ابن سعد، عن محمد بن كعب القرظي، نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال : هم مهاجرو قريش بالمدينة مع النبي ﷺ أمروا بالصدقة عليهم. وأخرج ابن جرير، عن الربيع في قوله :﴿الذين أُحصِرُوا فِى سَبِيلِ الله﴾ قال : حصروا أنفسهم في سبيل الله للغزو فلا يستطيعون تجارة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال : هم قوم أصابتهم، الجراحات في سبيل الله، فصاروا زمني، فجعل لهم في أموال المسلمين حقاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن رجاء بن حيوة في قوله :﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأرض﴾ قال : لا يستطيعون تجارة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله :﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء﴾ قال : دلّ الله المؤمنين عليهم، وجعل نفقاتهم لهم، وأمرهم أن يضعوا نفقاتهم فيهم، ورضي عنهم.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿تَعْرِفُهُم بسيماهم﴾ قال : التخشع. وأخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع أن معناه تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد :﴿تَعْرِفُهُم بسيماهم﴾ قال : رثاثة ثيابهم، وثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«ليس المسكين الذي تردّه التمرة، والتمرتان، واللقمة، واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، واقرءوا إن شئتم :﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾» وقد ورد في تحريم المسئلة أحاديث كثيرة إلا لذي سلطان، أو في أمر لا يجد منه بدّاً.
وأخرج ابن سعد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عديّ، والطبراني، وأبو الشيخ، عن يزيد بن عبد الله بن عَرِيب المليكي، عن أبيه، عن جدّه عن النبيّ ﷺ قال :«أنزلت هذه الآية ﴿الذين يُنفِقُونَ أموالهم بالليل والنهار﴾ في أصحاب الخيل» وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر، عن أبي أمامة الباهلي نحوه قال : فيمن لا يربطها خيلاء، ولا رياء، ولا سمعة. وأخرج ابن جرير، عن أبي الدرداء نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن حنش الصنعاني أنه سمع ابن عباس يقول في هذه الآية : هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه عن ابن عباس في هذه الآية ؛ قال : نزلت في عليّ بن أبي طالب كانت له أربعة دراهم، فأنفق بالليل درهماً، وبالنهار درهماً، ودرهماً سرّاً، ودرهماً علانية. وعبد الوهاب ضعيف، ولكن قد رواه ابن مردويه من وجه آخر، عن ابن عباس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في هذه الآية قال : هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله الذي افترض عليهم في غير سَرَفٍ، ولا إِمْلاقٍ، ولا تبذير، ولا فساد. وأخرج ابن المنذر، عن سعيد بن المسيب قال : نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان في نفقتهم في جيش العسرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى