اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ : مبتدأٌ، وخبره الجملة من قوله :﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ودخلت الفاء ؛ لما تضمَّنه الموصول من معنى الشرط. وقال ابن عطية رحمه الله :" وإنما يوجد الشَّبه - يعني بين الموصول، واسم الشرط - إذا كان الموصول موصولاً بفعل، وإذا لم يدخل على الموصول عاملٌ يغيِّر معناه ". قال أبو حيَّان(١) - رحمه الله - :" فَحَصر الشَّبه فيما إذا كان " الَّذِي " موصولاً بفعل، وهذا كلامٌ غير محرَّرٍ، أمَّا قوله :" الَّذِي " فلا يختصُّ ذلك ب " الذي "، بل كلُّ ما كان موصولاً غير الألف واللام، حكمه حكم الذي " بلا خلافٍ، وفي الألف واللام خلاف، ومذهب سيبويه(٢) المنع من دخول الفاء.
الثاني : قوله " مَوْصولاً بفعل " فأطلق الفعل واقتصر عليه، وليس كذلك، بل شرط الفعل أن يصلح لمباشرة أداة الشرط، فلو قلت : الذي سَيَأْتِيني، أو لمَّا يأتيني، أو ما يأتيني، أو ليس يأتيني - فله درهمٌ - لم يجز شيءٌ من ذلك ؛ لأنَّ أداة الشرط لا يصلح أن تدخل على شيءٍ من ذلك، وأمَّا الاقتصار على الفعل، فليس كذلك ؛ بل الظرف والجارُّ والمجرور في الوصل كذلك، متى كان شيءٌ منهما صلةً لموصول، جاز دخول الفاء.
وقوله :" وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ على " الَّذي " عاملٌ يغيِّر معناه " عبارةٌ غير ملخَّصةٍ ؛ لأن العامل لا يغيِّر معنى الموصول، إنما يغيِّر معنى الابتداء، بأن يصيِّره تمنِّياً، أو ترجِّياً، أو ظناً، نحو : لعل الذي يأتضيني، أو ليت الذي يأتيني، أو ظننت الذي يأتيني - فله درهمٌ، لا يجوز دخول الفاء لتغيُّر معنى الابتداء.
وكان ينبغي له - أيضاً - أن يقول :" بِشَرْطِ أَنْ يكونَ الخبرُ مستحِقاً بالصلةِ ؛ كالآية الكريمة ؛ لأنَّ ترتُّبَ الأجرِ إنما هو على الإِنْفاقِ ".
وقول الشيخ أيضاً :" بل كلُّ مَوْصُولٍ " ليس الحكم - أيضاً - مقتصراً على كلِّ موصولٍ، بل كلُّ نكرةٍ موصوفةٍ بما يجوز أن يكون صلةً مجوِّزةً لدخول الفاء، أو ما أُضيف إلى تلك النكرة، أو إلى ذلك الموصول، أو الموصوف بالموصول - حكمه كذلك. وقد تقدمت المسألة.

فصل في بيان سبب النُّزول


في سبب النزول وجوه :
الأول : لما نزل قوله تعالى :﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، بعث عبد الرَّحمن بن عوف بدنانير كثيرةٍ إلى أصحاب الصُّفة، وبعث عليٌّ - كرم الله وجهه - بوسق تمرٍ ليلاً ؛ فكان أحبَّ الصَّدقتين إلى الله تعالى، صدقه عليٍّ ؛ فنزلت الآية.
وقدَّم الله تعالى ذكر الليل ؛ ليعرف أنَّ صدقة اللَّيل كانت أكمل، رواه الضَّحَّاك، عن ابن عبَّاسٍ(٣).
الثاني : روى مجاهدٌ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : نزلت هذه الآية في عليٍّ - رضي الله عنه - كان عنده أربعة دراهم، لا يملك غيرها، فتصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً، وبدرهم سرّاً وبدرهم علانيةً ؛ فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - :" مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا ؟ " فقال : أن أستوجب ما وعدني ربِّي، فقال :" لَكَ ذَلِكَ(٤) ".
الثالث : قال الزَّمخشريُّ نزلن في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - حين تصدَّق بأربعين ألف دينار : عشرةٌ باللَّيل، وعشرةٌ بالنهار، وعشرةٌ في السِّرِّ، وعشرة في العلانية.
الرابع : قال أبو أمامة، وأبو الدَّرداء، ومكحولٌ، والأوزاعي : نزلت هذه الآية الكريمة في الذين يربطون الخيل للجهاد ؛ فإنها تعتلف ليلاً ونهاراً، وسراً وعلانية، فكان أبو هريرة - رضي الله عنه - إذا مرَّ بفرسٍ سمين، قرأ هذه الآية(٥).
وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - ﷺ - :" مَنِ احْتَبَسَ فَرَساً فِي سَبِيلِ اللهِ إيمَاناً، وتَصْدِيقاً بوعدِهِ، فإنَّ شِبَعَهُ وريَّه ورَوْثَهُ، وبَوْلَهُ في ميزانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ(٦) ".
الخامس : أن الآية الكريمة عامةٌ في الذين يعمون الأوقات، والأحوال بالصدقة، تحريضاً لهم على الخير.
وفي الآية إشارة إلى أن صدقة السِّرِّ أفضل ؛ لأنه قدم اللَّيل على النهار، والسر على العلانية في الذكر، وتقدم نظير هذه الآية ؛ ومدلولها، وهو مشروطٌ عند الكل بألاَّ يحصل عقيبه الكفر، وعند المعتزلة ألاَّ يحصل عقيبه كبيرةٌ محبطةٌ.
١ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٤٤-٣٤٥..
٢ - ينظر الكتاب ١/٧٢-٧٣..
٣ - انظر: تفسير الفخر الرازي (٧/٧٣) و"البحر المحيط" (٢/٣٣٤) لأبي حيان..
٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٩٦) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٤٢) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وانظر غرائب النيسابوري (٣/٧٤) وأسباب النزول للواحدي (٦٤) وفتح القدير (١/٢٩٤)..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٩٦) عن أبي الدرداء وأخرجه ابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي كما في "الدر المنثور" (١/٦٤١). وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي من طريق حنش الصنعاني عن ابن عباس كما في "الدر المنثور" (١/٦٤١).
وانظر تفسير ابن كثير (١/٤٨٢) والقرطبي (٣/٢٢٤)..

٦ - أخرجه البخاري (٤/٩٠) كتاب الجهاد والسير باب الجهاد ماض-الخ رقم (٢٨٥٣) والنسائي (٦/٢٢٥) وأحمد (٢/٣٧٤) والحاكم (٢/٩٢) والبغوي في "تفسيره" (١/٢٩٦) وفي "شرح السنة" (١٠/٣٨٨) والبيهقي (١٠/١٦) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/٢٧٤)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى