جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ وَلْيَتّقِ اللّهَ رَبّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ فَإِن لّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشّهَدَآءِ أَن تَضِلّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى وَلاَ يَأْبَ الشّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوَاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىَ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشّهَادَةِ وَأَدْنَىَ أَلاّ تَرْتَابُوَاْ إِلاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَيُعَلّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله ﴿إذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ يعني إذا تبايعتم بدين أو اشتريتم به، أو تعاطيتم، أو أخذتم به ﴿إلى أَجَلٍ مُسَمّى﴾ يقول : إلى وقت معلوم وقتموه بينكم. وقد يدخل في ذلك القرض والسلم في كل ما جاز. السلم شرى أجّل بيعه يصير دينا على بائع ما أسلم إليه فيه، ويحتمل بيع الحاضر الجائز بيعه من الأملاك بالأثمان المؤجلة كل ذلك من الديون المؤجلة إلى أجل مسمّى إذا كانت آجالها معلومة بحدّ موقوف عليه. وكان ابن عباس يقول : نزلت هذه الآية في السلم خاصة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يحيى بن عيسى الرملي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، قال : قال ابن عباس في :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلً مُسَمّى﴾ قال : السلم في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم.
حدثني محمد بن عبد الله المخرمي، قال : حدثنا يحيى بن الصامت، قال : حدثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن أبي حيان، عن ابن أبي نجيح، عن ابن عباس :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ قال : نزلت في السلم في كيل معلوم إلى أجل معلوم.
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا يزيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان، عن أبي حيان، عن رجل، عن ابن عباس، قال : نزلت هذه الآية :﴿إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمّى فاكْتُبُوهُ﴾ في السلم في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن محبب، قال : حدثنا سفيان، عن أبي حيان التيمي، عن رجل، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمّى﴾ في السلف في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا معاذ بن هشام، قال : ثني أبي، عن قتادة، عن أبي حيان، عن ابن عباس، قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله عزّ وجلّ قد أحله، وأذن فيه. ويتلو هذه الآية :﴿إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمّى﴾.
فإن قال قائل : وما وجه قوله :﴿بِدَيْنٍ﴾ وقد دلّ بقوله :﴿إذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ عليه ؟ وهل تكون مداينة بغير دين، فاحتيج إلى أن يقال بدين ؟ قيل : إن العرب لما كان مقولاً عندها تداينا بمعنى تجازينا وبمعنى تعاطينا الأخذ والإعطاء بدين، أبان الله بقوله «بدين » المعنى الذي قصد تعريفه من قوله «تداينتم » حكمه، وأعلمهم أنه حكم الدين دون حكم المجازاة.
وقد زعم بعضهم أن ذلك تأكيد كقوله :﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلّهُمْ أجْمَعُونَ﴾. ولا معنى لما قال من ذلك في هذا الموضع.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿فاكتُبُوهُ﴾.


يعني جل ثناؤه بقوله :﴿فاكْتُبُوهُ﴾ فاكتبوا الدّين الذي تداينتموه إلى أجل مسمى من بيع كان ذلك أو قرض.
واختلف أهل العلم في اكتتاب الكتاب بذلك على من هو عليه، هل هو واجب أو هو ندب ؟ فقال بعضهم : هو حقّ واجب، وفرض لازم. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مسَمّى فاكْتُبُوهُ﴾ قال : من باع إلى أجل مسمى أمر أن يكتب صغيرا كان أو كبيرا إلى أجل مسمى.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مَسَمّى فاكْتُبُوهُ﴾ قال : فمن ادّان دينا فليكتب، ومن باع فليشهد.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :﴿إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمّى فاكْتُبُوهُ﴾ فكان هذا واجبا.
وحدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله، وزاد فيه : قال : ثم قامت الرخصة والسعة. قال :﴿فإنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضا فَلْيُؤَدّ الّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ وَلْيَتّقِ اللّهَ رَبّهُ﴾.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلاً صحب كعبا فقال ذات يوم لأصحابه : هل تعلمون مظلوما دعا ربه فلم يستجب له ؟ قالوا : وكيف يكون ذلك ؟ قال : رجل باع شيئا فلم يكتب ولم يُشهد، فلما حلّ ماله جحده صاحبه، فدعا ربه، فلم يستجب له، لأنه قد عصى ربه.
وقال آخرون : كان اكتتاب الكتاب بالدين فرضا، فنسخه قوله :﴿فإنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضا فَلْيُؤدّ الّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن ابن شبرمة، عن الشعبي، قال : لا بأس إذا أمنته أن لا تكتب، ولا تُشهد¹ لقوله :﴿فإنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضا﴾. قال ابن عيينة : قال ابن شبرمة عن الشعبي : إلى هذا انتهى.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمّى فاكْتُبُوهُ﴾ حتى بلغ هذا المكان :﴿فإنْ أمِنْ بَعْضُكُمْ بَعْضا فَلْيُؤَدّ الّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ قال : رخص في ذلك، فمن شاء أن يأتمن صاحبه فليأتمنه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا هارون، عن عمرو، عن عاصم، عن الشعبي، قال : إن ائتمنه فلا يشهد عليه ولا يكتب.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال : فكانوا يرون أن هذه الآية :﴿فإنْ أمِنَ بَعضُكُمْ بَعْضا﴾ نسخت ما قبلها من الكتابة والشهود رخصة ورحمة من الله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال غير عطاء : نسخت الكتاب والشهادة :﴿فإنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضا﴾.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : نسخ ذلك قوله :﴿فإنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضا فَلْيؤدّ الّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ قال : فلولا هذا الحرف لم يبح لأحد أن يدّان بدين إلا بكتاب وشهداء، أو برهن، فلما جاءت هذه نسخت هذا كله، صار إلى الأمانة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حجاج، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، قال : سألت الحسن قلت : كل من باع بيعا ينبغي له أن يُشهد ؟ قال : ألم تر أن الله عزّ وجلّ يقول :﴿فَلْيُؤَدّ الّذِي اؤتُمِنَ أمانَتَهُ﴾.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمّى فَاكْتُبُوهُ﴾ حتى بلغ هذا المكان :﴿فإنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضا فَلْيُؤَدّ الّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ قال : رخص في ذلك، فمن شاء أن يأتمن صاحبه فليأتمنه.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي في قوله :﴿فإنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضا﴾ قال : إن أشهدت فحزم، وإن لم تشهد ففي حلّ وسعة.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال : قلت للشعبي : أرأيت الرجل يستدين من الرجل الشيء، أحتم عليه أن يشهد ؟ قال : فقرأ إلى قوله :﴿فإنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضا﴾ قد نسخ ما كان قبله.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا محمد بن مروان العقيلي، قال : حدثنا عبد الملك بن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، أنه قرأ :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمّى﴾ قال : فقرأ إلى :﴿فإنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضا﴾ قال : هذه نسخت ما قبلها.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بالعَدْلِ وَلا يأْبَ كَاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلّمَهُ اللّهُ﴾.


يعني بذلك جل ثناؤه :﴿ولْيَكْتُبْ﴾ كتاب الدين إلى أجل مسمى بين الدائن والمدين ﴿كاتِبٌ بالعَدْلِ﴾ يعني بالحقّ والإنصاف في الكتاب الذي يكتبه بينهما، بما لا يحيف ذا الحقّ حقه، ولا يبخسه، ولا يوجب له حجة على من عليه دينه فيه بباطل، ولا يلزمه ما ليس عليه. كما :
حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله :﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بالعَدْلِ﴾ قال : اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يدعنّ منه حقا، ولا يزيدنّ فيه باطلاً.
وأما قوله :﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلّمَهُ اللّهُ﴾ فإنه يعني : ولا يأبينّ كاتب استكتب ذلك أن يكتب بينهم كتاب الدين، كما علمه الله كتابته فخصه بعلم ذلك، وحرمه كثيرا من خلقه.
وقد اختلف أهل العلم في وجوب الكتاب على الكاتب إذا استكتب ذلك نظير اختلافهم في وجوب الكتاب على الذي له الحقّ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ :﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ قال : واجب على الكاتب أن يكتب.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قلت لعطاء قوله :﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ﴾ أواجب أن لا يأبى أن يكتب ؟ قال : نعم. قال ابن جريج وقال مجاهد : واجب على الكاتب أن يكتب.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد :﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلّمَهُ اللّهُ﴾ بمثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر وعطاء قوله :{ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كمَا عَلّم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى