تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتابحدثنا يونس، أخبرنا(١) ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، حدثني سعيد بن المسيب : أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدَّيْن.
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت آية الدين قال رسول الله ﷺ :" إن أول من جحد آدم، عليه السلام، أن الله لما خلق آدم، مسح ظهره فأخرِج منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلا يَزْهر، فقال : أي رب، من هذا ؟ قال : هو ابنك داود. قال : أي رب، كم عمره ؟ قال : ستون عامًا، قال : رب زد في عمره. قال : لا إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عامًا، فكتب عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة، فلما احتُضر آدم وأتته الملائكة قال : إنه قد بقي من عمري أربعون عامًا، فقيل له : إنك قد وهبتها لابنك داود. قال : ما فعلت. فأبرز الله عليه الكتاب، وأشهد عليه الملائكة ".
وحدثنا أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، فذكره، وزاد فيه :" فأتمها الله لداود مائة، وأتمها لآدم ألف سنة " (٢).
وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن يوسف بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة [ به ](٣).
هذا حديث غريب جدا، وعلي بن زيد بن جُدعان في أحاديثه نكارة. وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه، من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب(٤) عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. ومن رواية داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة. ومن طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ومن حديث هشام(٥) بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فذكره بنحوه(٦).
فقوله :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها، وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على هذا في آخر الآية حيث قال :﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا﴾
وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال : أنزلت في السَّلَم إلى أجل معلوم.
وقال قتادة، عن أبي حَسَّان(٧) الأعرج، عن ابن عباس، قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله وأذن فيه، ثم قرأ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ رواه البخاري.
وثبت في الصحيحين من رواية سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نَجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المِنْهال، عن ابن عباس، قال : قدم النبي ﷺ المدينة وهم يُسْلفُون في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله ﷺ :" من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم " (٨).
وقوله :﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أمر منه تعالى بالكتابة [ والحالة هذه ](٩) للتوثقة والحفظ، فإن قيل : فقد ثبت في الصحيحين، عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله ﷺ :" إنا أمَّة أمية لا نكتب ولا نحسب " (١٠) فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة ؟ فالجواب : أن الدّين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلا ؛ لأن كتاب الله قد سَهل الله ويسر حفظه على الناس، والسنن أيضًا محفوظة عن رسول الله ﷺ، والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمْر إرشاد لا أمر إيجاب، كما ذهب إليه بعضهم.
قال ابن جريج : من ادّان فليكتب، ومن ابتاع فليُشْهد.
وقال قتادة : ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشيّ، كان رجلا صحب كعبا، فقال ذات يوم لأصحابه : هل تعلمون مظلوما دعا ربه فلم يستجب له ؟ فقالوا : وكيف [ يكون ](١١) ذلك ؟ قال : رجل باع بيعًا إلى أجل فلم يشهد ولم يكتب، فلما حل ماله جحده صاحبه، فدعا ربه فلم يستجب له ؛ لأنه قد عصى ربه.
وقال أبو سعيد، والشعبي، والربيع بن أنس، والحسن، وابن جريج، وابن زيد، وغيرهم : كان ذلك واجبًا ثم نسخ بقوله :﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾
قال الإمام أحمد : حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هُرْمُز، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه ذكر " أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يُسْلفه ألف دينار، فقال : ائتني بشهداء أشهدهم. قال : كفى بالله شهيدًا. قال : ائتني بكفيل. قال : كفى بالله كفيلا. قال : صدقت. فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها، ثم زَجج موضعها، ثم أتى بها البحر، ثم قال : اللهم إنك قد علمت أني استسلفت فلانًا ألف دينار، فسألني كفيلا فقلت : كفى بالله كفيلا. فرضي بذلك، وسألني شهيدًا، فقلت : كفى بالله شهيدًا. فرضي بذلك، وإني قد جَهِدْتُ أن أجد مركبًا أبعث بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركبًا، وإني اسْتَوْدعْتُكَها. فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يطلب مركبًا إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبًا تجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تَسَلف منه، فأتاه بألف دينار وقال : والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه. قال : هل كنت بعثت إلي بشيء ؟ قال : ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل هذا الذي جئت فيه ؟ قال : فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بألفك راشدًا ".
وهذا إسناد صحيح(١٢) وقد رواه البخاري في سبعة مواضع من طرق صحيحة(١٣) معلقًا بصيغة الجزم، فقال : وقال الليث بن سعد، فذكره(١٤). ويقال : إنه رواه في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عنه.
وقوله :﴿لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ أي : بالقسط والحق، ولا يَجُرْ في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان.
وقوله :﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ أي : ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سُئِل أن يكتبَ للناس، ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم، فَلْيتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة وليكتب، كما جاء في الحديث :" إن من الصدقة أن تعين صانعًا أو تصنع لأخْرَق " (١٥). وفي الحديث الآخر :" من كتم علمًا يَعْلَمه ألْجِمَ يوم القيامة بلجام من نار " (١٦).
وقال مجاهد وعطاء : واجب على الكاتب أن يكتب.
وقوله :﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ أي : وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين، وليتق الله في ذلك، ﴿وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي : لا يكتم منه شيئًا، ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ محجورًا عليه بتبذير ونحوه، ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ أي : صغيرًا أو مجنونًا ﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ إما لعي أو جهل بموضع صواب ذلك من خطئه. ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾
وقوله ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم﴾ أمْرٌ بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة، ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وهذا إنما يكون في الأموال وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة، كما قال مسلم في صحيحه : حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عَمْرو، عن المَقْبُري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال :" يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكُن أكثر أهل النار "، فقالت امرأة منهن جَزْلة : وما لنا - يا رسول الله - أكثر أهل النار(١٧) ؟ قال :" تُكْثرْنَ اللعن، وتكفُرْنَ العشير، ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لُب منكن ". قالت : يا رسول الله، ما نقصان العقل والدين ؟ قال :" أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تَعْدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين " (١٨).
وقوله :﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيَّد، حَكَم به الشافعي على كل مطلق في القرآن، من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط. وقد استدل من رد المستور بهذه الآية الدالة على أن يكون الشاهد عدلا مرضيًا.
وقوله :﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ يعني : المرأتين إذا نسيت الشهادة ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى﴾ أي : يحصل لها ذكرى بما وقع به الإشهاد، ولهذا قرأ آخرون :" فَتُذكر " بالتشديد من التذكار. ومن قال : إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذكر(١٩) فقد أبعد، والصحيح الأول. والله أعلم.
وقوله :﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ قيل : معناه : إذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة، وهو قول قتادة والربيع بن أنس. وهذا كقوله :﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ ومن هاهنا استفيد أن تَحَمّل الشهادة فرض كفاية.
وقيل - وهو مذهب الجمهور - : المراد بقوله :﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ للأداء، لحقيقة قوله :﴿الشُّهَدَاء﴾ والشاهد حقيقة فيمن (٢٠) تحمَّل، فإذا دعي لأدائها(٢١) فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية، والله أعلم.
وقال مجاهد وأبو مِجْلَز، وغير واحد : إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت(٢٢) فأجب.
وقد ثبت في صحيح مسلم والسنن، من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عَمْرَة، عن زيد بن خالد : أن رسول الله ﷺ قال :" ألا أخبركم بخير الشهداء ؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها " (٢٣).
فأما الحديث الآخر في الصحيحين :" ألا أخبركم بشر الشهداء ؟ الذين يشهدون قبل أن يُستْشْهَدوا "، وكذا قوله :" ثم يأتي قوم تسبق أيمانُهم شهادتهم وتسبق شهادَتُهم أيمانهم ". وفي رواية :" ثم يأتي قوم يَشْهَدُون ولا يُسْتَشْهَدون " (٢٤). فهؤلاء شهود الزور. وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري : أنها تعم الحالين : التحَمّل والأداء.
وقوله :﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِه﴾ هذا من تمام الإرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيرًا كان أو كبيرًا،
٢ المسند (١/٢٥١، ٢٥٢)..
٣ زيادة من أ، و..
٤ في أ: "بن أبي ذئاب"..
٥ في جـ، أ: "تمام"..
٦ المستدرك (١/٦٤، ٢/٥٨٦)..
٧ في جـ، أ: "أبي حيان"..
٨ صحيح البخاري برقم (٢٢٤٠) وصحيح مسلم برقم (١٦٠٤)..
٩ زيادة من جـ، أ، و..
١٠ صحيح البخاري برقم (١٩١٣) وصحيح مسلم برقم (١٠٨٠)..
١١ زيادة من أ، و..
١٢ المسند (٢/٣٤٨)..
١٣ في جـ، أ، و: "في صحيحه"..
١٤ صحيح البخاري برقم (١٤٩٨، ٢٢٩١، ٢٤٠٤، ٢٤٣٠، ٢٧٤٤، ٦٢٦١، ٢٠٦٣)..
١٥ رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٥١٨) من حديث أبي ذر رضي الله عنه..
١٦ رواه أحمد في المسند (٢/٣٠٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
١٧ في جـ: "يا رسول الله وما لنا أكثر أهل النار"..
١٨ صحيح مسلم برقم (٨٠)..
١٩ في و: "كشهادة رجل"..
٢٠ في جـ: "فقد"..
٢١ في جـ: "فإن دعى إلى الإدلاء بها"..
٢٢ في جـ: "وإذا دعيت"..
٢٣ صحيح مسلم برقم (١٧١٩) وسنن أبي داود برقم (٣٥٩٦) وسنن الترمذي برقم (٢٢٩٥، ٢٢٩٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٠٢٩) وسنن ابن ماجة برقم (٢٣٦٤)..
٢٤ صحيح البخاري برقم (٦٤٢٨) وصحيح مسلم برقم (٢٥٣٥)..