جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه :﴿لا يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إلاّ وُسْعَها﴾ فيتعبدها إلا بما يسعها، فلا يضيق عليها، ولا يجهدها. وقد بينا فيما مضى قبل أن الوسع اسم من قول القائل : وسعني هذا الأمر مثل الجُهْد والوُجْد من جهدني هذا الأمر ووجدت منه. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله :﴿لا يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إلاّ وُسْعَها﴾ قال : هم المؤمنون، وسع الله عليهم أمر دينهم، فقال الله جل ثناؤه :﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقال :﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ وَقالَ :﴿اتّقُوا اللّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عبد الله بن عباس، قال : لما نزلت ضجّ المؤمنون منها ضجة وقالوا : يا رسول الله هذا، نتوب من عمل اليد والرجل واللسان، كيف نتوب من الوسوسة، كيف نمتنع منها ؟ فجاء جبريل ﷺ بهذه الآية :﴿لا يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إلاّ وُسْعَها﴾ إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿لا يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إلاّ وُسْعَها﴾ وسعها : طاقتها، وكان حديث النفس مما لا يطيقون.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿لَهَا ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
يعني بقوله جل ثناؤه لها : للنفس التي أخبر أنه لا يكلفها إلا وسعها، يقول : لكل نفس ما اجترحت وعملت من خير¹ وعليها : يعني وعلى كل نفس ما اكتسبت : ما عملت من شرّ. كما :
حدثنا بشر بن يزيد، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿لا يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إلاّ وُسْعَها لَهَا ما كَسَبَتْ﴾ أي من خير ﴿وَعَلَيْها ما اكْتَسْبَتْ﴾ أي من شرّ، أو قال : من سوء.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يقول : ما عملت من خير، ﴿وَعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ يقول : وعليها ما عملت من شرّ.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عبد الله بن عباس :﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ عمل اليد والرجل واللسان.
فتأويل الآية إذا : لا يكلف الله نفسا إلا ما يسعها، فلا يجهدها، ولا يضيق عليها في أمر دينها، فيؤاخذها بهمة إن همت، ولا بوسوسة إن عرضت لها، ولا بخطرة إن خطرت بقلبها.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطأْنا﴾.
( وهذا تعليم من الله عزّ وجلّ عباده المؤمنين دعاءه كيف يدعونه، وما يقولون في دعائهم إياه. ومعناه : قولوا : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا شيئا فرضت علينا عمله فلم نعمله، أو أخطأنا في فعل شيء نهيتنا عن فعله ففعلناه، على غير قصد منا إلى معصيتك، ولكن على جهالة منا به وخطأ. ) كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ إن نسينا شيئا مما افترضته علينا، أو أخطأنا شيئا مما حرّمته علينا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله :﴿رَبّنا لا تُؤَاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ قال : بلغني أن النبيّ ﷺ قال :«إنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ تَجَاوَزَ لِهَذِهِ الأُمّةِ عَنْ نِسْيانِها وَما حَدّثَتْ بِهِ أنْفُسَهَا ».
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، قال : زعم السدي أن هذه الآية حين نزلت :﴿رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ قال له جبريل ﷺ فقل ذلك يا محمد.
إن قال لنا قائل : وهل يجوز أن يؤاخذ الله عزّ وجلّ عباده بما نسوا أو أخطئوا فيسألوه أن لا يؤاخذهم بذلك ؟ قيل : إن النسيان على وجهين : أحدهما : على وجه التضييع من العبد والتفريط¹ والآخر : على وجه عجز الناسي عن حفظ ما استحفظ، ووكل به وضعف عقله عن احتماله، فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط، فهو ترك منا لما أمر بفعله، فذلك الذي يرغب العبد إلى الله عزّ وجلّ في تركه مؤاخذته به، وهو النسيان الذي عاقب الله عزّ وجل به آدم صلوات الله عليه، فأخرجه من الجنة، فقال في ذلك :﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْما﴾ وهو النسيان الذي قال جلّ ثناؤه :﴿فالْيَوْمُ نَنْسَاهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ فرغبة العبد إلى الله عزّ وجلّ بقوله :﴿رَبّنا لا تُؤَاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ فيما كان من نسيان منه لما أمر بفعله على هذا الوجه الذي وصفنا ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطا منه فيه وتضييعا، كفرا بالله عزّ وجلّ، فإن ذلك إذا كان كفرا بالله فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة به غير جائزة، لأن الله عزّ وجلّ قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به، فمسألته فعل ما قد أعلمهم أنه لا يفعله خطأ، وإنما يكون مسألته المغفرة فيما كان من مثل نسيانه القرآن بعد حفظه بتشاغله عنه، وعن قراءته، ومثل نسيانه صلاة أو صياما، باشتغاله عنهما بغيرهما حتى ضيعهما. وأما الذي العبد به غير مؤاخذ لعجز بنيته عن حفظه، وقلة احتمال عقله ما وكل بمراعاته، فإن ذلك من العبد غير معصية، وهو به غير آثم، فذلك الذي لا وجه لمسألة العبد ربه أن يغفره له، لأنه مسألة منه له أن يغفر له ما ليس له بذنب، وذلك مثل الأمر يغلب عليه، وهو حريص على تذكره وحفظه، كالرجل يحرص على حفظ القرآن بجدّ منه، فيقرأه، ثم ينساه بغير تشاغل منه بغيره عنه، ولكن بعجز بنيته عن حفظه وقلة احتمال عقله، ذكر ما أودع قلبه منه، وما أشبه ذلك من النسيان، فإن ذلك مما لا يجوز مسألة الربّ مغفرته، لأنه لا ذنب للعبد فيه، فيغفر له باكتسابه. وكذلك للخطأ وجهان : أحدهما : من وجه ما نهي عنه العبد فيأتيه بقصد منه وإرادة، فذلك خطأ منه، وهو به مأخوذ، يقال منه : خَطىء فلان وأخطأ فيما أتى من الفعل، وأثم إذا أتى ما يتأثم فيه وركبه، ومنه قول الشاعر :
| النّاس يَلْحَوْنَ الأميرَ إذَا هُمُ | خَطِئُوا الصّوَابَ وَلا يُلامُ المُرْشَدُ |
القول في تأويل قوله تعالى :﴿رَبّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه : قولوا : ربنا لا تحمل علينا إصرا : يعني بالإصر : العهد، كما قال جل ثناؤه :﴿قال أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكُمْ إصْرِي﴾. وإنما عنى بقوله :﴿وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرا﴾ : ولا تحمل علينا عهدا، فنعجز عن القيام به ولا نستطيعه، ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ يعني على اليهود والنصارى الذين كلفوا أعمالاً وأخذت عهودهم ومواثيقهم على القيام بها، فلم يقوموا بها، فعوجلوا بالعقوبة. فعلم الله عزّ وجلّ أمة محمد ﷺ الرغبة إليه بمسألته أن لا يحملهم من عهوده ومواثيقه على أعمال إن ضيعوها أو أخطأوا فيها أو نسوها مثل الذي حمل من قبلهم، فيحلّ بهم بخطئهم فيه وتضييعهم إياه مثل الذي أحلّ بمن قبلهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿لاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرا﴾ قال : لا تحمل عليها عهدا وميثاقا، ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ على الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ يقول : كما غلظ على من قبلنا.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن موسى بن قيس الحضرمي، عن مجاهد في قوله :﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرا﴾ قال : عهدا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿إصْرا﴾ قال : عهدا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : حدثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله :﴿إصْرا﴾ يقول : عهدا.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ والإصر : العهد الذي كان على من قبلنا من اليهود.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج قوله :﴿وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرا﴾ قال : عهدا لا نطيقه، ولا نستطيع القيام به، ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ اليهود والنصارى، فلم يقوموا به فأهلكتهم.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك :﴿إصْرا﴾ قال : المواثيق.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : الإصر : العهد¹ ﴿وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكُمْ إصْرِي﴾ قال : عهدي.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿وَأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكُمْ إصْرِي﴾ قال : عهدي.
وقال آخرون : معنى ذلك : ولا تحمل علينا ذنوبا وإثما كما حملت ذلك على من قبلنا من الأمم، فتمسخنا قردة وخنازير كما مسختهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال : حدثنا بقية بن الوليد، عن عليّ بن هارون، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح في قوله :{ وَلا تَحْمِلْ عَلَيْ