جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَآءَ كُلّهَا ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هََؤُلآءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
قال أبو جعفر :
حدثنا محمد بن حميد، قال : حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : بعث ربّ العزّة ملك الموت، فأخذ من أديم الأرض من عذبها ومالحها، فخلق منه آدم. ومن ثم سُمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض.
وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن عليّ، قال : إن آدم خلق من أديم الأرض فيه الطيب والصالح والرديء، فكل ذلك أنت راء في ولده الصالح والرديء.
وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا مسعر، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال : خلق آدم من أديم الأرض فسمي آدم.
وحدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو داود، قال : حدثنا شعبة، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير قال : إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض.
وحدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : إن ملك الموت لما بعث ليأخذ من الأرض تربة آدم، أخذ من وجه الأرض وخلط فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، ولذلك سمي آدم، لأنه أخذ من أديم الأرض.
وقد رُوي عن رسول الله ﷺ خبر يحقق ما قال من حكينا قوله في معنى آدم، وذلك ما :
حدثني به يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن عوف، وحدثنا محمد بن بشار وعمر بن شبة، قالا : حدثنا يحيى بن سعيد، قال : حدثنا عوف، وحدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ ومحمد بن جعفر وعبد الوهاب الثقفي قالوا : حدثنا عوف، وحدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال : حدثنا إسماعيل بن أبان، قال : حدثنا عنبسة، عن عوف الأعرابي، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى الأشعري، قال : قال رسول الله ﷺ «إنّ اللّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ على قَدْرِ الأرْضِ جاءَ مِنْهُمْ الأحمر وَالأسْوَدُ وَالأبْيَضُ وَبَيْنَ ذلكَ وَالسّهْلُ وَالحَزْنُ وَالخَبِيثُ وَالطّيّبُ ».
فعلى التأويل الذي تأول آدم من تأوله بمعنى أنه خلق من أديم الأرض، يجب أن يكون أصل آدم فعلاً سمي به أبو البشر، كما سمي أحمد بالفعل من الإحماد، وأسعد من الإسعاد، فلذلك لم يجرّ، ويكون تأويله حينئذٍ : آدم الملك الأرضَ، يعني به أبلغ أَدَمتها، وأدمتها وجهها الظاهر لرأي العين، كما أن جلدة كل ذي جلدة له أدمة، ومن ذلك سمي الإدام إداما، لأنه صار كالجلدة العليا مما هي منه، ثم نقل من الفعل فجعل اسما للشخص بعينه.
القول في تأويل قوله تعالى : الأسْمَاءَ كُلّها.
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في الأسماء التي علمها آدم ثم عرضها على الملائكة. فقال ابن عباس ما :
حدثنا به أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال : علم الله آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.
وحدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثني عيسى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : وَعَلّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلّها قال : علمه اسم كل شيء.
وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد : وَعَلّمَ آدمَ الأسْماءَ كُلّها قال : علمه اسم كل شيء.
وحدثنا علي بن الحسن، قال : حدثنا مسلم الحرمي، عن محمد بن مصعب، عن قيس بن الربيع، عن خصيف، عن مجاهد، قال : علمه اسم الغراب والحمامة، واسم كل شيء.
وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال : علمه اسم كل شيء، حتى البعير والبقرة والشاة.
وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن سعيد بن معبد، عن ابن عباس، قال : علمه اسم القصعة والفسوة والفسية.
وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن الحسن بن سعد، عن ابن عباس : وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلّها قال : حتى الفسوة والفسية.
حدثنا عليّ بن الحسن، قال : حدثنا مسلم، قال : حدثنا محمد بن مصعب، عن قيس، عن عاصم بن كليب، عن سعيد بن معبد، عن ابن عباس في قول الله : وَعَلّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلّها قال : علمه اسم كل شيء حتى الهنة والهنية والفسوة والضرطة.
وحدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عليّ بن مسهر، عن عاصم بن كليب، قال : قال ابن عباس : علمه القصعة من القصيعة، والفسوة من الفسية.
وحدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله : وَعَلّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلّها حتى بلغ : إنّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم فأنبأ كل صنف من الخلق باسمه وألجأه إلى جنسه.
وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : حدثنا معمر، عن قتادة في قوله : وَعَلّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلّها قال : علمه اسم كل شيء : هذا جبل، وهذا بحر، وهذا كذا وهذا كذا، لكل شيء، ثم عرض تلك الأشياء على الملائكة فقال : أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هؤلاء إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
وحدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن جرير بن حازم ومبارك، عن الحسن، وأبي بكر عن الحسن وقتادة قالا : علمه اسم كل شيء : هذه الخيل، وهذه البغال، والإبل، والجنّ، والوحش وجعل يسمي كل شيء باسمه.
وحدثت عن عمار، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع، قال : اسم كل شيء.
وقال آخرون : علم آدم الأسماء كلها، أسماء الملائكة. ذكر من قال ذلك :
حدثت عن عمار، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله : وَعَلمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلها قال : أسماء الملائكة.
وقال آخرون : إنما علمه أسماء ذريته كلها. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : وَعَلمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلّها قال : أسماء ذرّيته أجمعين.
وأولى هذه الأقوال بالصواب وأشبهها بما دلّ على صحته ظاهر التلاوة قول من قال في قوله : وَعَلّمَ آدمَ الأسْماءَ كُلّها إنها أسماء ذرّيته وأسماء الملائكة، دون أسماء سائر أجناس الخلق. وذلك أن الله جل ثناؤه قال : ثُمّ عَرَضَهُمْ على المَلائِكَةِ يعني بذلك أعيان المسمين بالأسماء التي علمها آدم، ولا تكاد العرب تكني بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم والملائكة وأما إذا كانت عن أسماء البهائم وسائر الخلق، سوى من وصفنا، فإنها تكني عنها بالهاء والألف، أو بالهاء والنون، فقالت : عرضهن، أو عرضها. وكذلك تفعل إذا كنت عن أصناف من الخلق، كالبهائم والطير وسائر أصناف الأمم، وفيها أسماء بني آدم والملائكة، فإنها تكني عنها بما وصفنا من الهاء والنون، أو الهاء والألف. وربما كنت عنها إذ كان كذلك بالهاء والميم، كما قال جل ثناؤه : وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دَابّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي على أرْبَعٍ فكني عنها بالهاء والميم، وهي أصناف مختلفة فيها الآدمي وغيره. وذلك وإن كان جائزا فإن الغالب المستفيض في كلام العرب ما وصفنا من إخراجهم كناية أسماء أجناس الأمم إذا اختلطت بالهاء والألف، أو الهاء والنون. فلذلك قلت : أولى بتأويل الآية أن تكون الأسماء التي علمها آدم أسماء أعيان بني آدم وأسماء الملائكة. وإن كان ما قال ابن عباس جائزا على مثال ما جاء في كتاب الله من قوله : وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دَابّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي على بَطْنِهِ الآية. وقد ذكر أنها في حرف ابن مسعود :«ثم عرضهن »، وأنها في حرف أبيّ :«ثم عرضها ».
ولعلّ ابن عباس تأوّل ما تأوّل من قوله : علمه اسم كل شيء حتى الفسوة والفسية على قراءة أبيّ، فإنه فيما بلغنا كان يقرأ قراءة أبيّ. وتأويل ابن عباس على ما حكي عن أبيّ من قراءته غير مستنكر، بل هو صحيح مستفيض في كلام العرب على نحو ما تقدم وصفي ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى : ثُمّ عَرَضَهُمْ على المَلائِكَةِ.
قال أبو جعفر : قد تقدم ذكرنا التأويل الذي هو أوْلى بالآية على قراءتنا ورسم مصحفنا، وأن قوله : ثُمّ عَرَضَهُمْ بالدلالة على بني آدم والملائكة أولى منه بالدلالة على أجناس الخلق كلها، وإن كان غير فاسد أن يكون دالاّ على جميع أصناف الأمم للعلل التي وصفنا.
ويعني جل ثناؤه بقوله : ثُمّ عَرَضَهُمْ ثم عرض أهل الأسماء على الملائكة.
وقد اختلف المفسرون في تأويل قوله : ثُمّ عَرَضَهُمْ على المَلاَئِكَةِ نحو اختلافهم في قوله : وَعَلّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلّها وسأذكر قول من انتهى إلينا عنه فيه قول.
حدثنا محمد بن العلاء، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس : ثُمّ عَرَضَهُمْ على المَلائِكَةِ ثم عرض هذه الأسماء يعني أسماء جميع الأشياء التي علمها آدم من أصناف جميع الخلق.
وحدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : ثُمّ عَرَضَهُمْ ثم عرض الخلق على الملائكة.
وحدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : أسماء ذريته كلها أخذهم من ظهره. قال : ثم عرضهم على الملائكة.
وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر عن قتادة : ثُمّ عَرَضَهُمْ قال : علمه اسم كل شيء ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة.
وحدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : ثُمّ عَرَضَهُمْ عرض أصحاب الأسماء على الملائكة.
وحدثنا عليّ بن الحسن، قال : حدثنا مسلم، قال : حدثنا محمد بن مصعب، عن قيس، عن خصيف عن مجاهد ثُمّ عَرَضَهُمْ على المَلائِكَةِ يعني عرض الأسماء الحمامة والغراب.
وحدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك عن الحسن، وأبي بكر عن الحسن، وقتادة قالا : علمه اسم كل شيء هذه الخيل وهذه البغال وما أشبه ذلك، وجعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضت عليه أمة أمة.