جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدم فَسَجَدُواْ إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَىَ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾
قال أبو جعفر : أما قوله : وإذْ قُلْنَا فمعطوف على قوله : وَإذْ قَالَ رَبّكَ للْمَلاَئِكَةِ كأنه قال جل ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ من بني إسرائيل معدّدا عليهم نعمه، ومذكرهم آلاءه على نحو الذي وصفنا فيما مضى قبل : اذكروا فعلي بكم إذ أنعمت عليكم، فخلقت لكم ما في الأرض جميعا، وإذ قلت للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، فكرّمت أباكم آدم بما آتيته من علمي وفضلي وكرامتي، وإذ أسجدت له ملائكتي فسجدوا له. ثم استثنى من جميعهم إبليس، فدل باستثنائه إياه منهم على أنه منهم، وأنه ممن قد أُمِرَ بالسجود معهم، كما قال جل ثناؤه : إلاّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ قالَ مَا مَنَعَكَ أنْ لاَ تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُكَ فأخبر جل ثناؤه أنه قد أمر إبليس فيمن أمره من الملائكة بالسجود لاَدم. ثم استثناه جل ثناؤه مما أخبر عنهم أنهم فعلوه من السجود لاَدم، فأخرجه من الصفة التي وصفهم بها من الطاعة لأمره ونَفَى عنه ما أثبته لملائكته من السجود لعبده آدم.
ثم اختلف أهل التأويل فيه هل هو من الملائكة أم هو من غيرهم ؟ فقال بعضهم بما :
حدثنا به أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس، قال : كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة، يقال لهم «الجنّ »، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة. قال : فكان اسمه الحارث. قال : وكان خازنا من خزان الجنة. قال : وخلقت الملائكة من نور غير هذا الحيّ. قال : وخلقت الجنّ الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس، قال : كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض وكان من أشدّ الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حيّ يسمون جنّا.
وحدثنا به ابن حميد مرة أخرى، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس، أو مجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس وغيره بنحوه، إلا أنه قال : كان ملكا من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض وعمّارها، وكان سكان الأرض فيهم يسمون الجنّ من بين الملائكة.
وحدثني موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : جعل إبليس على ملك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجنّ، وإنما سموا الجن لأنهم خزّان الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازنا.
وحدثنا القاسم بن الحسن، قال : حدثنا حسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض. قال : قال ابن عباس : وقوله : كانَ منَ الجنّ، إنما يسمى بالجنان أنه كان خازنا عليها، كما يقال للرجل : مكي، ومدني، وكوفي، وبصري. قال ابن جريج : وقال آخرون : هم سبط من الملائكة قبيلة، فكان اسم قبيلته الجن.
وحدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن صالح مولى التوأمة وشريك بن أبي نمر أحدهما أو كلاهما، عن ابن عباس، قال : إن من الملائكة قبيلة من الجن، وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض.
وحدثت عن الحسن بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول في قوله : فَسَجَدُوا إلاّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ قال : كان ابن عباس يقول : إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، ثم ذكر مثل حديث ابن جريج الأول سواء.
وحدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثني شيبان، قال : حدثنا سلام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال : كان إبْلِيس رئيس ملائكة سماء الدنيا.
وحدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : وَإذْ قُلْنا للْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لاَِدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنّ كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن. وكان ابن عباس يقول : لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود، وكان على خزانة سماء الدنيا. قال : وكان قتادة يقول : جنّ عن طاعة ربه.
وحدثنا الحسين بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : إلاّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ قال : كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجنّ.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، قال : أما العرب فيقولون : ما الجنّ إلا كلّ من اجتنّ فلم ير. وأما قوله : إلاّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ أي كان من الملائكة، وذلك أن الملائكة اجتنّوا فلم يروا، وقد قال الله جل ثناؤه : وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنةِ نَسَبا وَلَقدْ علمتِ الجنّةُ أنهم لَمُحْضَرُونَ وذلك لقول قريش : إن الملائكة بنات الله. فيقول الله : إن تكن الملائكة بناتي فإبليس منها، وقد جعلوا بيني وبين إبليس وذرّيته نسبا. قال : وقد قال الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري، وهو يذكر سليمان بن داود وما أعطاه الله :
وَلَوْ كانَ شَيْء خالِدا أوْ مُعَمّرا لَكانَ سُلَيْمَانُ البَرِيّ مِنَ الدّهْرِ
بَرَاهُ إلهي واصْطَفَاهُ عبادَهُ وَمَلّكَهُ مَا بَيْنَ ثُرْيَا إلى مِصْرِ
| وَسَخّرَ مِنْ جِنّ المَلائِكِ تِسْعَةً | قِياما لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أجْرِ |
حدثنا به محمد بن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن الحسن، قال : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس.
وحدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كان الحسن يقول في قوله : إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ إلجاءٌ إلى نسبه، فقال الله : أفَتَتّخِذُونَهُ وَذُرّيّتَهُ أوْلِياءَ مِنْ دُونِي الآية. . . وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا أبو سعيد اليحمدي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال : حدثنا سوار بن الجعد اليحمدي، عن شهر بن حوشب قوله : مِنَ الجِنّ قال : كان إبليس من الجنّ الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء.
وحدثني عليّ بن الحسين، قال : حدثني أبو نصر أحمد بن محمد الخلال، قال : حدثني سنيد بن داود، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نمير، وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود، قال : كانت الملائكة تقاتل الجنّ، فسُبي إبليس وكان صغيرا، فكان مع الملائكة فتعبّد معها. فلما أمروا بالسجود لاَدم سجدوا، فأبى إبليس فلذلك قال الله : إلاّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، قال : حدثنا المبارك بن مجاهد أبو الأزهر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال : إن من الملائكة قبيلاً يقال لهم الجنّ، فكان إبليس منهم، وكان إبليس يسوس ما بين السماء والأرض فعصى، فمسخه الله شيطانا رجيما.
قال : وحدثنا يونس، عن ابن وهب، قال : قال ابن زيد : إبليس أبو الجنّ، كما آدم أبو الإنس.
وعلة من قال هذه المقالة، أن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أنه خلق إبليس من نار السموم ومن مارج من نار، ولم يخبر عن الملائكة أنه خلقها من شيء من ذلك. وأن الله جل ثناؤه أخبر أنه من الجن. فقالوا : فغير جائز أن ينسب إلى غير ما نسبه الله إليه. قالوا : ولإبليس نسل وذرّية، والملائكة لا تتناسل ولا تتوالد.
حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال : حدثنا أبو عاصم، عن شريك، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : إن الله خلق خلقا، فقال : اسجدوا لاَدم فقالوا : لا نفعل. فبعث الله عليهم نارا تحرقهم. ثم خلق خلقا آخر، فقال : إني خالق بشرا من طين، اسجدوا لاَدم فأبوا، فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم. قال : ثم خلق هؤلاء، فقال : اسجدوا لاَدم فقالوا : نعم. وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لاَدم.
قال أبو جعفر : وهذه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها. وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خلق أصناف ملائكته من أصناف من خلقه شتى، فخلق بعضا من نور، وبعضا من نار، وبعضا مما شاء من غير ذلك. وليس في ترك الله جل ثناؤه الخبر عما خلق منه ملائكته وإخباره عما خلق منه إبليس ما يوجب أن يكون إبليس خارجا عن معناهم، إذ كان جائزا أن يكون خلق صنفا من ملائكته من نار كان منهم إبليس، وأن يكون أفرد إبليس بأن خلقه من نار السموم دون سائر ملائكته. وكذلك غير مخرجه أن يكون كان من الملائكة بأن كان له نسل وذرية لما ركب فيه من الشهوة واللذّة التي نزعت من سائر الملائكة لما أراد الله به من المعصية.
وأما خبر الله عن أنه من الجن، فغير مدفوع أن يسمى ما اجتنّ من الأشياء عن الأبصار كلها جِنّا، كما قد ذكرنا قبلُ في شعر الأعشى، فيكون إبليس والملائكة منهم لاجتنانهم عن أبصار بني آدم.
القول في معنى إبليس.
قال أبو جعفر : وإبليس «إفعيل » من الإبلاس : وهو الإياس من الخير والندم والحزن. كما :
حدثنا به أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال : إبليس أبلسه الله من الخير كله وجعله شيطانا رجيما عقوبة لمعصيته.
وحدثنا موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي، قال : كان اسم إبليس الحارث، وإنما سمي إبليس حين أبلس متحيرا.
قال أبو جعفر : وكما قال الله جل ثناؤه : فإذَا هُمْ مُبْلِسُونَ يعني به أنهم آيسون من الخير، نادمون حزنا، كما قال العجاج :
يا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْما مُكْرَسَا قالَ نَعَمْ أعْرِفُهُ وأبْلَسا
وقال رؤبة :
وَحَضَرَتْ يَوْمَ الخَمِيسِ الأخْماس وَفِي الوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإبْلاسْ
يعني به اكتئابا وكسوفا.
فإن قال لنا قائل : فإن كان إبليس كما قلت «إفعيل » من الإبلاس، فهلاّ صرف وأُجري ؟ قيل : ترك إجراؤه استثقالاً إذ كان اسما لا نظير له من أسماء العرب، فشبهته العرب إذ كان كذلك بأسماء العجم التي لا تجري، وقد قالوا : مررت بإسحاق، فلم يجروه، وهو