جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدم فَسَجَدُواْ إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَىَ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾
قال أبو جعفر : أما قوله : وإذْ قُلْنَا فمعطوف على قوله : وَإذْ قَالَ رَبّكَ للْمَلاَئِكَةِ كأنه قال جل ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ من بني إسرائيل معدّدا عليهم نعمه، ومذكرهم آلاءه على نحو الذي وصفنا فيما مضى قبل : اذكروا فعلي بكم إذ أنعمت عليكم، فخلقت لكم ما في الأرض جميعا، وإذ قلت للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، فكرّمت أباكم آدم بما آتيته من علمي وفضلي وكرامتي، وإذ أسجدت له ملائكتي فسجدوا له. ثم استثنى من جميعهم إبليس، فدل باستثنائه إياه منهم على أنه منهم، وأنه ممن قد أُمِرَ بالسجود معهم، كما قال جل ثناؤه : إلاّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ قالَ مَا مَنَعَكَ أنْ لاَ تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُكَ فأخبر جل ثناؤه أنه قد أمر إبليس فيمن أمره من الملائكة بالسجود لاَدم. ثم استثناه جل ثناؤه مما أخبر عنهم أنهم فعلوه من السجود لاَدم، فأخرجه من الصفة التي وصفهم بها من الطاعة لأمره ونَفَى عنه ما أثبته لملائكته من السجود لعبده آدم.
ثم اختلف أهل التأويل فيه هل هو من الملائكة أم هو من غيرهم ؟ فقال بعضهم بما :
حدثنا به أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس، قال : كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة، يقال لهم «الجنّ »، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة. قال : فكان اسمه الحارث. قال : وكان خازنا من خزان الجنة. قال : وخلقت الملائكة من نور غير هذا الحيّ. قال : وخلقت الجنّ الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس، قال : كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض وكان من أشدّ الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حيّ يسمون جنّا.
وحدثنا به ابن حميد مرة أخرى، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس، أو مجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس وغيره بنحوه، إلا أنه قال : كان ملكا من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض وعمّارها، وكان سكان الأرض فيهم يسمون الجنّ من بين الملائكة.
وحدثني موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : جعل إبليس على ملك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجنّ، وإنما سموا الجن لأنهم خزّان الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازنا.
وحدثنا القاسم بن الحسن، قال : حدثنا حسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض. قال : قال ابن عباس : وقوله : كانَ منَ الجنّ، إنما يسمى بالجنان أنه كان خازنا عليها، كما يقال للرجل : مكي، ومدني، وكوفي، وبصري. قال ابن جريج : وقال آخرون : هم سبط من الملائكة قبيلة، فكان اسم قبيلته الجن.
وحدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن صالح مولى التوأمة وشريك بن أبي نمر أحدهما أو كلاهما، عن ابن عباس، قال : إن من الملائكة قبيلة من الجن، وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض.
وحدثت عن الحسن بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول في قوله : فَسَجَدُوا إلاّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ قال : كان ابن عباس يقول : إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، ثم ذكر مثل حديث ابن جريج الأول سواء.
وحدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثني شيبان، قال : حدثنا سلام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال : كان إبْلِيس رئيس ملائكة سماء الدنيا.
وحدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : وَإذْ قُلْنا للْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لاَِدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنّ كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن. وكان ابن عباس يقول : لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود، وكان على خزانة سماء الدنيا. قال : وكان قتادة يقول : جنّ عن طاعة ربه.
وحدثنا الحسين بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : إلاّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ قال : كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجنّ.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، قال : أما العرب فيقولون : ما الجنّ إلا كلّ من اجتنّ فلم ير. وأما قوله : إلاّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ أي كان من الملائكة، وذلك أن الملائكة اجتنّوا فلم يروا، وقد قال الله جل ثناؤه : وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنةِ نَسَبا وَلَقدْ علمتِ الجنّةُ أنهم لَمُحْضَرُونَ وذلك لقول قريش : إن الملائكة بنات الله. فيقول الله : إن تكن الملائكة بناتي فإبليس منها، وقد جعلوا بيني وبين إبليس وذرّيته نسبا. قال : وقد قال الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري، وهو يذكر سليمان بن داود وما أعطاه الله :
وَلَوْ كانَ شَيْء خالِدا أوْ مُعَمّرا لَكانَ سُلَيْمَانُ البَرِيّ مِنَ الدّهْرِ
بَرَاهُ إلهي واصْطَفَاهُ عبادَهُ وَمَلّكَهُ مَا بَيْنَ ثُرْيَا إلى مِصْرِ
| وَسَخّرَ مِنْ جِنّ المَلائِكِ تِسْعَةً | قِياما لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أجْرِ |
حدثنا به محمد بن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن الحسن، قال : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس.
وحدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كان الحسن يقول في قوله : إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ إلجاءٌ إلى نسبه، فقال الله : أفَتَتّخِذُونَهُ وَذُرّيّتَهُ أوْلِياءَ مِنْ دُونِي الآية. . . وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا أبو سعيد اليحمدي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال : حدثنا سوار بن الجعد اليحمدي، عن شهر بن حوشب قوله : مِنَ الجِنّ قال : كان إبليس من الجنّ الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء.
وحدثني عليّ بن الحسين، قال : حدثني أبو نصر أحمد بن محمد الخلال، قال : حدثني سنيد بن داود، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نمير، وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود، قال : كانت الملائكة تقاتل الجنّ، فسُبي إبليس وكان صغيرا، فكان مع الملائكة فتعبّد معها. فلما أمروا بالسجود لاَدم سجدوا، فأبى إبليس فلذلك قال الله : إلاّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، قال : حدثنا المبارك بن مجاهد أبو الأزهر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال : إن من الملائكة قبيلاً يقال لهم الجنّ، فكان إبليس منهم، وكان إبليس يسوس ما بين السماء والأرض فعصى، فمسخه الله شيطانا رجيما.
قال : وحدثنا يونس، عن ابن وهب، قال : قال ابن زيد : إبليس أبو الجنّ، كما آدم أبو الإنس.
وعلة من قال هذه المقالة، أن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أنه خلق إبليس من نار السموم ومن مارج من نار، ولم يخبر عن الملائكة أنه خلقها من شيء من ذلك. وأن الله جل ثناؤه أخبر أنه من الجن. فقالوا : فغير جائز أن ينسب إلى غير ما نسبه الله إليه. قالوا : ولإبليس نسل وذرّية، والملائكة لا تتناسل ولا تتوالد.
حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال : حدثنا أبو عاصم، عن شريك، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : إن الله خلق خلقا، فقال : اسجدوا لاَدم فقالوا : لا نفعل. فبعث الله عليهم نارا تحرقهم. ثم خلق خلقا آخر، فقال : إني خالق بشرا من طين، اسجدوا لاَدم فأبوا، فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم. قال : ثم خلق هؤلاء، فقال : اسجدوا لاَدم فقالوا : نعم. وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لاَدم.
قال أبو جعفر : وهذه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها. وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خلق أصناف ملائكته من أصناف من خلقه شتى، فخلق بعضا من نور، وبعضا من نار، وبعضا مما شاء من غير ذلك. وليس في ترك الله جل ثناؤه الخبر عما خلق منه ملائكته وإخباره عما خلق منه إبليس ما يوجب أن يكون إبليس خارجا عن معناهم، إذ كان جائزا أن يكون خلق صنفا من ملائكته من نار كان منهم إبليس، وأن يكون أفرد إبليس بأن خلقه من نار السموم دون سائر ملائكته. وكذلك غير مخرجه أن يكون كان من الملائكة بأن كان له نسل وذرية لما ركب فيه من الشهوة واللذّة التي نزعت من سائر الملائكة لما أراد الله به من المعصية.
وأما خبر الله عن أنه من الجن، فغير مدفوع أن يسمى ما اجتنّ من الأشياء عن الأبصار كلها جِنّا، كما قد ذكرنا قبلُ في شعر الأعشى، فيكون إبليس والملائكة منهم لاجتنانهم عن أبصار بني آدم.
القول في معنى إبليس.
قال أبو جعفر : وإبليس «إفعيل » من الإبلاس : وهو الإياس من الخير والندم والحزن. كما :
حدثنا به أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال : إبليس أبلسه الله من الخير كله وجعله شيطانا رجيما عقوبة لمعصيته.
وحدثنا موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي، قال : كان اسم إبليس الحارث، وإنما سمي إبليس حين أبلس متحيرا.
قال أبو جعفر : وكما قال الله جل ثناؤه : فإذَا هُمْ مُبْلِسُونَ يعني به أنهم آيسون من الخير، نادمون حزنا، كما قال العجاج :
يا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْما مُكْرَسَا قالَ نَعَمْ أعْرِفُهُ وأبْلَسا
وقال رؤبة :
وَحَضَرَتْ يَوْمَ الخَمِيسِ الأخْماس وَفِي الوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإبْلاسْ
يعني به اكتئابا وكسوفا.
فإن قال لنا قائل : فإن كان إبليس كما قلت «إفعيل » من الإبلاس، فهلاّ صرف وأُجري ؟ قيل : ترك إجراؤه استثقالاً إذ كان اسما لا نظير له من أسماء العرب، فشبهته العرب إذ كان كذلك بأسماء العجم التي لا تجري، وقد قالوا : مررت بإسحاق، فلم يجروه، وهو
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾
قال أبو جعفر: أمّا قوله:"وإذ قلنا" فمعطوف على قوله:"وإذ قال ربّك للملائكة"، كأنه قال جل ذكره لليهود - الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَرِ رسول الله ﷺ من بني إسرائيل، معددًا عليهم نعَمه، ومذكِّرهم آلاءه، على نحو الذي وصفنا فيما مضى قبل-: اذكروا فعلي بكم إذ أنعمت عليكم.
ثم اختلف أهل التأويل فيه: هل هو من الملائكة، أم هو من غيرها؟ فقال بعضهم بما:-
٦٨٥ - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم"الحِن"، خلقوا من نار السَّموم من بين الملائكة. قال: فكان اسمه الحارث. قال: وكان خازنًا من خُزَّان الجنة. قال: وخلقت الملائكة من نورٍ غير هذا الحيّ. قال: وخلقت الجنّ الذي ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت (١).
٦٨٦ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس. قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصيةَ من الملائكة اسمه"عزازيل"، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة
٦٨٧ - وحدثنا به ابن حميد مرة أخرى، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس، أو مجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس وغيره بنحوه، إلا أنه قال: كان ملكًا من الملائكة اسمه"عزازيل"، وكان من سكان الأرض وعُمَّارها، وكان سكان الأرض فيهم يسمون"الجنَّ" من بين الملائكة (٢).
٦٨٨ - وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: جعل إبليس على مُلك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم"الجنّ"، وإنما سُمُّوا الجن لأنهم خُزَّان الجنة. وكان إبليس مع مُلكه خازنًا (٣).
٦٨٩ - وحدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا حسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطانُ سماء الدنيا، وكان له سلطانُ الأرض. قال: قال ابن عباس: وقوله: (كَانَ مِنَ الْجِنِّ) [سورة الكهف: ٥٠] إنما يسمى بالجنان أنه كان خازنًا عليها، كما يقال للرجل مكي ومدَنيّ وكوفيّ وبصريّ. (٤).
قال ابن جُريج، وقال آخرون: هم سبط من الملائكة قَبيلِه، فكان اسم قبيلته الجن.
(٢) الخبر: ٦٨٧- في ابن كثير ١: ١٣٩ عقب الذي قبله.
(٣) الخبر: ٦٨٨- مختصر من الأثر السالف رقم: ٦٠٧.
(٤) الخبر: ٦٨٩- في ابن كثير ١: ١٣٩ و ٥: ٢٩٦، والدر المنثور ١: ١٧٨.
٦٩١ - وحدثت عن الحسن بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عُبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مُزَاحم يقولُ في قوله: (فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ) [سورة الكهف: ٥٠]، قال: كان ابن عباس يقول: إن إبليس كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة. ثم ذكر مثل حديث ابن جُريج الأول سواء (٢).
٦٩٢ - وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثني شيبان، قال حدثنا سلام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: كان إبليس رئيسَ ملائكة سماء الدنيا (٣).
٦٩٣ - وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ) [سورة الكهف: ٥٠]، كان من قبيل من الملائكة يقال لهم"الجن"،
(٢) الخبر: ٦٩١- الحسن بن الفرج: لم أعرف من هو؟ وأبو معاذ الفضل بن خالد: هو النحوي المروزي، وهو ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه ابن أبي حاتم ٣/٢/٦١، وياقوت في الأدباء ٦: ١٤٠، والسيوطي في البغية: ٣٧٣. وقال ياقوت: "روى عنه الأزهري في كتاب التهذيب، فأكثر". وليس يريد بذلك رواية السماع، بل يريد أنه روى آراءه أو نقله في اللغة. أما رواية السماع فلا. لأن الفضل هذا مات سنة ٢١١، والأزهري ولد سنة ٢٨٢. فهذا كلام موهم؛ ولم يكن يجدر بالسيوطي - وهو محدث - أن يتبعه دون تأمل!
(٣) الأثر: ٦٩٢- في ابن كثير ١: ١٣٩. شيبان: هو ابن فروخ، وهو ثقة. سلام بن مسكين الأزدي: ثقة، أخرج له الشيخان.
٦٩٤ - وحدثنا الحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:"إلا إبليسَ كان من الجن" قال: كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن (٢).
٦٩٥ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: أما العرب فيقولون: ما الجنّ إلا كل من اجتَنَّ فلم يُرَ. وأما قوله:"إلا إبليس من كان من الجن" أي كان من الملائكة، وذلك أن الملائكة اجتنُّوا فلم يُرَوْا. وقد قال الله جل ثناؤه: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) [سورة الصافات: ١٥٨]، وذلك لقول قريش: إن الملائكة بناتُ الله، فيقول الله: إن تكن الملائكة بناتي فإبليس منها، وقد جعلوا بيني وبين إبليس وذريته نسبًا. قال: وقد قال الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري، وهو يذكر سليمانَ بن داود وما أعطاه الله:
| وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ خَالِدًا أَوْ مُعَمَّرا | لَكَانَ سُلَيْمَانُ الْبَرِيءُ مِنَ الدَّهْرِ (٣) |
(٢) الأثر: ٦٩٤- لم نجده أيضًا. وقال الحافظ ابن كثير ٥: ٢٩٧- بعد أن نقل كثيرًا من الآثار في مثل هذه المعاني: "وقد روى في هذا آثار كثيرة عن السلف. وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها. ومنها ما قد يقطع بكذبه، لمخالفته للحق الذي بأيدينا. وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المثقدمة، لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة. وليس لهم من الحفاظ المتقنين، الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين- كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء، والسادة والأتقياء، والبررة والنجباء، من الجهابذة النقاد، والحفاظ الجياد. الذين دونوا الحديث وحرروه، وبينوا صحيحه، من حسنه، من ضعيفه، من منكره وموضوعه، ومتروكه ومكذوبه. وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين، +وغير ذلك من أصناف الرجال. كل ذلك صيانة للجناب النبوي، والمقام المحمدي، خاتم الرسل، وسيد البشر، صلى الله عليه وسلم-: أن ينسب إليه كذب، أو يحدث عنه بما ليس منه. فرضى الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم. وقد فعل".
(٣) ملحق ديوان الأعشى: ٢٤٣، والأضداد لابن الأنباري: ٢٩٣. ولم يعن بالدهر هاهنا الأمد الممدود، بل عني مصائب الدهر ونكباته، كما قال عدى بن زيد، وجعل مصائب الدهر هي الدهر نفسه:
| أَيُّهَا الشَّامِتُ المُعَيِّر بِالدَّ | هْرِ أَأَنْتَ المبرَّأُ المَوْفُورُ |
قال: فأبت العربُ في لغتها إلا أنّ "الجن" كل ما اجتنَّ. يقول: ما سمَّى الله الجن إلا أنهم اجتنُّوا فلم يُرَوا، وما سمّي بني آدم الإنس إلا أنهم ظهروا فلم يجتنوا. فما ظهر فهو إنس، وما اجتنّ فلم يُرَ فهو جنّ (٢).
وقال آخرون بما:-
٦٩٦ - حدثنا به محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: ما كان إبليسُ من الملائكة طرفةَ عين قطّ، وإنه لأصل الجنّ، كما أن آدم أصل الإنس (٣).
٦٩٧ - وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول في قوله:"إلا إبليس كانَ من الجن" ألجأه إلى نسبه (٤) فقال الله: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا) [سورة الكهف: ٥٠]، وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم (٥).
٦٩٨ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا
(٢) الأثر: ٦٩٥- رواه مختصرًا صاحب الأضداد: ٢٩٣، ولم أجده في مكان آخر.
(٣) الأثر: ٦٩٦- في ابن كثير ١: ١٣٩ و ٥: ٢٩٦. وقال: "وهذا إسناد صحيح عن الحسن".
(٤) في المطبوعة: "إلجاء إلى نسبه"، وألجأه إلى نسبه: رده إليه. وانظر رقم: ٦٥٥.
(٥) الأثر: ٦٩٧- لم أجده في مكان.
٦٩٩ - وحدثني علي بن الحسين، قال: حدثني أبو نصر أحمد بن محمد الخلال، قال: حدثني سنيد بن داود، قال حدثنا هشيم، قال أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نُمير، وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود، قال: كانت الملائكة تقاتل الجنّ، فسُبِي إبليس وكان صغيرًا، فكان مع الملائكة فتعبَّد معها، فلما أمِروا بالسجود لآدم سجدوا. فأبى إبليس. فلذلك قال الله:"إلا إبليس كان من الجن" (٢).
٧٠٠ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثنا المبارك بن مجاهد أبو الأزهر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال: إن منَ الملائكة قبيلا يقال لهم: الجن، فكان إبليس منهم، وكان إبليس يسوس ما بين السماء والأرض، فعصَى، فمسخه الله شيطانًا رجيما. (٣)
٧٠١ - قال: وحدثنا يونس، عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: إبليس أبو الجن، كما آدم أبو الإنس (٤).
وعلة من قال هذه المقالة، أن الله جل ثناؤه أخبرَ في كتابه أنه خلق إبليس من نار السَّموم، ومن مارج من نار، ولم يخبر عن الملائكة أنه خَلقها من شيء من ذلك، وأن الله جل ثناؤه أخبر أنه من الجنّ - فقالوا: فغيرُ جائز أن يُنسب إلى غير ما نسبه الله إليه. قالوا: ولإبليس نسلٌ وذرية، والملائكة لا تتناسل ولا تتوالد.
(٢) الأثر: ٦٩٩- في ابن كير ١: ١٣٩.
(٣) الخبر: ٧٠٠- هو في ابن كثير ١: ١٣٩. وقد مضى نحوه مختصرًا، بإسناد آخر: ٦٩٠.
(٤) الأثر: ٧٠١- لم أجده في مكان.
قال أبو جعفر: وهذه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها. وذلك أنه غيرُ مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خَلق أصنافَ ملائكته من أصنافٍ من خلقه شَتَّى. فخلق بعضًا من نُور، وبعضًا من نار، وبعضًا مما شاء من غير ذلك. وليس في ترك الله جل ثناؤه الخبر عَما خَلق منه ملائكته (٢)، وإخبارِه عما خلق منه إبليس - ما يوجب أن يكون إبليس خارجًا عن معناهم. إذْ كان جائزًا أن يكون خلق صِنفًا من ملائكته من نار كان منهم إبليس، وأن يكون أفرد إبليس بأنْ خَلقه من نار السموم دون سائر ملائكته. وكذلك غيرُ مخرجه أن يكون كان من الملائكة بأنْ كان له نسل وذرية، لِمَا ركَّب فيه من الشهوة واللذة التي نُزعت من سائر الملائكة، لِمَا أراد الله به من المعصية. وأما خبرُ الله عن أنه"من الجن"، فغير مدفوع أن يسمى ما اجتنّ من الأشياء عن الأبصار كلها جنًّا - كما قد ذكرنا قبل في شعر الأعشى - فيكون إبليسُ والملائكةُ منهم، لاجتنانهم عن أبصار بني آدم.
(٢) في المطبوعة: "وليس فيما نزل الله جل ثناؤه... "، وهو خطأ صرف. وقوله بعد: "وإخباره عما خلق منه إبليس" معطوف على قوله: "وفي ترك... ".
قال أبو جعفر: وإبليس"إفعِيل"، من الإبلاس، وهو الإياس من الخير والندمُ والحزن. كما:-
٧٠٣ - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إبليس، أبلسه الله من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته (١).
٧٠٤ - وحدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، قال: كان اسم إبليس"الحارث"، وإنما سمي إبليس حين أبلس متحيِّرًا (٢).
قال أبو جعفر: وكما قال الله جل ثناؤه: (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [سورة الأنعام: ٤٤]، يعني به: أنهم آيسون من الخير، نادمون حزنًا، كما قال العجَّاج:
يَا صَاحِ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا؟... قَالَ: نَعَمْ، أَعْرِفُهُ! وَأَبْلَسَا (٣)
(٢) الأثر: ٧٠٤- في الدر المنثور ١: ٥٠، مقتصرًا على أوله إلى قوله: "الحارث". وجاء النص في المطبوعة هكذا: "وإنما سمى إبليس حين أبلس فغير كما قال الله جل ثناؤه... " أسقطوا ما أثبتناه من المخطوطة، لأنهم لم يحسنوا قراءة الكلمة الأخيرة، فبدلوها ووصلوا الكلام بعد الحذف، وهو تصرف معيب. وقوله: "متحيرًا" كتبت في المخطوطة ممجمجة هكذا"مجرا" غير معجمة. والإبلاس: الحيرة، فكذلك قرأتها.
(٣) ديوانه ١: ٣١، والكامل ١: ٣٥٢، واللسان: (بلس)، (كرس). المكرس: الذي صار فيه الكرس، وهو أبوال الإبل وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار. وأبلس الرجل: سكت غما وانكسر وتحير ولم ينطق.
| وَحَضَرَتْ يَوْمَ الْخَمِيسِ الأَخْمَاسْ | وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلاسْ (١) |
فإن قال قائل: فإن كان إبليس، كما قلت،"إفعيل" من الإبلاس، فهلا صُرف وأجري؟ قيل: تُرك إجراؤه استثقالا إذ كان اسمًا لا نظيرَ له من أسماء العرب، فشبَّهته العرب - إذْ كان كذلك - بأسماء العجم التي لا تُجرَى. وقد قالوا: مررت بإسحاق، فلم يُجروه. وهو من"أسحقه الله إسحاقًا"، إذْ كان وَقَع مبتدَأ اسمًا لغير العرب، ثم تسمت به العرب فجرى مَجراه - وهو من أسماء العجم - في الإعراب فلم يصرف. وكذلك"أيوب"، إنما هو"فيعول" من"آب يؤبُ".
وتأويل قوله:"أبَى"، يعني جل ثناؤه بذلك إبليس، أنه امتنع من السجود لآدم فلم يسجد له."واستكبر"، يعني بذلك أنه تعظَّم وتكبَّر عن طاعة الله في السجود لآدم. وهذا، وإن كان من الله جل ثناؤه خبرًا عن إبليس، فإنه تقريعٌ لضُربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقيادِ لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق. وكان ممن تكبر عن الخضوع لأمر الله، والتذلل لطاعته، والتسليم لقضائه فيما ألزمهم من حقوق غيرهم - اليهودُ الذين كانوا بين ظهرانيْ مُهَاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحبارُهم الذين كانوا برسول الله ﷺ وصِفته عارفين، وبأنه لله رسولٌ عالمين. ثم استكبروا - مع علمهم بذلك - عن الإقرار بنبوّته، والإذعان لطاعته، بَغْيًا منهم له وحسدًا. فقرَّعهم الله بخبره عن إبليس
ثم وَصَف إبليس بمثل الذي وصف به الذين ضرَبه لهم مثلا في الاستكبار والحسد والاستنكاف عن الخضوع لمن أمرَه الله بالخضوع له، فقال جل ثناؤه:"وكان" - يعني إبليس -"منَ الكافرين"- من الجاحدين نعمَ الله عليه وأياديَه عنده، بخلافه عليه فيما أمرَه به من السجود لآدم، كما كفرت اليهود نعمَ ربِّها التي آتاها وآباءها قبلُ: من إطعام الله أسلافَهم المنّ والسلوى، وإظلال الغمام عليهم، وما لا يحصى من نعمه التي كانت لهم، خصوصًا ما خصَّ الذين أدركوا محمدًا ﷺ بإدراكهم إياه، ومشاهدتهم حجةَ الله عليهم، فجحدت نبوّته بعد علمهم به، ومعرفتهم بنبوّته حسدًا وبغيًا. فنسبه الله جل ثناؤه إلى"الكافرين"، فجعله من عِدَادهم في الدين والملة، وإن خالفهم في الجنس والنسبة. كما جعل أهل النفاق بعضَهم من بعض، لاجتماعهم على النفاق، وإن اختلفت أنسابهم وأجناسهم، فقال: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [سورة التوبة: ٦٧] يعني بذلك أن بعضهم من بعض في النفاق والضلال. فكذلك قوله في إبليس: كان من الكافرين، كان منهم في الكُفر بالله ومخالفتِه أمرَه، وإن كان مخالفًا جنسُه أجناسَهم ونسبُه نسبهم. ومعنى قوله:"وكان من الكافرين" أنه كان - حين أبَى عن السجود - من الكافرين حينئذ.
وقد رُوي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أنه كان يقول: في تأويل قوله:"وكان منَ الكافرين"، في هذا الموضع، وكان من العاصين.
٧٠٥ - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله:"وكان من الكافرين"، يعني العاصين (١).
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشْر بن عُمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال : كان إبليس من حَيّ من أحياء الملائكة يقال لهم : الجِنّ، خلقوا من نار السموم، من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، وكان خازنا من خزان الجنة، قال : وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي، قال : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، [ وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا لهبت قال : وخلق الإنسان من طين ](٢). فأول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضا. قال : فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة - وهم هذا الحي الذي يقال لهم : الجنّ - فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغتَرّ في نفسه، فقال : قد صنعت شيئا لم يصنعه أحد. قال : فاطلع الله على ذلك من قلبه، ولم يطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه، فقال الله تعالى للملائكة الذين معه :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالت الملائكة مجيبين له :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كما أفسدت الجن وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم(٣) لذلك ؟ فقال :﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ يقول : إني قد اطلعت من(٤) قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره، قال : ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم من طين لازب - واللازب : اللزج الصلب(٥) من حمإ مسنون منتن، وإنما كان حَمَأ مسنونا بعد التراب. فخلق منه آدم بيده، قال : فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى. فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله، فيصلصل، أي فيصوت. قال : فهو قول الله تعالى :﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ يقول : كالشيء المنفرج الذي ليس [الرحمن: ١٤] بمُصْمَت. قال : ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره، ويدخل من(٦) دبره، ويخرج من فيه. ثم يقول : لست شيئا - للصلصلة - ولشيء ما خلقت، ولئن سُلِّطْتُ عليك لأهلكنك، ولئن سُلِّطْتُ علي لأعْصيَنَّك. قال : فلما نفخ الله فيه من روحه، أتت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهت النفخة إلى سُرَّته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده، فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله تعالى :﴿وَكَانَ(٧) الإنْسَانُ عَجُولا﴾ قال : ضجر لا صبر له على سراء ولا ضراء. قال : فلما تمت النفخة في جسده عطس، فقال :" الحمد لله رب العالمين " بإلهام الله. فقال [ الله ](٨) له :" يرحمك الله يا آدم(٩) ". قال ثم قال [ الله ](١٠) تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السماوات : اسجدوا لآدم. فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر، لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار. فقال : لا أسجد له، وأنا خير منه وأكبر سنا وأقوى خلقا، خلقتني(١١) من نار وخلقته من طين. يقول : إن النار أقوى من الطين. قال : فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله، أي : آيسه من الخير كله، وجعله شيطانا رجيما عُقُوبة لمعصيته، ثم عَلَّم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة، يعني : الملائكة الذين كانوا مع إبليس، الذين خلقوا من نار السموم، وقال لهم :﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾ يقول : أخبروني بأسماء هؤلاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن كنتم تعلمون لِمَ أجعل في الأرض خليفة. قال : فلما علمت الملائكة موجدة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب، الذي لا يعلمه غيره، الذي ليس لهم به علم قالوا : سبحانك، تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، وتبنا إليك ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ تبريا منهم من علم الغيب، إلا ما علمتنا كما علمت آدم، فقال :﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ يقول : أخبرهم بأسمائهم ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾ [ يقول : أخبرهم ](١٢) ﴿بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أيها الملائكة خاصة ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ولا يعلم غيري ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ يقول : ما تظهرون ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يقول : أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني : ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار(١٣).
هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر، يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور.
وقال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة، عن ابن سعود، وعن أناس من أصحاب النبي(١٤) ﷺ : لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش، فجعل إبليس على مُلْك السماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم : الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة، وكان إبليس مع مُلْكه خازنا، فوقع في صدره كبر وقال : ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي على الملائكة. فلما وقع ذلك الكبر في نفسه(١٥) اطلع الله على ذلك منه. فقال الله للملائكة :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا(١٦) : ربنا، وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا. قالوا : ربنا، ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ يعني : من شأن إبليس. فبعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض : إني أعوذ بالله منك أن تَقْبض(١٧) مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ، وقال : رب مني(١٨) عاذت بك فأعذتُها، فبعث ميكائيل، فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريل، فبعث مَلَك الموت فعاذت منه. فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخَلَطَ ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فَصعِد به فَبَلَّ التراب حتى عاد طينا لازبا - واللازب : هو الذي يلتزق بعضه ببعض - ثم قال للملائكة :﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١، ٧٢] فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه، ليقول له : تتكبر عما عملت بيدي، ولم أتكبر أنا عنه. فخلقه(١٩) بشرا، فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم فزعا منه(٢٠) إبليس، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار وتكون له صلصلة. فذلك حين يقول :﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ويقول : لأمر ما خُلقت. ودخل من فيه فخرج من دبره، وقال للملائكة : لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صَمَدٌ وهذا أجوف. لئن سلطت عليه لأهلكنه، فلما بلغ الحين الذي يريد الله عز وجل أن ينفخ فيه الروح، قال للملائكة : إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه، عَطِسَ، فقالت الملائكة : قل : الحمد لله. فقال : الحمد لله، فقال له الله : رحمك ربك، فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل الروح في(٢١) جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ(٢٢) الروح رجليه عجلان(٢٣) إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول تعالى :﴿خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١] أبى واستكبر وكان من الكافرين. قال الله له : ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقت بيدي ؟ قال : أنا خير منه، لم أكن لأسجد لمن(٢٤) خلقته من طين. قال الله له : اخرج منها فما يكون لك، يعني : ما ينبغي لك ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] والصغار : هو الذل. قال :﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ثم عرض الخلق على الملائكة ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فقالوا(٢٥) ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ قال الله :﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال : قولهم :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ فهذا الذي أبدوا " وأعلم ما تكتمون " يعني : ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.
فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السُّدِّي ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مُدْرَج(٢٦) ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة. والله أعلم. والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه أشياء، ويقول :[ هو ](٢٧) على شرط البخاري.
والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل إبليس في خطابهم ؛ لأنه - وإن لم يكن من عُنْصرهم - إلا أنه كان قد(٢٨) تشَبَّه بهم وتوسم بأفعالهم ؛ فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذم في مخالفة الأمر. وسنبسط المسألة إن - شاء الله تعالى - عند قوله :﴿إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].
ولهذا قال : محمد بن إسحاق، عن خلاد، عن(٢٩) عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال : كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل(٣٠)، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا، وأكثرهم علما ؛ فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون جِنًّا.
وفي رواية عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس - أو مجاهد - عن ابن عباس، أو غيره، بنحوه.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا سعيد(٣١) بن سليمان، حدثنا عباد - يعني : ابن العوام - عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال : كان إبليس اسمه عزازيل(٣٢)، وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد.
وقال سُنَيْد(٣٣)، عن حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : كان(٣٤) إبليس من أشراف(٣٥) الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض.
وهكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس، سواء.
وقال صالح مولى التَّوْأمة، عن ابن عباس : إن من الملائكة
٢ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
٣ في جـ: "إليهم"..
٤ في جـ: "على"..
٥ في ب، أ، و: "الطيب"..
٦ في ب: "في"..
٧ في هـ: "وخلق"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب.
٨ زيادة من أ، و:.
٩ في جـ: "يرحمك يا آدم ربك"..
١٠ زيادة من جـ..
١١ في جـ: "فخلقتني"..
١٢ زيادة من أ، و..
١٣ تفسير الطبري (١/٤٥٥)..
١٤ في جـ، ط، ب: "رسول الله"..
١٥ في جـ: "في صدره"..
١٦ في طـ، ب: "فقالوا"..
١٧ في أ، و: "تنقص"..
١٨ في جـ، ط، ب: "رب إنها"..
١٩ في جـ، ط: "بخلقه"..
٢٠ في جـ، ب، ط: "أشدهم منه فزعا"..
٢١ في جـ: "إلى"..
٢٢ في جـ: "أن يدخل"..
٢٣ في جـ: "عجلا"..
٢٤ في جـ، ب: "لبشر".
.
٢٥ في أ، و: "فقالوا له"..
٢٦ في ب: "مدرجا"..
٢٧ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
٢٨ في جـ: "قد كان"..
٢٩ في جـ، ط، ب: "خلاد بن"..
٣٠ في جـ، ط، ب: "عزرائيل"..
٣١ في ب: "سعد"..
٣٢ في جـ: "عزرائيل"..
٣٣ في جـ: "سعيد"..
٣٤ في جـ: "وكان"..
٣٥ في جـ: "من أشرف"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.
وَهَذِهِ كَرَامَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِآدَمَ امْتَنَّ بِهَا عَلَى ذُرِّيَّتِهِ، حَيْثُ أَخْبَرَ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَحَادِيثُ -أَيْضًا-كَثِيرَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ الْمُتَقَدِّمِ، وَحَدِيثُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "رَبِّ، أَرِنِي آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا ونفسَه مِنَ الْجَنَّةِ"، فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ قَالَ: "أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَهُ (١) اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ". قَالَ... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ كَمَا سَيَأْتِي.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيب، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بشْر بْنُ عُمارة، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ حَيّ مِنْ أَحْيَاءِ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ: الجِنّ، خُلِقُوا مِنْ نَارِ السَّمُومِ، مِنْ بَيْنِ الْمَلَائِكَةِ، وَكَانَ اسْمُهُ الْحَارِثُ، وَكَانَ خَازِنًا مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَخُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ مِنْ نُورٍ غَيْرَ هَذَا الْحَيِّ، قَالَ: وَخُلِقَتِ الْجِنُّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، [وَهُوَ لِسَانُ النَّارِ الَّذِي يَكُونُ فِي طَرَفِهَا إِذَا لُهِّبَتْ قَالَ: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ طِينٍ] (٢). فَأَوَّلُ مَنْ سَكَنَ الْأَرْضَ الْجِنُّ فَأَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ إِبْلِيسَ فِي جُنْدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ -وَهُمْ هَذَا الْحَيُّ الَّذِي يُقَالُ لَهُمُ: الْجِنُّ -فَقَتَلَهُمْ إِبْلِيسُ وَمَنْ مَعَهُ، حَتَّى أَلْحَقَهُمْ بِجَزَائِرِ الْبُحُورِ وَأَطْرَافِ الْجِبَالِ، فَلَمَّا فَعَلَ إِبْلِيسُ ذَلِكَ اغتَرّ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: قَدْ صَنَعْتُ شَيْئًا لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ. قَالَ: فَاطَّلَعَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ، وَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ مُجِيبِينَ لَهُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كَمَا أَفْسَدَتِ الْجِنُّ وَسَفَكَتِ الدِّمَاءَ، وَإِنَّمَا بَعَثْتَنَا عَلَيْهِمْ (٣) لِذَلِكَ؟ فَقَالَ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: إِنِّي قَدِ اطَّلَعْتُ مِنْ (٤) قَلْبِ إِبْلِيسَ عَلَى مَا لَمْ تَطَّلِعُوا عَلَيْهِ مِنْ كِبْرِهِ وَاغْتِرَارِهِ، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِتُرْبَةِ آدَمَ فَرُفِعَتْ، فَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ -وَاللَّازِبُ: اللَّزِجُ الصَّلْبُ (٥) مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ مُنْتِنٍ، وَإِنَّمَا كَانَ حَمَأ مَسْنُونًا بَعْدَ التُّرَابِ. فَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَمَكَثَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً جَسَدًا مُلْقًى. فَكَانَ إِبْلِيسُ يَأْتِيهِ فَيَضْرِبُهُ بِرِجْلِهِ، فَيُصَلْصِلُ، أَيْ فَيُصَوِّتُ. قَالَ: فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ يقول: كالشيء المنفرج الذي ليس [الرحمن: ١٤]
(٢) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٣) في جـ: "إليهم".
(٤) في جـ: "على".
(٥) في ب، أ، و: "الطيب".
هَذَا سِيَاقٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ أَشْيَاءُ فِيهَا نَظَرٌ، يَطُولُ مُنَاقَشَتُهَا، وَهَذَا الْإِسْنَادُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يُرْوَى بِهِ تَفْسِيرٌ مَشْهُورٌ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرّة، عن ابن
(٢) في هـ: "وخلق"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب.
(٣) زيادة من أ، و:
(٤) في جـ: "يرحمك يا آدم ربك".
(٥) زيادة من جـ.
(٦) في جـ: "فخلقتني".
(٧) زيادة من أ، و.
(٨) تفسير الطبري (١/٤٥٥).
(٢) في جـ: "في صدره".
(٣) في طـ، ب: "فقالوا".
(٤) في أ، و: "تنقص".
(٥) في جـ، ط، ب: "رب إنها".
(٦) في جـ، ط: "بخلقه".
(٧) في جـ، ب، ط: "أشدهم منه فزعا".
(٨) في جـ: "إلى".
(٩) في جـ: "أن يدخل".
(١٠) في جـ: "عجلا".
(١١) في جـ، ب: "لبشر".
فَهَذَا الْإِسْنَادُ إِلَى هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ مَشْهُورٌ فِي تَفْسِيرِ السُّدِّي وَيَقَعُ فِيهِ إِسْرَائِيلِيَّاتُ كَثِيرَةٌ، فَلَعَلَّ بَعْضَهَا مُدْرَج (٢) لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الصَّحَابَةِ، أَوْ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْحَاكِمُ يَرْوِي فِي مُسْتَدْرَكِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ أَشْيَاءَ، وَيَقُولُ: [هُوَ] (٣) عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ.
وَالْغَرَضُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ دَخَلَ إِبْلِيسُ فِي خِطَابِهِمْ؛ لِأَنَّهُ -وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عُنْصرهم -إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَدْ (٤) تشَبَّه بِهِمْ وَتَوَسَّمَ بِأَفْعَالِهِمْ؛ فَلِهَذَا دَخَلَ فِي الْخِطَابِ لَهُمْ، وَذُمَّ فِي مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ. وَسَنَبْسُطُ الْمَسْأَلَةَ إِنَّ -شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الْكَهْفِ: ٥٠].
وَلِهَذَا قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ خَلَّادٍ، عَنْ (٥) عَطَاءٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ الْمَعْصِيَةَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ اسْمُهُ عَزَازِيلُ (٦)، وَكَانَ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْمَلَائِكَةِ اجْتِهَادًا، وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا؛ فَذَلِكَ دَعَاهُ إِلَى الْكِبْرِ، وَكَانَ مِنْ حَيٍّ يُسَمَّوْنَ جِنًّا.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ خَلَّادٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ طَاوُسٍ -أَوْ مُجَاهِدٍ -عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ غَيْرِهِ، بِنَحْوِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ (٧) بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ -يَعْنِي: ابْنَ الْعَوَّامِ -عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ اسْمُهُ عَزَازِيلُ (٨)، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ ذَوِي الْأَجْنِحَةِ الْأَرْبَعَةِ، ثُمَّ أَبْلَسَ بَعْدُ.
وَقَالَ سُنَيْد (٩)، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ (١٠) إِبْلِيسُ مِنْ أَشْرَافِ (١١) الْمَلَائِكَةِ وَأَكْرَمُهُمْ قَبِيلَةً، وَكَانَ خَازِنًا عَلَى الْجِنَانِ، وَكَانَ لَهُ سُلْطَانُ سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَانَ لَهُ سُلْطَانُ الْأَرْضِ.
وَهَكَذَا رَوَى الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، سَوَاءً.
وَقَالَ صالح مولى التَّوْأمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَبيلا يقال لهم: الجن، وكان إبليس
(٢) في ب: "مدرجا".
(٣) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٤) في جـ: "قد كان".
(٥) في جـ، ط، ب: "خلاد بن".
(٦) في جـ، ط، ب: "عزرائيل".
(٧) في ب: "سعد".
(٨) في جـ: "عزرائيل".
(٩) في جـ: "سعيد".
(١٠) في جـ: "وكان".
(١١) في جـ: "من أشرف".
وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: كَانَ إِبْلِيسُ رَئِيسَ مَلَائِكَةِ سَمَاءِ الدُّنْيَا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: مَا كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَط، وَإِنَّهُ لَأَصْلُ الْجِنِّ، كَمَا أَنَّ آدَمَ أَصْلُ الْإِنْسِ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَنِ الْحَسَنِ. وَهَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ سَوَاءً.
وَقَالَ شَهْر بْنُ حَوْشَب: كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ طَرَدَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَأَسَرَهُ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ سُنَيْد بْنُ دَاوُدَ: حَدَّثَنَا هُشَيم، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُوسَى بْنِ نُمَيْرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَامِلٍ، عَنْ سَعْدِ (١) بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تُقَاتِلُ الْجِنَّ، فَسُبِيَ إِبْلِيسُ وَكَانَ صَغِيرًا، فَكَانَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، فَتَعَبَّدَ مَعَهَا، فَلَمَّا أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ سَجَدُوا، فَأَبَى إِبْلِيسُ. فَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الْكَهْفِ: ٥٠].
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقًا، فَقَالَ: اسْجُدُوا لِآدَمَ. فَقَالُوا: لَا نَفْعَلُ. فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُمْ، ثُمَّ خَلَقَ خَلْقًا آخَرَ، فَقَالَ: "إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، اسْجُدُوا لِآدَمَ. قَالَ: فَأَبَوْا. فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُمْ. ثُمَّ خَلَقَ هَؤُلَاءِ، فَقَالَ: اسْجُدُوا لِآدَمَ، قَالُوا: نَعَمْ. وَكَانَ إِبْلِيسُ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَبَوْا أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ (٢). وَهَذَا غَرِيبٌ، وَلَا يَكَادُ يَصِحُّ إِسْنَادُهُ، فَإِنَّ فِيهِ رَجُلًا مُبْهَمًا، وَمِثْلُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ فكانت الطاعة لله، والسجدة أكر اللَّهُ آدَمَ بِهَا أَنْ أَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ حَسَدَ عَدُوُّ اللَّهِ إبليسُ آدمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَقَالَ: أَنَا ناريٌّ وَهَذَا طينيٌّ، وَكَانَ بَدْءُ الذُّنُوبِ الْكِبْرَ، اسْتَكْبَرَ عدوُّ اللَّهِ أَنْ يَسْجُدَ لِآدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيدة: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ أَبَوْا، فَأَحْرَقَتْهُمُ النَّارُ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْعَاصِينَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الَّذِينَ لَمْ يَخْلُقْهُمُ اللَّهُ يَوْمَئِذٍ يَكُونُونَ بَعْدُ.
(٢) تفسير الطبري (١/٥٠٨).
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كَانَ هَذَا سُجُودُ تَحِيَّةٍ وَسَلَامٍ وَإِكْرَامٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يُوسُفَ: ١٠٠] وَقَدْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعًا فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَلَكِنَّهُ نُسِخَ فِي مِلَّتِنَا، قَالَ مُعَاذٌ (١) : قَدِمْتُ الشَّامَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ، فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَكَ، فَقَالَ: "لَا لَوْ كُنْتُ آمِرًا بَشَرًا أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا" (٢) وَرَجَّحَهُ الرَّازِيُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كَانَتِ السَّجْدَةُ لِلَّهِ وَآدَمُ قِبْلَةٌ فِيهَا كَمَا قَالَ: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٨] وَفِي هَذَا التَّنْظِيرِ نَظَرٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَوْلَى، وَالسَّجْدَةَ لِآدَمَ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَسَلَامًا، وَهِيَ طَاعَةٌ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّهَا امْتِثَالٌ لِأَمْرِهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَوَّاهُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَضَعَّفَ مَا عَدَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَهُمَا كَوْنُهُ جُعِلَ قِبْلَةً إِذْ لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَرَفٌ، وَالْآخَرُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّجُودِ الْخُضُوعُ لَا الِانْحِنَاءُ وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ.
قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ" (٣) وَقَدْ كَانَ فِي قَلْبِ إِبْلِيسَ مِنَ الْكِبْرِ -وَالْكُفْرِ -وَالْعِنَادِ مَا اقْتَضَى طَرْدَهُ وَإِبْعَادَهُ عَنْ جَنَابِ الرَّحْمَةِ وَحَضْرَةِ الْقُدْسِ؛ قَالَ بَعْضُ الْمُعْرِبِينَ: وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ أَيْ: وَصَارَ مِنَ الْكَافِرِينَ بِسَبَبِ امْتِنَاعِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هُودٍ: ٤٣] وَقَالَ ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣٥] وَقَالَ الشَّاعِرُ:
بِتَيْهَاءَ قَفْرٌ وَالْمَطِيُّ كَأَنَّهَا قَطَا الْحُزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخًا بُيُوضُهَا...
أَيْ: قَدْ صَارَتْ، وَقَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: تَقْدِيرُهُ: وَقَدْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَذَكَرَ هَاهُنَا مَسْأَلَةً فَقَالَ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا مَنْ أَظْهَرَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ كَرَامَاتٍ وَخَوَارِقَ لِلْعَادَاتِ فَلَيْسَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى وِلَايَتِهِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ هَذَا لَفْظُهُ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَا قَالَ: بِأَنَّا لَا نَقْطَعُ بِهَذَا الَّذِي جَرَى الْخَارِقُ عَلَى يَدَيْهِ أَنَّهُ يُوَافِي اللَّهَ بِالْإِيمَانِ، وَهُوَ لَا يَقْطَعُ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ، يَعْنِي وَالْوَلِيُّ الَّذِي يُقْطَعُ لَهُ بِذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
قُلْتُ: وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْخَارِقَ قَدْ يَكُونُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِ الْوَلِيِّ، بَلْ قَدْ يَكُونُ عَلَى يَدِ الْفَاجِرِ وَالْكَافِرِ، أَيْضًا، بِمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ صَيَّادٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الدُّخُّ حِينَ خَبَّأَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدُّخَانِ: ١٠]، وَبِمَا كَانَ يَصْدُرُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَمْلَأُ الطَّرِيقَ إِذَا غَضِبَ حَتَّى ضَرَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَبِمَا ثَبَتَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ عَنِ الدَّجَّالِ بِمَا يَكُونُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْخَوَارِقِ الْكَثِيرَةِ مِنْ أَنَّهُ يَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض
(٢) رواه أحمد في المسند (٥/٢٢٧).
(٣) صحيح مسلم برقم (٩١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
وفي هذه الآيات من العبر والآيات، إثبات الكلام لله تعالى، وأنه لم يزل متكلما، يقول ما شاء، ويتكلم بما شاء، وأنه عليم حكيم، وفيه أن العبد إذا خفيت عليه حكمة الله في بعض المخلوقات والمأمورات فالواجب عليه التسليم، واتهام عقله، والإقرار لله بالحكمة، وفيه اعتناء الله بشأن الملائكة، وإحسانه بهم، بتعليمهم ما جهلوا، وتنبيههم على ما لم يعلموه.
وفيه فضيلة العلم من وجوه :
منها : أن الله تعرف لملائكته، بعلمه وحكمته، ومنها : أن الله عرفهم فضل آدم بالعلم، وأنه أفضل صفة تكون في العبد، ومنها : أن الله أمرهم بالسجود لآدم، إكراما له، لما بان فضل علمه، ومنها : أن الامتحان للغير، إذا عجزوا عما امتحنوا به، ثم عرفه صاحب الفضيلة، فهو أكمل مما عرفه ابتداء، ومنها : الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن، وبيان فضل آدم، وأفضال الله عليه، وعداوة إبليس له، إلى غير ذلك من العبر.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
هذا شروع في ذكر فضل آدم عليه السلام أبي البشر (١) أن الله حين أراد خلقه أخبر الملائكة بذلك، وأن الله مستخلفه في الأرض.
فقالت الملائكة عليهم السلام: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ بالمعاصي ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [و] هذا تخصيص بعد تعميم، لبيان [شدة] مفسدة القتل، وهذا بحسب ظنهم أن الخليفة المجعول في الأرض سيحدث منه ذلك، فنزهوا الباري عن ذلك، وعظموه، وأخبروا أنهم قائمون بعبادة الله على وجه خال من المفسدة فقالوا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ أي: ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك، ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ يحتمل أن معناها: ونقدسك، فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص، ويحتمل أن يكون: ونقدس لك أنفسنا، أي: -[٤٩]- نطهرها بالأخلاق الجميلة، كمحبة الله وخشيته وتعظيمه، ونطهرها من الأخلاق الرذيلة.
قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ من هذا الخليفة ﴿مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ؛ لأن كلامكم بحسب ما ظننتم، وأنا عالم بالظواهر والسرائر، وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة، أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر فلو لم يكن في ذلك، إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، ولتظهر آياته للخلق، ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة، كالجهاد وغيره، وليظهر ما كمن في غرائز بني آدم (٢) من الخير والشر بالامتحان، وليتبين عدوه من وليه، وحزبه من حربه، وليظهر ما كمن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه، واتصف به، فهذه حكم عظيمة، يكفي بعضها في ذلك.
ثم لما كان قول الملائكة عليهم السلام، فيه إشارة إلى فضلهم على الخليفة الذي يجعله الله في الأرض، أراد الله تعالى، أن يبين لهم من فضل آدم، ما يعرفون به فضله، وكمال حكمة الله وعلمه فـ ﴿عَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أي: أسماء الأشياء، وما هو مسمى بها، فعلمه الاسم والمسمى، أي: الألفاظ والمعاني، حتى المكبر من الأسماء كالقصعة، والمصغر كالقصيعة.
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ أي: عرض المسميات ﴿عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ امتحانا لهم، هل يعرفونها أم لا؟.
﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم وظنكم، أنكم أفضل من هذا الخليفة.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ أي: ننزهك من الاعتراض منا عليك، ومخالفة أمرك. ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾ بوجه من الوجوه ﴿إِلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ إياه، فضلا منك وجودا، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ العليم الذي أحاط علما بكل شيء، فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السماوات والأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.
الحكيم: من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئا إلا لحكمة: ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمة: وضع الشيء في موضعه اللائق به، فأقروا، واعترفوا بعلم الله وحكمته، وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم; وتعليمه إياهم ما لا يعلمون.
فحينئذ قال الله: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ أي: أسماء المسميات التي عرضها الله على الملائكة; فعجزوا عنها، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ تبين للملائكة فضل آدم عليهم; وحكمة الباري وعلمه في استخلاف هذا الخليفة، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ وهو ما غاب عنا; فلم نشاهده، فإذا كان عالما بالغيب; فالشهادة من باب أولى، ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي: تظهرون ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
ثم أمرهم تعالى بالسجود لآدم; إكراما له وتعظيما; وعبودية لله تعالى، فامتثلوا أمر الله; وبادروا كلهم بالسجود، ﴿إِلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ امتنع عن السجود; واستكبر عن أمر الله وعلى آدم، قال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ وهذا الإباء منه والاستكبار; نتيجة الكفر الذي هو منطو عليه; فتبينت حينئذ عداوته لله ولآدم وكفره واستكباره.
وفي هذه الآيات من العبر والآيات; إثبات الكلام لله تعالى; وأنه لم يزل متكلما; يقول ما شاء; ويتكلم بما شاء; وأنه عليم حكيم، وفيه أن العبد إذا خفيت عليه حكمة الله في بعض المخلوقات والمأمورات فالوجب عليه; التسليم; واتهام عقله; والإقرار لله بالحكمة، وفيه اعتناء الله بشأن الملائكة; وإحسانه بهم; بتعليمهم ما جهلوا; وتنبيههم على ما لم يعلموه.
وفيه فضيلة العلم من وجوه:
منها: أن الله تعرف لملائكته; بعلمه وحكمته، ومنها: أن الله عرفهم فضل آدم بالعلم; وأنه أفضل صفة تكون في العبد، ومنها: أن الله أمرهم بالسجود لآدم; إكراما له; لما بان فضل علمه، ومنها: أن الامتحان للغير; إذا عجزوا عما امتحنوا به; ثم عرفه صاحب الفضيلة; فهو أكمل مما عرفه ابتداء، ومنها: الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن; وبيان فضل آدم; وأفضال الله عليه; وعداوة إبليس له; إلى غير ذلك من العبر.
(٢) في ب: المكلفين.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٢ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- اسْجُدُوا
- السجود: التذلل والخضوع، وقال ابن السّكّيت :هو الميل. وقال بعضهم: سجد: وضع جبهته بالأرض. وأسجد: ميّل رأسه وانحنى.
- قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ
- مذهب العرب إذا أخبر الرئيس منها عن نفسه قال: فعلنا وصنعنا لعلمه بأن أتباعه يفعلون بأمره كفعله ويجرون على مثل أمره، ثم كثر الاستعمال حتى صار الرّجل من السّوق يقول: فعلنا وصنعنا، والأصل ما ذكرت وحكى الحريريّ خلافا في علّة نون الجمع في كلام الله تعالى، فقيل:للعظمة وليس لمخلوق أن ينازعه فيها، فعلى هذا يكره استعمال الملوك لها في قولهم: فعلنا كذا. وقيل: لما كانت تصاريف أقضيته تعالى تجري على أيدي خلقهفنزلت أفعالهم منزلة فعله، فلذلك ورد الكلام موارد الجمع. فعلى هذا يجوز أن يستعمل النّون من لم يباشر الفعل [أي] العمل بنفسه.
- إِبْلِيسَ
- إفعيل من أبلس أي يئس، ويقال: هو اسم أعجميّ فلذلك لا ينصرف للعجمة والعلميّة، وهذا هو المشهور واعتذر من قال بالاشتقاق فيه عن منع الصّرف بأنه لا نظير له في الأسماء، وردّ بإغريض وإزميل وإخريط وإجفيل وإعليط وإصليت وإحليل وإكليل وإحريض .وقيل: شبّه بالأسماء الأعجمية فامتنع الصّرف للعلميّة وشبه العجمة. وشبه العجمة هو أنه وإن كان مشتقّا من الإبلاس فإنه لم يسمّ به أحد من العرب، فصار خاصّا بمن أطلقه الله عليه، وهو علم مرتجل.
- أَبى
- امتنع.
- وَاسْتَكْبَرَ
- تكبّر.
إعراب الآية ٣٤ من سورة البقرة
من كتاب: إعراب القرآن
| جريء متى يظلم يعاقب بظلمه | سريعا وإن لا يبد بالظّلم يظلم «١» |
[سورة البقرة (٢) : آية ٣٤]
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤)وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ خفض باللّام الزائدة. اسْجُدُوا أمر فلذلك حذفت منه النون وضممت الهمزة إذا ابتدأتها لأنه من يسجد. وروي عن أبي جعفر أنه قرأ للملائكة اسجدوا «٣» وهذا لحن لا يجوز، وأحسن ما قيل فيه ما روي عن محمد بن يزيد قال:
أحسب أنّ أبا جعفر كان يخفض ثمّ يشمّ الضّمّة ليدلّ على أنّ الابتداء بالضم كما يقرأ وَغِيضَ الْماءُ [هود: ٤٤] فيشير إلى الضّمة ليدلّ على أنه لما لم يسمّ فاعله لِآدَمَ في موضع خفض باللام إلّا أنه لا ينصرف، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ نصب على الاستثناء لا يجوز غيره عند البصريين لأنه موجب، وأجاز الكوفيون «٤» الرفع. و «إبليس» اسم أعجمي فلذلك لم ينوّن، وزعم أبو عبيدة «٥» أنّه عربي مشتقّ من أبلس إلّا أنه لم ينصرف لأنه لا نظير له. أَبى وَاسْتَكْبَرَ أبى يأبى إباء، وهذا حرف نادر جاء على فعل يفعل ليس فيه حرف من حروف الحلق. قال أبو إسحاق: سمعت إسماعيل بن إسحاق «٦» يقول: القول فيه عندي أن الألف مضارعة لحروف الحلق. قال أبو جعفر:
(٢) انظر الكتاب ١/ ١٧٨.
(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٣، والمحتسب ١/ ٧١.
(٤) انظر الإنصاف مسألة ٣٥، والبحر المحيط ١/ ٣٠٣.
(٥) انظر اللسان (بلس)، وتفسير الطبري ١/ ٢٢٧.
(٦) إسماعيل بن إسحاق القاضي البصري الفقيه المالكي، صاحب قالون، صنّف في القراءات والحديث، وكان عالما في العربية (ت ٢٨٢ هـ). انظر: النشر لابن الجزري ١/ ٣٤، وشذرات الذهب لابن العماد ٢/ ١٧٧.
القراءات في الآية ٣٤ من سورة البقرة
اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية
الْكَافِرِينَ
بالإمالة
بالتقليل
بالفتح
لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ
(للملائكةُ اسجدوا) بمد المتصل 3 حركات ورفع التاء
(للملائكةِ اسجدوا) بمد المتصل 3 حركات وكسر التاء
(للملائكةِ اسجدوا) بمد المتصل 4 أو 5 حركات وكسر التاء
(للملائكةِ اسجدوا) بمد المتصل 4 حركات وكسر التاء
(للملائكةِ اسجدوا) بمد المتصل 6 حركات وكسر التاء
آيات مشابهة للآية ٣٤ من سورة البقرة
مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية
الموضوعات القرآنية للآية ٣٤ من سورة البقرة
٨ موضوعات تتناولها هذه الآية
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٤٨ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
٤٥ قولًاعن عبد الله بن عباس -من طريق طاووس- قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة، اسمه: عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان أشدَّ الملائكة اجتهادًا، وأكثرهم علمًا، فذلك دعاه إلى الكِبر، وكان من حيٍّ يُسَمَّوْن: جِنًّا١
عن عبد الله بن عباس، قال: كان إبليس من أشرف الملائكة، من أكثرهم قبيلة، وكان خازن الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وسلطان الأرض، فرأى أنّ ذلك له عظمة وسلطانًا على أهل السماوات، فأضمر في قلبه من ذلك كِبْرًا لم يعلمه إلا الله، فلمّا أمر الله الملائكة بالسجود لآدم خرج كِبْرُه الذي كان يُسِرُّ١
عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّي، عمَّن حدثه- قال: كان إبليس أمينًا على ملائكة سماء الدنيا، قال: فَهَمَّ بالمعصية، وبَغى، واسْتَكْبَرَ١
عن قتادة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿أبى واستكبر﴾، قال: حَسَدَ عدُوُّ الله إبليسُ آدمَ على ما أعطاه من الكرامة، فقال: أنا ناريٌّ، وهذا طينيٌّ. فكان بدء الذنوب الكِبْر، استكبر عدوُّ الله أن يسجد لآدم١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ﴾، يعني: وتكبر عن السجود لآدم، وإنما أمره الله عز وجل بالسجود لآدم لِما عَلِم الله منه، فأحب أن يُظْهِر ذلك للملائكة ما كان أسَرَّ في نفسه، قال: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢، وص:٧٦]١
عن عبد الله بن عباس: في قوله: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، قال: جعله الله كافرًا لا يستطيع أن يؤمن١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس– في قوله: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، يعني: العاصين١٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، بمثله١
عن عبد الله بن بُرَيْدَة -من طريق صالح بن حَيّان- في قوله: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، قال: من الذين أبَوْا؛ فأحرقتهم النار١
عن محمد بن كعب القُرَظِيِّ -من طريق موسى بن عُبَيْدَة الرَّبَذِيّ- قال: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة، وعمل بعمل الملائكة، فصيَّره إلى ما ابتدأ إليه خلقه من الكفر، قال الله: ﴿وكان من الكافرين﴾١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، قال: من الكافرين الذين لم يخلقهم الله يومئذ، يكونون بعد١
قال مقاتل بن سليمان: كان إبليس من الكافرين الذين أوْجَب الله عز وجل لهم الشقاء في عِلْمِه؛ فمِن ثَمَّ لم يَسْجُد١
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: كان إبليس من أشراف الملائكة، وأكرمهم قبيلة، وكان خازِنًا على الجِنان، وكان له سلطانُ سماء الدّنيا، وكان له سلطانُ الأرض. قال: قال ابن عبّاس: وقوله: ﴿كان من الجنّ﴾ [الكهف: ٥٠]، إنَّما سُمِّي بالجَنّان أنّه كان خازنًا عليها، كما يقال للرّجل: مكّيّ، ومدنيّ، وكوفيّ، وبصريّ، قال ابن جريج: وقال آخرون: هم سِبْطٌ من الملائكة قبيلة، فكان اسم قبيلته: الجِنّ١
عن عبد الله بن عباس -من طريق صالح مولى التَّوْأَمَة- قال: إنّ من الملائكة قبيلًا يُقال لهم: الجن. فكان إبليس منهم، وكان إبليس يَسُوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فمسخه الله شيطانًا رجيمًا١
عن سعيد بن المسيب -من طريق قتادة- قال: كان إبليس رئيسَ ملائكة سماء الدنيا١
قال سعيد بن جبير: مِن الذين يعملون في الجنة١
عن قتادة، قال: كان الحسنُ يقول في قوله: ﴿إلا إبليس كان من الجن﴾ [الكهف:٥٠]: ألْجَأَه إلى نَسَبِه، فقال الله: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني﴾ [الكهف:٥٠] الآية. وهم يَتَوالَدُون كما يَتَوالَدُ بنو آدم١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ﴾ وحده، فاستثنى؛ لَمْ يسجُد١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمة- قال: أمّا العرب فيقولون: ما الجِنُّ إلا كل مَن اجْتَنَّ فلم يُرَ. وأمّا قوله: ﴿إلا إبليس كان من الجن﴾ [الكهف:٥٠] أي: كان من الملائكة، وذلك أن الملائكة اجْتَنُّوا فلم يُرَوْا، وقد قال الله -جَلَّ ثناؤُه-: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون﴾ [الصافات:١٥٨]، وذلك لقول قريش: إنّ الملائكة بنات الله. فيقول الله: إن تكن الملائكة بناتي فإبليس منها، وقد جعلوا بيني وبين إبليس وذريته نَسَبًا. قال: وقد قال الأعشى أعشى بني قيس بن ثَعْلَبَة البَكْرِيّ، وهو يذكر سليمان بن داود وما أعطاه الله: ولو كان شيء خالِدًا أو مُعَمَّرًا لكان سليمان البَرِيَّ من الدَّهْرِ بَراهُ إلهي واصْطَفاه عِبادَه ومَلَّكه ما بين ثُرْيا إلى مِصْر وسَخَّر من جِنِّ الملائكِ تِسْعَةً قيامًا لديه يعملون بلا أجر قال: فأبت العرب في لغتها إلا أنّ الجِنَّ: كُلُّ ما اجْتَنَّ. يقول: ما سَمّى الله الجِنَّ إلا أنّهم اجْتَنُّوا؛ فلم يُرَوْا، وما سَمّى بني آدم: الإنس، إلا أنهم ظهروا فلَم يَجْتَنُّوا، فما ظهر فهو إنس، وما اجْتَنَّ فلم يُرَ فهو جِنٌّ١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- أنه قال: إبليس أبو الجن، كما آدم أبو الإنس١٢٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق يَعْلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير- قال: كان إبليسُ اسمُه: عزازيل، وكان من أشرف الملائكة، من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أُبْلِس بعدُ١
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: إنَّما سُمِّي إبليس لأنّ الله أبْلَسَه من الخير كله؛ آيَسَه منه١٢
عن قتادة: أنّه أبْلَس عن الطاعة١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: كان اسمُ إبليس الحارثَ، وإنَّما سُمِّي إبليس حين أبْلَس فقيرًا١
عن عبد الله بن عباس -من طريق رجل، عن عكرمة- قال: إنّ الله خَلَق خلقًا، فقال: اسجدوا لآدم. فقالوا: لا نفعل. فبعث عليهم نارًا تحرقهم، ثم خَلَق خلقًا آخر، فقال: إني خالق بشرًا من طين، اسجدوا لآدم. فَأَبَوْا، فبعث عليهم نارًا تحرقهم، ثم خلق هؤلاء، فقال: اسجدوا لآدم. فقالوا: نعم. وكان إبليسُ من أولئك الذين أبَوْا أن يسجدوا لآدم١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق شَبِيب بن بِشْر، عن عكرمة- قال: لَمّا خلق الله الملائكة قال: إني خالقٌ بشرًا من طين، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له. فقالوا: لا نفعل. فأرسل عليهم نارًا، فأحرقتهم، وخلق ملائكة أخرى، فقال: إني خالق بشرًا من طين، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له. فأبَوْا؛ فأرسل عليهم نارًا، فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة أخرى، فقال: إني خالق بشرًا من طين، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له. فأبَوْا؛ فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة أخرى، فقال: إني خالقٌ بشرًا من طين، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له. فقالوا: سَمِعْنا، وأطعنا. إلا إبليس كان من الكافرين الأَوَّلِين١
عن سفيان بن عُيَيْنَة -من طريق عمر بن عبد الغفار- أنّه سُئِل عن قوله: «لَيَدْخُلَنَّ الجنة إلا مَن أبى». قال: إلا مَن عصى الله؛ لقوله عز وجل: ﴿فسجدوا إلا إبليس﴾١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ﴾ يعني: وقَدْ ﴿قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ الذين خُلِقُوا من مارِجٍ من نار السَّمُوم١
عن ضَمْرة -من طريق أبي عُمَيْر- قال: سمعتُ من يَذكُر: أنّ أول الملائكة خَرَّ ساجدًا لله حين أُمِرت الملائكةُ بالسجود لآدم إسرافيلُ، فأثابه الله بذلك أن كتب القرآن في جبهته١
عن أنس، قال: قال رسول اللهﷺ: «إن الله أمَرَ آدم بالسجود، فسجد، فقال: لك الجنةُ، ولِمَن سَجَد مِن ولدك. وأمر إبليسَ بالسجود، فأبى أن يسجد، فقال: لك النار، ولِمَن أبى مِن ولدك أن يسجد»١
قال أُبيّ بن كعب: معناه: أقِرُّوا لآدم أنّه خيرٌ وأَكْرَمُ عَلَيَّ مِنكم. فأَقَرُّوا بذلك١
قال ابن مسعود: أمرهم الله تعالى أن يأتمّوا بآدم، فسجدت الملائكة وآدمُ لله ربّ العالمين١
عن عبد الله بن عباس -من طريق قتادة- في قوله: ﴿اسجدوا لآدم﴾، قال: كانت السجدةُ لآدم، والطاعةُ لله١
عن الحسن [البصري] -من طريق عَبّاد بن منصور- في الآية، قال: أمرهم أن يسجدوا، فسجدوا له؛ كرامةً من الله أكرم بها آدم١
عن محمد بن عَبّاد بن جعفر المخزومي، قال: كان سجود الملائكة لآدم إيماءً١
عن قتادة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾، قال: كانت السجدة لآدم، والطاعة لله، أكْرَم اللهُ آدمَ أن أسْجَد له ملائكتَه١٢
عن أبي إبراهيم المزني أنّه سُئِل: عن سجود الملائكة لآدم. فقال: إنّ الله تعالى جعل آدم كالكعبة١٢٣
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح-: جُعِل إبليسُ على مُلْك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن، وإنّما سُمُّوا الجِنَّ لأنهم خُزّان الجنة، وكان إبليس مع مُلْكِه خازِنًا١
عن عبد الله بن عباس -من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير- قال: كان إبليسُ من خُزّان الجنة، وكان يُدَبِّر أمرَ السماء الدنيا١
عن عبد الله بن عباس -من طريق يَعْلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير- قال: كان إبليسُ اسمُه: عزازيلُ، وكان من أشرف الملائكة، من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أُبْلِس بعد١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-، مثله١
عن عبد الله بن عباس -من طريق طاووس- قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة، اسمه: عزازيل، وكان من سُكّان الأرض١
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: كان إبليسُ من حَيٍّ من أحياء الملائكة، يقال لهم: الجن. خُلِقوا من نار السَّموم من بين الملائكة. قال: وكان اسمه الحارث. قال: وكان خازِنًا من خُزّان الجنة. قال: وخُلِقت الملائكة من نورٍ، غيرَ هذا الحَيّ. قال: وخُلِقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التَهَبَتْ١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قول الله: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، قال: الملائكة الذين كانوا في الأرض١
عن عمر بن عبد العزيز، قال: لَمّا أمر الله الملائكة بالسجود لآدم كان أوَّل مَن سجد إسرافيلُ، فأثابه الله أن كتب القرآن في جبهته١
آثار متعلقة بالآية
٣ أقوالعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ ابن آدم السَّجْدَة، فسَجَد؛ اعتزل الشيطان عنه يبكي، فيقول: يا ويلتي، أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنّة، وأُمرت بالسجود فأَبَيْت فَلِي النّار»١
عن جُنادَة بن أبي أُمَيَّة -من طريق مجاهد- قال: أول خطيئة كانت الحسد، حسد إبليسُ آدمَ أن يسجد له حين أمر، فحمله الحسد على المعصية١
عن أبي العالية -من طريق زياد بن الحُصَيْن- قال: لَمّا رَكِب نوحٌ السفينةَ إذا هو بإبليس على كَوْثَلِها١، فقال له: ويحك، قد غرق الناس من أجلك. قال: فما تأمرني؟ قال: تُبْ. قال: سل ربَّك، هل لي من توبة؟ قال: فقيل له: إنّ توبته أن يسجد لقبر آدم. قال: تركته حيًّا وأسجد له ميّتًا؟!٢
وقفات تدبرية في الآية ٣٤ من سورة البقرة
٢٠ وقفةً في هذه الآية
-
إبليس ﴿أبى و استكبر﴾ قوم نوح ﴿أصروا واستكبروا استكبارا﴾ فرعون وقومه ﴿استكبروا وكانوا قوما عالين﴾ الموفق: من علم أن الكبر عن قبول الحق هلاك !.
— نايف الفيصل
-
قال ابن عباس k: إذا كانت خطيئة الرجل في كِبْرٍ فلا تَرْجه، وإذا كانت خطيئته في معصية فارجه؛ فإن خطيئة آدم في معصية، وخطيئة إبليس في كبره.
— الطبري
-
من لطائف اللغة العربية: أن مادة الاتصاف بالكبر لم تجيء منها إلا بصيغة (الاستفعال) أو (التفعل)؛ إشارة إلى أن صاحب صفة الكبر لا يكون إلا متطلبًا الكبر، أو متكلفًا له، وما هو بكبير حقًَا.
— ابن عاشور
-
(إلا إبليس أبى واستكبر)(فما يكون لك أن تتكبر فيها)(لم أكن لأسجد لبشر خلقته... ) (إلا إبليس استكبر) قال ابن جرير رحمه الله : لا يسكن الجنة متكبر عن أمر الله. والكبر هو منشأ أكثر المعاصي وبدايتها الكبر هو بطريقة الحق وغمط الناس
— الطبري
-
قوله تعالى (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) فقال (اسجدوا لآدم) ولم يقل (اسجدوا إلى آدم) وهذا رد على من زعم أن السجود لآدم ليس فيه تفضيل ولا مزية، ففضله الله وكرّمه بسجود الملائكة له ، لذا قال تعالى (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر) لأن ذلك يفضي إلى تعظيمهما
— من لطائف قرآنية
-
تطبيقات تدبرية سورة البقرة أية 34
— مساعد بن سليمان الطيار
-
مجالس في تدبر القران تدبر أية 34 سورة البقرة
— خالد السبت
-
سورة البقرة (34)
— محمد الربيعة
-
( فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) الكِبر هو رأس المعاصي، وأساس كل بلاء ينزل بالخلق، وهو أول معصية عُصِي الله بها.
— مجالس التدبر
-
تالله ما نفعه آدم عز (اسْجُدُوا لِآدَمَ) ولا شرف (وَعَلَّمَ آدَمَ) ولا فخر (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) وإنما انتفع بذل (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا)
— ابن قيم الجوزية (ابن القيم)
-
مسألة: قوله تعالى: " أبى واستكبر وكان من الكافرين " فجاء هنا مجملا وفى بقية السور مفصلا؟ جوابه: لما تقدم التفصيل في السورة المكية أجمله في السورة المدنية وهي البقرة اكتفاء بما تقدم علمه من التفصيل في المكيات.
— كتاب كشف المعاني / لابن جماعة
-
دلالة كلمة ( إبليس ) ف القرآن
— صالح التركي / من لطائف القرآن
و٨ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
فتاوى متعلقة بالآية ٣٤ من سورة البقرة
فتوَيانِ تتعلق بهذه الآية
ترجمات معاني الآية ٣٤ من سورة البقرة
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(34) And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees.[21] He refused and was arrogant and became of the disbelievers.
[21]- The proper name of Satan, who was not an angel but from the jinn, as stated in 18:50 Done in obedience to Allāh, this prostration was one of respect, not worship.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا