جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَقُلْنَا يا آدم اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هََذِهِ الشّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظّالِمِينَ﴾
قال أبو جعفر : وفي هذه الآية دلالة واضحة على صحة قول من قال : إن إبليس أخرج من الجنة بعد الاستكبار عن السجود لآدم، وأسكنها آدم قبل أن يهبط إبليس إلى الأرض ألا تسمعون الله جل ثناؤه يقول : وَقُلْنَا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنةَ وكُلا مِنْهَا رَغدا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظّالِمِينَ فأزَلّهُما الشّيْطانُ عَنْها فأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ. فقد تبين أن إبليس إنما أزلّهما عن طاعة الله، بعد أن لُعن وأظهر التكبر لأن سجود الملائكة لاَدم كان بعد أن نفخ فيه الروح، وحينئذٍ كان امتناع إبليس من السجود له، وعند الامتناع من ذلك حلت عليه اللعنة. كما :
حدثني به موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : أن عدوّ الله إبليس أقسم بعزّة الله ليغوينّ آدم وذريته وزوجه، إلا عباده المخلصين منهم، بعد أن لعنه الله، وبعد أن أخرج من الجنة، وقبل أن يهبط إلى الأرض، ويعلّم الله آدم الأسماء كلها.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : لما فرغ الله من إبليس ومعاتبته، وأبى إلا المعصية، وأوقع عليه اللعنة، ثم أخرجه من الجنة أقبل على آدم وقد علّمه الأسماء كلها، فقال : يا آدَمُ أنْبئْهُمْ بأسْمَائِهِمْ إلى قوله : إنكَ أنْتَ العَلِيم الحَكِيم.
ثم اختلف أهل التأويل في الحال التي خلقت لاَدم زوجته والوقت الذي جعلت له سكنا. فقال ابن عباس بما :
حدثني به موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : فأخرج إبليس من الجنة حين لعن، وأسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وَحْشا ليس له زوج يسكن إليها. فنام نومة فاستيقظ، وإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها : من أنت ؟ فقالت : امرأة، قال : ولم خلقت ؟ قالت : تسكن إليّ. قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ علمه : ما اسمها يا آدم ؟ قال : حوّاء، قالوا : ولم سميت حوّاء ؟ قال : لأنها خُلقت من شيء حيّ. فقال الله له : يا آدَمَ اسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدا حَيْثُ شِئْتُمَا. فهذا الخبر ينبئ عن أن حوّاء خلقت بعد أن سكن آدم الجنة فجُعلت له سكنا.
وقال آخرون : بل خلقت قبل أن يسكن آدم الجنة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال : لما فرغ الله من معاتبة إبليس أقبل على آدم وقد علمه الأسماء كلها، فقال : يا آدَمُ أنْبِئْهُمْ بِأسْمَائِهِمْ إلى قوله : إنّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ. قال : ثم ألقى السّنة على آدم فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، عن عبد الله بن عباس وغيره ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ولأم مكانه لحما وآدم نائم لم يهبّ من نومته حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأة ليسكن إليها. فلما كشف عنه السنة وهبّ من نومته رآها إلى جنبه، فقال فيما يزعمون والله أعلم : لحمي ودمي وزوجتي. فسكن إليها. فلما زوّجه الله تبارك وتعالى وجعل له سكنا من نفسه، قال له، فتلا : يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وَزَجُكَ الجَنّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبا هَذِهِ الشّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظّالِمِينَ.
قال أبو جعفر : ويقال لامرأة الرجل زوجه وزوجته، والزوجة بالهاء أكثر في كلام العرب منها بغير الهاء، والزوج بغير الهاء يقال إنه لغة لأزد شنوءة. فأما الزوج الذي لا اختلاف فيه بين العرب فهو زوج المرأة.

القول في تأويل قوله تعالى : وكُلاَ مِنْهَا رَغَدا حَيْثُ شِئْتُمَا.


قال أبو جعفر : أما الرغد، فإنه الواسع من العيش، الهنيء الذي لا يُعَنّي صاحبه، يقال : أرغد فلان : إذا أصاب واسعا من العيش الهنيء، كما قال امرؤ القيس بن حجر :
بَيْنَمَا المَرْؤُ تَرَاهُ ناعِمايَأمَنُ الأحْدَاثَ فِي عَيْش رَغَدْ
وحدثني به موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : وكُلاَ مِنْهَا رَغَدا قال : الرغد : الهنيء.
وحدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : رَغَدا قال : لا حساب عليهم.
وحدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد : وكُلا مِنْهَا رَغَدا أي لا حساب عليهم.
وحدثت عن المنجاب بن الحارث، قال : حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس : وكُلا مِنْها رَغَدا حَيْثُ شِئْتُمَا قال : الرغد : سعة المعيشة.
فمعنى الآية : وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا من الجنة رزقا واسعا هنيئا من العيش حيث شئتما. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد عن قتادة قوله : يا آدَم اسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنّةَ وكُلا مِنْهَا رَغَدا حَيْثُ شِئْتُما ثم إن البلاء الذي كتب على الخلق كتب على آدم كما ابتُلي الخلق قبله أن الله جل ثناؤه أحلّ له ما في الجنة أن يأكل منها رغدا حيث شاء غير شجرة واحدة نُهي عنها. وقدم إليه فيها، فما زال به البلاء حتى وقع بالذي نُهي عنه.

القول في تأويل قوله تعالى : وَلاَ تَقْرَبا هَذِهِ الشجرَةَ.


قال أبو جعفر : والشجر في كلام العرب : كل ما قام على ساق، ومنه قول الله جل ثناؤه : وَالنّجمُ وَالشّجَرُ يَسْجُدَانِ يعني بالنجم : ما نجم من الأرض من نبت. وبالشجر : ما استقلّ على ساق.
ثم اختلف أهل التأويل في عين الشجرة التي نُهي عن أكل ثمرها آدم، فقال بعضهم هي السنبلة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي. قال : حدثنا عبد الحميد الحماني، عن النضر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : الشجرة التي نُهي عن أكل ثمرها آدمُ هي السنبلة.
وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمران بن عتيبة جميعا، عن حصين، عن أبي مالك في قوله : وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشّجَرَةَ قال : هي السنبلة.
وحدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا ابن مهدي، وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قالا جميعا : حدثنا سفيان عن حصين عن أبي مالك، مثله.
وحدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت أبي عن عطية في قوله : وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشّجَرَةَ قال : السنبلة.
وحدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد عن سعيد، عن قتادة قال : الشجرة التي نُهي عنها آدم هي السنبلة.
وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم. قال : حدثنا القاسم، قال : حدثني رجل من بني تميم أن ابن عباس كتب إلى أبي الخَلْد يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدم والشجرة التي تاب عندها، فكتب إليه أبو الخلد : سألتني عن الشجرة التي نُهي عنها آدم، وهي السنبلة. وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم، وهي الزيتونة.
وحدثنا ابن حميد. قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن رجل من أهل العلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، أنه كان يقول : الشجرة التي نُهي عنها آدم : البُرّ.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة. وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : كانت الشجرة التي نُهي الله عنها آدم وزوجته السنبلة.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة. عن ابن إسحاق، عن بعض أهل اليمن، عن وهب بن منبه اليماني أنه كان يقول : هي البرّ ولكن الحبة منها في الجنة ككُلَى البقر ألين من الزبد وأحلى من العسل. وأهل التوراة يقولون : هي البرّ.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثني محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة : أنه حدث أنها الشجرة التي تحتكّ بها الملائكة للخُلْد.
وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن يمان عن جابر بن يزيد بن رفاعة، عن محارب بن دثار قال : هي السنبلة.
وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن، قال : هي السنبلة التي جعلها الله رزقا لولده في الدنيا.
قال أبو جعفر، وقال آخرون : هي الكرمة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس، قال : هي الكرمة.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشّجَرَةَ قال : هي الكرمة. وتزعم اليهود أنها الحنطة.
وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، قال : الشجرة هي الكرم.
وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، عن جعدة بن هبيرة، قال : هو العنب في قوله : وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشّجَرَةَ.
وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثني أبي، عن خلاد الصفار، عن بيان، عن الشعبي، عن جعدة بن هبيرة : وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشّجَرَةَ قال : الكرم.
وحدثنا ابن المثنى، قال : حدثني الحسين، قال : حدثنا خالد الواسطي، عن بيان، عن الشعبي، عن جعدة بن هبيرة : وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشّجَرَةَ قال : الكرم.
وحدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن جعدة بن هبيرة، قال : الشجرة التي نُهي عنها آدم : شجرة الخمر.
وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : حدثنا عباد بن العوّام، قال : حدثنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير قوله : وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشّجَرَةَ قال : الكرم.
وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن السدي، قال : العنب.
وحدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، قال : عنب.
وقال آخرون : هي التّينة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى