جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿فَأَزَلّهُمَا الشّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرّ وَمَتَاعٌ إِلَىَ حِينٍ﴾
قال أبو جعفر : اختلف القرّاء في قراءة ذلك فقرأته عامتهم : فأزلّهما بتشديد اللام، بمعنى استزلهما من قولك : زلّ الرجل في دينه : إذا هفا فيه وأخطأ فأتى ما ليس له إتيانه فيه، وأزلّه غيره : إذا سبب له ما يزلّ من آجله في دينه أو دنياه. ولذلك أضاف الله تعالى ذكره إلى إبليس خروج آدم وزوجته من الجنة فقال : فأخْرَجَهُما يعني إبليس مِمّا كانا فِيهِ لأنه كان الذي سبب لهما الخطيئة التي عاقبهما الله عليها بإخراجهما من الجنة.
وقرأه آخرون :«فأزالهما »، بمعنى إزالة الشيء عن الشيء، وذلك تنحيته عنه.
وقد رُوي عن ابن عباس في تأويل قوله فأزَلّهما ما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج : قال : قال ابن عباس في تأويل قوله تعالى : فأزَلّهُما الشّيطان قال : أغواهما.
وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ : فأزَلّهُما لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في الحرف الذي يتلوه بأن إبليس أخرجهما مما كانا فيه، وذلك هو معنى قوله فأزالهما، فلا وجه إذ كان معنى الإزالة معنى التنحية والإخراج أن يقال :«فأزالهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه »، فيكون كقوله :«فأزالهما الشيطان عنها فأزالهما مما كانا فيه »، ولكن المعنى المفهوم أن يقال : فاستزلهما إبليس عن طاعة الله، كما قال جل ثناؤه : فأزلّهُما الشّيْطانُ وقرأت به القراء، فأخرجهما باستزلاله إياهما من الجنة.
فإن قال لنا قائل : وكيف كان استزلال إبليس آدم وزوجته حتى أضيف إليه إخراجهما من الجنة ؟ قيل : قد قالت العلماء في ذلك أقوالاً سنذكر بعضها. فحكي عن وهب بن منبه في ذلك ما :
حدثنا به الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهرب، قال : سمعت وهب بن منبه يقول : لما أسكن الله آدم وذرّيته، أو زوجته، الشك من أبي جعفر، وهو في أصل كتابه : وذرّيته ونهاه عن الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها في بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الثمرة التي نهى الله آدم عنها وزوجته. فلما أراد إبليس أن يستزلهما دخل في جوف الحية، وكانت للحية أربع قوائم كأنها بُخْتية من أحسن دابة خلقها الله. فلما دخلت الحية الجنة، خرج من جوفها إبليس، فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، فجاء بها إلى حوّاء، فقال : انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها فأخذت حوّاء فأكلت منها، ثم ذهبت بها إلى آدم، فقالت : انظر إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها فأكل منها آدم، فبدت لهما سوآتهما، فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربه : يا آدم أين أنت ؟ قال : أنا هنا يا رب، قال : ألا تخرج : قال : أستحيي منك يا ربّ، قال : ملعونة الأرض التي خلقت منها لعنة يتحوّل ثمرها شوكا. قال : ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجرة كان أفضل من الطلح والسدر ثم قال : يا حوّاء أنت التي غررت عبدي، فإنك لا تحملين حملاً إلا حملته كرها، فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك أشرفت على الموت مرارا. وقال للحية : أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غرّ عبدي، ملعونة أنت لعنة تتحوّل قوائمك في بطنك، ولا يكن لك رزق إلا التراب، أنت عدوة بني آدم وهم أعداؤك حيث لقيت أحدا منهم أخذت بعقبه، وحيث لقيك شدخ رأسك.
قال عمر : قيل لوهب : وما كانت الملائكة تأكل ؟ قال : يفعل الله ما يشاء.
ورُوي عن ابن عباس نحو هذه القصة.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : لما قال الله لآدم : اسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنّةَ وكُلا مِنْهَا رَغَدا حَيْثُ شئْتُما وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة فمنعته الخزنة، فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البعير، وهي كأحسن الدوابّ، فكلمها أن تدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخلته في فمها، فمرّت الحية على الخزنة فدخلت ولا يعلمون لما أراد الله من الأمر، فكلمه من فمها فلم يبال بكلامه، فخرج إليه فقال : يا آدم هَلْ أَدُلّكَ على شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى يقول : هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت ملكا مثل الله عزّ وجل، أو تكونا من الخالدين فلا تموتان أبدا. وحلف لهما بالله إني لَكُمَا لَمِنَ النّاصِحِينَ. وإنما أراد بذلك ليبدي لهما ما توارى عنهما من سوآتهما بهتك لباسهما. وكان قد علم أن لهما سوأة لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك، وكان لباسهما الظفر. فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حوّاء فأكلت، ثم قالت : يا آدم كل فإني قد أكلت فلم يضرّني. فلما أكل آدم بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهما وَطَفِقَا يَخْصِفانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الجَنّةِ.
وحدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال : حدثني محدّث أن الشيطان دخل الجنة في صورة دابة ذات قوائم، فكان يرى أنه البعير. قال : فلعن فسقطت قوائمه، فصار حية.
وحدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال : وحدثني أبو العالية أن من الإبل ما كان أولها من الجنّ، قال : فأبيحت له الجنة كلها إلا الشجرة، وقيل لهما : لا تَقْرَبا هذهِ الشّجرَةَ فتكُونا منَ الظالمينَ قال : فأتى الشيطان حوّاء فبدأ بها فقال : أنهيتما عن شيء ؟ قالت : نعم، عن هذه الشجرة. فقال : ما نَهاكُما رَبّكُما عَنْ هَذِهِ الشّجَرَةِ إلاّ أنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ. قال : فبدأت حوّاء فأكلت منها، ثم أمرت آدم فأكل منها. قال : وكانت شجرة من أكل منها أحدث. قال : ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث. قال : فأزَلّهُما الشّيْطَانُ عَنْها فأخْرجَهُما مِمّا كانَا فِيهِ قال : فاخرج آدم من الجنة.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم : أن آدم حين دخل الجنة ورأى ما فيها من الكرامة وما أعطاه الله منها، قال : لو أن خُلْدا كان فاغتنمها منه الشيطان لما سمعها منه، فأتاه من قِبَل الخُلْد.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : حدثت أن أوّل ما ابتدأهما به من كيده إياهما أنه ناح عليهما نياحة أحزنتهما حين سمعاها، فقالا له : ما يبكيك ؟ قال : أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة والكرامة. فوقع ذلك في أنفسهما. ثم أتاهما فوسوس إليهما، فقال : يا آدمَ هَلْ أدُلّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى وقال : مَا نَهاكُما رَبّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشّجَرَةِ إلاّ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونَا مِنَ الخالِدِينَ وقاسَمَهُما إنّي لَكُما لمِنَ النّاصِحِينَ أي تكونا ملكين أو تخلدا إن لم تكونا ملكين في نعمة الجنة فلا تموتان، يقول الله جل ثناؤه : فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ.
وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : وسوس الشيطان إلى حوّاء في الشجرة حتى أتى بها إليها، ثم حسّنها في عين آدم. قال : فدعاها آدم لحاجته، قالت : لا، إلا أن تأتي ههنا. فلما أتى قالت : لا، إلا أن تأكل من هذه الشجرة، قال : فأكلا منها فبدت لما سوآتهما. قال : وذهب آدم هاربا في الجنة، فناداه ربه : يا آدم أمني تفرّ ؟ قال : لا يا ربّ، ولكن حياءً منك. قال : يا آدم أنّى أُتيت ؟ قال : من قبل حوّاء أي ربّ. فقال الله : فإن لها عليّ أن أدميها في كل شهر مرة كما أدميت هذه الشجرة، وأن أجعلها سفيهة، فقد كنت خلقتها حليمة، وأن أجعلها تحمل كرها وتضع كرها، فقد كنت جعلتها تحمل يسرا وتضع يسرا.
قال ابن زيد : ولولا البلية التي أصابت حوّاء لكان نساء الدنيا لا يحضن، ولكنّ حليمات، وكنّ يحملن يُسْرا ويضعن يُسْرا.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن سعيد بن المسيب، قال : سمعته يحلف بالله ما يستثني ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن حوّاء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته إليها فأكل.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن ليث بن أبي سليم، عن طاوس اليماني، عن ابن عباس، قال : إن عدوّ الله إبليس عرض نفسه على دوابّ الأرض أنها تحمله حتى يدخل الجنة معها، ويكلم آدم وزوجته، فكل الدوابّ أبى ذلك عليه، حتى كلم الحية فقال لها : أمنعك من ابن آدم، فأنت في ذمتي إن أنت أدخلتني الجنة فجعلته بين نابين من أنيابها، ثم دخلت به. فكلمهما من فيها، وكانت كاسية تمشي على أربع قوائم، فأعراها الله، وجعلها تمشي على بطنها. قال : يقول ابن عباس : اقتلوها حيث وجدتموها، اخفروا ذمة عدوّ الله فيها.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : قال ابن إسحاق : وأهل التوراة يدرسون : إنما كلّم آدم الحية، ولم يفسروا كتفسير ابن عباس.
وحدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، قال : نهى الله آدم وحوّاء أن يأكلا من شجرة واحدة في الجنة ويأكلا منها رغدا حيث شاآ. فجاء الشيطان فدخل في جوف الحية، فكلم حواء، ووسوس الشيطان إلى آدم، فقال : ما نَهاكُما رَبكُما عَنْ هَذِهِ الشّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ وَقَاسَمَهُما إنّي لَكُما لمِنَ النّاصِحِينَ قال : فعضت حواء الشجرة، فدميت الشجرة وسقط عنهما رياشهما الذي كان عليهما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما منْ وَرَقِ الجَنةِ وَنادَاهُما رَبهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تلْكُما الشجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنّ الشّيْطانَ لَكُما عَدوّ مُبينٌ لم أكلتها وقد نهيتك عنها ؟ قال : يا ربّ أطعمتني حوّاء. قال لحوّاء : لم أطعمته ؟ قالت : أمرتني الحية. قال للحية : لم أمرتها ؟ قالت : أمرني إبليس. قال : ملعون مدحور أما أنت يا حوّاء فكما أدميت الشجرة فتَدْمين في كل هلال. وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين جريا على وجهك، وسيشدخ رأسك من لقيك بالحجر اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ.
قال أبو جعفر : وقد رويت هذه الأخبار عمن رويناها عنه من الصحابة والتابعين وغيرهم في صفة استزلال إبليس عدوّ الله آدم وزوجته حتى أخرجهما من الجنة.
وأولى ذلك بالحقّ عندنا، ما كان لكتاب الله موافقا، وقد أخبر الله تعالى ذكره عن إبليس أنه وسوس لاَدم وزوجته ليبدي لهما ما وورى عنهما من سوآتهما، وأنه قال لهما : ما نَهاكُما رَبّكُما عَنْ هَذِهِ الشجَرَةِ إلاّ أنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونَا مِنَ الخالِدِينَ وأنه قاسمهما إني لكما لمن الناصحي