اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
الجملة من قوله :﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ معطوفة على جملة " إذْ قُلْنَا " لا على " قلنا " وحده لاختلاف زمنيهما.
و " أنت " توكيد للضمير المُسْتَكِنّ في " اسكن " ليصح العطف عليه(١) " وزوجك " عطف عليه، هذا هو مذهب البَصْريين، أعني اشتراط الفعل بين المُتَعَاطفين إذا كان المعطوف عليه ضميراً مرفوعاً متصلاً، ولا يشترط أن يكون الفاصل توكيداً ؛ بل أي فصل كان، نحو :﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨].
وأما الكوفيون فيجيزون ذلك من غير فاصل ؛ وأنشدوا :[ الخفيف ]
وهذا عند البصريين ضرورة لا يقاس عليه، وقد منع بعضهم أن يكون " زوجك " عطفاً على الضمير المستكن في " اسكن "، وجعله من عطف الجُمَلِ، بمعنى أن يكون " زوجك " مرفوعاً بفعل محذوف، أي : وَلْتَسْكُنْ زَوْجُكَ، فحذف لدلالة " اسكن " عليه(٣)، ونظيره قوله :﴿لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ﴾ [طه: ٥٨] وزعم أنه مذهب سيبويه، وكان شبهته في ذلك أن من حَقّ المعطوف حلوله محل المعطوف عليه، ولا يصح هنا حلول " زوجك " محلّ الضمير لأنّ فاعل فعل الأمر الواحد المذكور نحو :" قُمْ واسْكُن " لا يكون إلا ضميراً مستتراً وكذلك فاعل يفعل، فكيف يصح وقوع الظاهر المضمر الذي قبله ؟ وهذا الذي يزعم ليس بشيء ؛ لأنَّ مذهب سيبويه بنصّه يخالفه ؛ ولأنه لا خلاف في صحّة " تقوم هند وزيد " ولا يصحّ مُبَاشرة " زيد " لا " تقوم " لتأنيثه.
و " السُّكُون " و " السُّكْنَى " : الاستقرار، ومنه " المِسْكِينُ " لعدم حركته وتصرّفه، والسِّكين لأنها تقطع حركة المَذْبوح، والسَّكينة لأن بها يذهب القَلَقُ.
وسكّان السفينة عربي لأنه يسكنها عن الاضطراب، والسّكن : النار.
قال الشاعر :[ مشطور السريع ]
و " الجَنّ " : مفعول به لا ظرف، نحو :" سكنت الدَّار ".
وقيل : هي ظَرْف على الاتساع، وكان الأصل تعديته إليها ب " في " لكونها ظرف مكان مختصّ، وما بعد القول منصوب به.
اختلفوا في قوله :" اسكن " هل هو أمر أو إباحة ؟
فروي عن قتادة : أن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابْتَلَى الملائكة بالسُّجود، وذلك لأن كلفه بأن يكون في الجنّة يأكل منها حيث شاء، ونهاه عن شجرة واحدة.
وقال آخرون : إن ذلك إباحة.
والصحيح أن ذلك الإسكان مشتمل على إباحة، وهي الانتفاع بجميع نعم الجنة وعلى تكليف، وهو النهي عن أَكْلِ الشجرة.
قال بعضهم : قوله :" اسكن " تنبيه عن الخُرُوجِ ؛ لأن السُّكْنَى لا تكون ملكاً ؛ لأن من أسكن رجلاً مَسْكناً له فإنه لا يملكه بالسُّكنى، وأن له أن يخرجه منه إذا انقضت مدة الإسكان، وكان " الشَّعْبِيّ " يقول : إذا قال الرجل : داري لك سُكْنَى حتى تموت، فهي له حياته وموته، وإذا قال : داري هذه اسْكُنْهَا حتى تموت، فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مَاتَ، ونحو السُّكنى العُمْرَى، إلا أن الخلاف في العُمْرَى أقوى منه في السُّكنى.
قال " الحربي " : سمعت " ابن الأعرابي " يقول : لم يختلف العَرَبُ في أنّ هذه الأشياء على ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له العُمْرَى والرُّقْبَى والإفقار والإخْبَال والمِنْحَة والعَرِيّة والسُّكْنَى والإطْرَاق.
اختلفوا في الوَقْتِ الذي خلقت زوجته فيه، فذكر " السّدي " عن ابن مسعود، وابن عباس، وناس من الصَّحابة رضي الله عنهم : أن الله - تعالى - لما أخرج " إبليس " من الجنة، وأسكن آدم بقي فيها وَحْدَهُ ما كان معه مَنْ يستأنس به، فألقى الله - تعالى - عليه النَّوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقِّهِ الأيسر، ووضع مكانه لحماً، وخلق حواء منه، فلما استيقظ وَجَدَ عند رأسه امرأةً قاعدةً فسألها ما أنت ؟ قالت : امرأة. قال : ولم خُلِقْتِ ؟ قالت لتسكن إليَّ فقالت الملائكة : لنجرب علمه من عنده، قال : امرأة، قيل : ولم سميت امرأة ؟ قال : لأنها من المرأء أخذت، فقالوا له : ما اسمها ؟ قال : حَوّاء، قالوا : ولم سميت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من حََيّ(٥).
وعن " ابن عباس " رضي الله عنهما قال :" بعث الله جنداً من الملائكة، فحملوا آدم وحَوّاء - عليهما الصَّلاة والسَّلام - على سَرِيْرٍ من ذهب كما يحمل الملوك، ولباسهما النور حتى أدخلا الجنّة ".
فهذا الخبر يدلّ على أن حواء خلقت قبل إدخالهما الجنة.
روى الحسن عن رسول الله ﷺ - أنه قال :" إنَّ المرأة خلقت من ضِلع الرَّجُل، فإذا أردت تَقْوِيمَهَا كَسَرْتَهَا، وإن تركتها انْتَفَعْتَ بها واسْتَقَامَتْ " (٦)، وهذا القول منقول " عن أبي بن كعب، وابن عباس، ووهب بن منبه، وسفيان بن عُيَيْنَةَ ".
واختاره ابن قتيبة في " المَغَازي "، [ والقاضي منذر بن سعيد البلوطي ](٧) وحكاه عن " أبي حنيفة " وأصحابه، وهو نصّ التوراة التي بأيدي أهل الكتاب.
وفي رواية :" وإن أَعْوَجَ شَيءٍ في الضِّلَعِ أَعْلاَهُ ؛ لن تستقيم لك على طَرِيقَةٍ واحدة، فإن اسْتَمْتََعْتَ بها، استمتعت وبها عِوَجٌ، وإن ذهبت تُقِيمُهَا كَسْرَتَهَا، وكَسْرُهَا طَلاَقُهَا " ؛ وقال الشاعر :[ الطويل ]
اختلفوا في هذه الجنة هل كانت في الأرض أو في السماء ؟ وبتقدير أنها كانت في السَّمَاء، فهل هي دار ثواب أو جنّة الخُلْدِ ؟
فقال أبو القاسم البَلْخِيّ، وأبو مسلم الأصفهاني : هذه الجنة كانت في الأرض وحملا الإهباط على الانتقال من بُقْعَةٍ إلى بُقْعَةٍ كما في قوله :﴿اهْبِطُواْ مِصْراً﴾ [البقرة: ٦١] واحتجّا عليه بوجوه :
أحدها : أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغُرُورُ من " إبليس " ولما صحّ قوله :﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠].
وثانيها : أن من دخل هذه الجَنَّة لا يخرج منها لقوله تعالى :﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨].
وثالثها : أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله أن يصل إلى جنة الخلد.
ورابعها : أن جنة الخلد لا يفنى نعيمها لقوله :﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ إلى أن قال :﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أي : غير مقطوع.
وخامسها : لا نزاع في أن الله - تعالى - خلق آدم في الأَرْضِ، ولم يذكر في هذه القصّة أنه نقله إلى السماء، ولو كان - تعالى - قد نقله إلى السَّماء لكان أولى بالذكر ؛ لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدلّ على أن ذلك لم يحصل، وذلك يوجب أن هذه الجنّة غير جنّة الخلد.
وقال " الجُبَّائي " : أن تلك الجَنّة كانت في السَّمَاء السَّابعة، والدليل عليه قوله :" اهْبِطُوا مِنْهَا " ثم إنّ الإهباط الأول كان من السَّماء السَّابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان مِنَ السماء إلى الأرض.
وقال أكثر العلماء : إنها دَارُ الثواب ؛ لأنَّ الألف واللام في لفظ الجَنّة لا يفيدان العموم ؛ لأن سكون جميع الجِنَان مُحَال، فلا بد من صرفها إلى المَعْهُود السّابق، وجنّة الخلد هي المعهودة بين المسلمين، فوجب صرف اللفظ إليها.
وقال بعضهم : الكُلّ ممكن، والأدلّة النقلية ضعيفة ومتعارضة، فوجب التوقُّف وترك القطع، والله أعلم.
قوله :﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً﴾ هذه الجملة عطف على " اسْكُن "، فهي في محلّ نصب بالقول، وأصل " كُلْ " :" اؤكل " بهمزتين : الأولى همزة وصل، والثانية فاء الكلمة، فلو جاءت هذه الكلمة على الأصل لقيل : أوكُل بإبدال الثانية حرفاً مجانساً لحركة ما قبلها، إلاّ أن العرب حذفت فاءه في الأمر تخفيفاً، فاستغنت حينئذ عن همزة الوَصْلِ، فوزنه " عُلْ " ومثله :" خُذْ " و " مُرْ "، ولا يقاس على هذه الأفعال غيرها، فلا تقول : من " أَجَرَ - جُر " ولا تَرَدُّ العرب هذه الفاء في العَطْفِ، بل تقول :" قم وخذ وكل " إلاَّ " مُرْ "، فإن الكثير رَدّ فاءه بعد الواو والفاء، قال تعالى :﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ [طه: ١٣٢]، وعدم الرد قليل.
وحكى سيبويه " اؤكل " على الأصل، وهو شاذّ.
وقال " ابن عطية " (٩) : حذفت النون من " كُلا " للأمر.
وهذه العِبَارَةُ موهمةٌ لمذهب الكوفيين من أنّ الأمر عندهم معرب على التدريج، وهو عند البصريين محمول على المجزوم، فإن سكن المجزوم سكن الأمر منه، وإن حذف منه حرف حذف من الأمر.
و " منها " متعلّق به، و " من " للتبعيض، ولا بُدّ من حذف مضاف أي : من ثمارها ويجوز أن تكون " من " لابتداء الغاية، وهو حسن.
فإن قيل : ما الحكمة في عطفه هنا " وَكُلاَ " بالواو، وفي " الأعراف " بالفاء ؟
والجواب : كلّ فعل عطف عليه شيء، وكان الفعل بمنزلة الشَّرط، وذلك الشَّيء بمنزلة الجزاء، عطف الثَّاني على الأوّل بالفاء دون الواو، كقوله تعالى :﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا﴾
[البقرة: ٥٨] فعطف " كلوا " على " ادخلوا " بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقاً بدخولها فكأنه قال : إن دخلتموها أكلتم منها، فالدُّخول موصل إلى الأَكْل، والأكل متعلّق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله في سورة " الأعراف " :﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ﴾ [الأعراف: ١٦١] فعطف " كلوا " على قوله :" اسكنوا " بالواو دون الفاء ؛ لأن " اسكنوا " من السُّكْنَى، وهو المقام مع طول اللّبْث والأكل لا يختص وجوده بوجوده ؛ لأن من دخل بستاناً قد يأكل منه، وإن كان مجتازاً، فلما لم يتعلّق الثاني بالأول تعلّق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء. إذا ثبت هذا فقوله :" اسكن " يقال لمن أراد منه، الزم المَكَان الذي دخلته، فلا تنفك عنه، ويقال أيضاً لمن لم يدخله : اسكن هذا المكان يعني : ادخله واسكن فيه، فقوله في سورة البقرة :﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ﴾ إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنّة، فكان المُرَادُ منه اللُّبْث والاستقرار، وقد بَيَّنَّا أن الأكل لا يتعلّق به، فلهذا ورد بلفظ الواو، وفي سورة " الأعراف " هذا الأمر إنما ورد قبل دخول الجَنّة، فكان المراد منه دخول الجنة، وقد بينا أن الأَكْلَ متعلّق به، فلهذا ورد بلفظ الفاء، والله أعلم.
و " رَغَداً " نعت لمصدر مَحْذوف، وقد تقدم أن مذهب سيبويه في هذا ونحوه أن ينتصب حالاً.
وقيل : هو مصدرٌ في موضع الحال أي : كُلاَ طَيِّبَيْنِ مُهَنَّأَيْنِ.
وقرأ النَّخَعِي(١٠) : وابن و
و " أنت " توكيد للضمير المُسْتَكِنّ في " اسكن " ليصح العطف عليه(١) " وزوجك " عطف عليه، هذا هو مذهب البَصْريين، أعني اشتراط الفعل بين المُتَعَاطفين إذا كان المعطوف عليه ضميراً مرفوعاً متصلاً، ولا يشترط أن يكون الفاصل توكيداً ؛ بل أي فصل كان، نحو :﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨].
وأما الكوفيون فيجيزون ذلك من غير فاصل ؛ وأنشدوا :[ الخفيف ]
| قُلْتُ إذْ أَقْبَلَتْ وَزُهْرٌ تَهَادَى | كَنِعَاجِ الفَلاَ تَعَسَّفْنَ رَمْلا(٢) |
و " السُّكُون " و " السُّكْنَى " : الاستقرار، ومنه " المِسْكِينُ " لعدم حركته وتصرّفه، والسِّكين لأنها تقطع حركة المَذْبوح، والسَّكينة لأن بها يذهب القَلَقُ.
وسكّان السفينة عربي لأنه يسكنها عن الاضطراب، والسّكن : النار.
قال الشاعر :[ مشطور السريع ]
| . . . . . . . . . . . . . . . . . . . | قَدْ قُوِّمَتْ بِسَكَنٍ وَأَدْهَانْ(٤) |
وقيل : هي ظَرْف على الاتساع، وكان الأصل تعديته إليها ب " في " لكونها ظرف مكان مختصّ، وما بعد القول منصوب به.
فصل في بيان هل الأمر في الآية للإباحة أو لغير ذلك
اختلفوا في قوله :" اسكن " هل هو أمر أو إباحة ؟
فروي عن قتادة : أن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابْتَلَى الملائكة بالسُّجود، وذلك لأن كلفه بأن يكون في الجنّة يأكل منها حيث شاء، ونهاه عن شجرة واحدة.
وقال آخرون : إن ذلك إباحة.
والصحيح أن ذلك الإسكان مشتمل على إباحة، وهي الانتفاع بجميع نعم الجنة وعلى تكليف، وهو النهي عن أَكْلِ الشجرة.
قال بعضهم : قوله :" اسكن " تنبيه عن الخُرُوجِ ؛ لأن السُّكْنَى لا تكون ملكاً ؛ لأن من أسكن رجلاً مَسْكناً له فإنه لا يملكه بالسُّكنى، وأن له أن يخرجه منه إذا انقضت مدة الإسكان، وكان " الشَّعْبِيّ " يقول : إذا قال الرجل : داري لك سُكْنَى حتى تموت، فهي له حياته وموته، وإذا قال : داري هذه اسْكُنْهَا حتى تموت، فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مَاتَ، ونحو السُّكنى العُمْرَى، إلا أن الخلاف في العُمْرَى أقوى منه في السُّكنى.
قال " الحربي " : سمعت " ابن الأعرابي " يقول : لم يختلف العَرَبُ في أنّ هذه الأشياء على ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له العُمْرَى والرُّقْبَى والإفقار والإخْبَال والمِنْحَة والعَرِيّة والسُّكْنَى والإطْرَاق.
فصل في وقت خلق حواء
اختلفوا في الوَقْتِ الذي خلقت زوجته فيه، فذكر " السّدي " عن ابن مسعود، وابن عباس، وناس من الصَّحابة رضي الله عنهم : أن الله - تعالى - لما أخرج " إبليس " من الجنة، وأسكن آدم بقي فيها وَحْدَهُ ما كان معه مَنْ يستأنس به، فألقى الله - تعالى - عليه النَّوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقِّهِ الأيسر، ووضع مكانه لحماً، وخلق حواء منه، فلما استيقظ وَجَدَ عند رأسه امرأةً قاعدةً فسألها ما أنت ؟ قالت : امرأة. قال : ولم خُلِقْتِ ؟ قالت لتسكن إليَّ فقالت الملائكة : لنجرب علمه من عنده، قال : امرأة، قيل : ولم سميت امرأة ؟ قال : لأنها من المرأء أخذت، فقالوا له : ما اسمها ؟ قال : حَوّاء، قالوا : ولم سميت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من حََيّ(٥).
وعن " ابن عباس " رضي الله عنهما قال :" بعث الله جنداً من الملائكة، فحملوا آدم وحَوّاء - عليهما الصَّلاة والسَّلام - على سَرِيْرٍ من ذهب كما يحمل الملوك، ولباسهما النور حتى أدخلا الجنّة ".
فهذا الخبر يدلّ على أن حواء خلقت قبل إدخالهما الجنة.
روى الحسن عن رسول الله ﷺ - أنه قال :" إنَّ المرأة خلقت من ضِلع الرَّجُل، فإذا أردت تَقْوِيمَهَا كَسَرْتَهَا، وإن تركتها انْتَفَعْتَ بها واسْتَقَامَتْ " (٦)، وهذا القول منقول " عن أبي بن كعب، وابن عباس، ووهب بن منبه، وسفيان بن عُيَيْنَةَ ".
واختاره ابن قتيبة في " المَغَازي "، [ والقاضي منذر بن سعيد البلوطي ](٧) وحكاه عن " أبي حنيفة " وأصحابه، وهو نصّ التوراة التي بأيدي أهل الكتاب.
وفي رواية :" وإن أَعْوَجَ شَيءٍ في الضِّلَعِ أَعْلاَهُ ؛ لن تستقيم لك على طَرِيقَةٍ واحدة، فإن اسْتَمْتََعْتَ بها، استمتعت وبها عِوَجٌ، وإن ذهبت تُقِيمُهَا كَسْرَتَهَا، وكَسْرُهَا طَلاَقُهَا " ؛ وقال الشاعر :[ الطويل ]
| هِيَ الضِّلَعُ العَوْجَاءُ لَسْتَ تُقِيمُهَا | أَلاَ إِنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ انْكِسَارُهَا |
| أَتَجْمَعُ ضَعْفاً وَاقْتِداراً عَلَى الفَتَى | أَلَيْسَ عَجِيباً ضَعْفُهَا وَاقْتِدَارُهَا(٨) |
فصل في بيان خلافهم في الجنة المقصودة
اختلفوا في هذه الجنة هل كانت في الأرض أو في السماء ؟ وبتقدير أنها كانت في السَّمَاء، فهل هي دار ثواب أو جنّة الخُلْدِ ؟
فقال أبو القاسم البَلْخِيّ، وأبو مسلم الأصفهاني : هذه الجنة كانت في الأرض وحملا الإهباط على الانتقال من بُقْعَةٍ إلى بُقْعَةٍ كما في قوله :﴿اهْبِطُواْ مِصْراً﴾ [البقرة: ٦١] واحتجّا عليه بوجوه :
أحدها : أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغُرُورُ من " إبليس " ولما صحّ قوله :﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠].
وثانيها : أن من دخل هذه الجَنَّة لا يخرج منها لقوله تعالى :﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨].
وثالثها : أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله أن يصل إلى جنة الخلد.
ورابعها : أن جنة الخلد لا يفنى نعيمها لقوله :﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ إلى أن قال :﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أي : غير مقطوع.
وخامسها : لا نزاع في أن الله - تعالى - خلق آدم في الأَرْضِ، ولم يذكر في هذه القصّة أنه نقله إلى السماء، ولو كان - تعالى - قد نقله إلى السَّماء لكان أولى بالذكر ؛ لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدلّ على أن ذلك لم يحصل، وذلك يوجب أن هذه الجنّة غير جنّة الخلد.
وقال " الجُبَّائي " : أن تلك الجَنّة كانت في السَّمَاء السَّابعة، والدليل عليه قوله :" اهْبِطُوا مِنْهَا " ثم إنّ الإهباط الأول كان من السَّماء السَّابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان مِنَ السماء إلى الأرض.
وقال أكثر العلماء : إنها دَارُ الثواب ؛ لأنَّ الألف واللام في لفظ الجَنّة لا يفيدان العموم ؛ لأن سكون جميع الجِنَان مُحَال، فلا بد من صرفها إلى المَعْهُود السّابق، وجنّة الخلد هي المعهودة بين المسلمين، فوجب صرف اللفظ إليها.
وقال بعضهم : الكُلّ ممكن، والأدلّة النقلية ضعيفة ومتعارضة، فوجب التوقُّف وترك القطع، والله أعلم.
فصل في إعراب الآية
قوله :﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً﴾ هذه الجملة عطف على " اسْكُن "، فهي في محلّ نصب بالقول، وأصل " كُلْ " :" اؤكل " بهمزتين : الأولى همزة وصل، والثانية فاء الكلمة، فلو جاءت هذه الكلمة على الأصل لقيل : أوكُل بإبدال الثانية حرفاً مجانساً لحركة ما قبلها، إلاّ أن العرب حذفت فاءه في الأمر تخفيفاً، فاستغنت حينئذ عن همزة الوَصْلِ، فوزنه " عُلْ " ومثله :" خُذْ " و " مُرْ "، ولا يقاس على هذه الأفعال غيرها، فلا تقول : من " أَجَرَ - جُر " ولا تَرَدُّ العرب هذه الفاء في العَطْفِ، بل تقول :" قم وخذ وكل " إلاَّ " مُرْ "، فإن الكثير رَدّ فاءه بعد الواو والفاء، قال تعالى :﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ [طه: ١٣٢]، وعدم الرد قليل.
وحكى سيبويه " اؤكل " على الأصل، وهو شاذّ.
وقال " ابن عطية " (٩) : حذفت النون من " كُلا " للأمر.
وهذه العِبَارَةُ موهمةٌ لمذهب الكوفيين من أنّ الأمر عندهم معرب على التدريج، وهو عند البصريين محمول على المجزوم، فإن سكن المجزوم سكن الأمر منه، وإن حذف منه حرف حذف من الأمر.
و " منها " متعلّق به، و " من " للتبعيض، ولا بُدّ من حذف مضاف أي : من ثمارها ويجوز أن تكون " من " لابتداء الغاية، وهو حسن.
فإن قيل : ما الحكمة في عطفه هنا " وَكُلاَ " بالواو، وفي " الأعراف " بالفاء ؟
والجواب : كلّ فعل عطف عليه شيء، وكان الفعل بمنزلة الشَّرط، وذلك الشَّيء بمنزلة الجزاء، عطف الثَّاني على الأوّل بالفاء دون الواو، كقوله تعالى :﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا﴾
[البقرة: ٥٨] فعطف " كلوا " على " ادخلوا " بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقاً بدخولها فكأنه قال : إن دخلتموها أكلتم منها، فالدُّخول موصل إلى الأَكْل، والأكل متعلّق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله في سورة " الأعراف " :﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ﴾ [الأعراف: ١٦١] فعطف " كلوا " على قوله :" اسكنوا " بالواو دون الفاء ؛ لأن " اسكنوا " من السُّكْنَى، وهو المقام مع طول اللّبْث والأكل لا يختص وجوده بوجوده ؛ لأن من دخل بستاناً قد يأكل منه، وإن كان مجتازاً، فلما لم يتعلّق الثاني بالأول تعلّق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء. إذا ثبت هذا فقوله :" اسكن " يقال لمن أراد منه، الزم المَكَان الذي دخلته، فلا تنفك عنه، ويقال أيضاً لمن لم يدخله : اسكن هذا المكان يعني : ادخله واسكن فيه، فقوله في سورة البقرة :﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ﴾ إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنّة، فكان المُرَادُ منه اللُّبْث والاستقرار، وقد بَيَّنَّا أن الأكل لا يتعلّق به، فلهذا ورد بلفظ الواو، وفي سورة " الأعراف " هذا الأمر إنما ورد قبل دخول الجَنّة، فكان المراد منه دخول الجنة، وقد بينا أن الأَكْلَ متعلّق به، فلهذا ورد بلفظ الفاء، والله أعلم.
و " رَغَداً " نعت لمصدر مَحْذوف، وقد تقدم أن مذهب سيبويه في هذا ونحوه أن ينتصب حالاً.
وقيل : هو مصدرٌ في موضع الحال أي : كُلاَ طَيِّبَيْنِ مُهَنَّأَيْنِ.
وقرأ النَّخَعِي(١٠) : وابن و
١ - وحاصل المواضع التي يستكن فيها الضمير وجوبا، ونعني بواجب الاستتار: ما لا يحلّ محلّه الظاهر، وهي أربعة:
الأول: فعل الأمر للواحد المخاطب؛ كافعل، فالتقدير: أنت، وهذا الضمير لا يجوز إبرازه؛ لأنه لا يحل محله الظاهر، فلا تقول: افعل زيد، فأما: افعل أنت، واسكن أنت، فـ "أنت" توكيد للضمير المستتر، وعلى ذكر المصنف - رحمه الله - فإن كان الأمر لواحدة، أو لاثنين، أو لجماعة، برز الضمير، نحو: اضربي، واضربا، واضربوا، واضربن.
الثاني: الفعل المضارع الذي في أوله همزة، نحو: أوافق، والتقدير: (أنا)، فإن قلت: أوافق أنا، وكان (أنا) تأكيدا للضمير المستتر.
الثالث: الفعل المضارع الذي في أوله النون، نحو: "نغتبط" أي: نحن.
الرابع: الفعل المضارع الذي في أوله التاء لخطاب الواحد، نحو: تشكر (أي: أنت).
وقد جمع ذلك ابن مالك فقال:
انظر التصريح على التوضيح: (١/١٠٠ - ١٠١) وشرح ابن عقيل: (١/٩٥ - ٩٧)، والكتاب لسيبويه: (١/١٢٥)، وحاشية الصبان على الأشموني: (١/١١٢ - ١١٣)، وهمع الهوامع: (١/٦٢)، وشرح المفصل: (٨/٧٦)، وارتشاف الضرب: (٢/٦٥٧ - ٦٥٨)..
٢ - البيت لعمر بن أبي ربيعة في ملحق ديوانه ٤٩٨، شرح أبيات سيبويه ٢/١٠١، شرح عمدة الحافظ ٦٥٨، شرح المفصل ٣/٧٦، اللمع ١٨٤، ٢/٣٨٦، شرح الأشموني ٢/٤٢٩، شرح ابن عقيل ٥٠١، الكتاب ٢/٣٧٩، الدرر ٢/١٩١، الدر المصون ١/١٨٩..
٣ - إذا عطفت على الضمير المرفوع المستكن، أو البارز، فذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إلا بالفصل بين المتعاطفين، بتوكيد بضمير منفصل، أو بغيره.
وذهب الكوفيون وابن الأنباري: إلى أنه لا يشترط في ذلك الفصل، بل يجوز في الكلام قمت وزيد، وحكي عن أبي على إجازة ذلك من غير فصل، وفي كتاب سيبويه - حين ذكر انفصال بعض الضمائر: وكذلك (كنا وأنت ذاهبين) إلا أن الشرَّاح تأولوه، ولا يعتد عند البصريين بفصل كاف (رويدك)، بل يؤكد إذا عطفت على الضمير المرفوع في (رويدك)؛ فتقول: رويدك أنت وزيد.
ينظر ارتشاف الضرب: ٢/٦٥٨..
٤ - ينظر القرطبي: ١/٢٠٥..
٥ - أخرجه الطبري (١/٥١٣) رقم (٧١٠) والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" وزاد نسبته لابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن ابن عباس..
٦ - أخرجه مسلم في الصحيح ٠٢/١٠٩١) كتاب الرضاع (١٧) باب الوصية بالنساء (١٨) حديث رقم (٥٩، ١٤٦٩، ٦٠، ١٤٦٩).
والترمذي في السنن حديث رقم (١١٨٨).
والدارمي في السنن (٢/١٤٨)
وابن حبان في الموارد حديث رقم (١٣٠٨)
وابن أبي شيبة (٥/٢٧٦).
والبخاري في الأدب المفترد (٧٤٧)..
٧ - سقط في ب..
٨ - ينظر البيتان في القرطبي: ١/٢٠٨، والبيت الأول في اللسان (ضلع)..
٩ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١٢٦..
١٠ - انظر المحرر الوجيز: ١/١٢٧، والبحر المحيط: ١/٣٠٩، والدر المصون: ١/١٨٩، والقرطبي: ١/٢٠٨..
الأول: فعل الأمر للواحد المخاطب؛ كافعل، فالتقدير: أنت، وهذا الضمير لا يجوز إبرازه؛ لأنه لا يحل محله الظاهر، فلا تقول: افعل زيد، فأما: افعل أنت، واسكن أنت، فـ "أنت" توكيد للضمير المستتر، وعلى ذكر المصنف - رحمه الله - فإن كان الأمر لواحدة، أو لاثنين، أو لجماعة، برز الضمير، نحو: اضربي، واضربا، واضربوا، واضربن.
الثاني: الفعل المضارع الذي في أوله همزة، نحو: أوافق، والتقدير: (أنا)، فإن قلت: أوافق أنا، وكان (أنا) تأكيدا للضمير المستتر.
الثالث: الفعل المضارع الذي في أوله النون، نحو: "نغتبط" أي: نحن.
الرابع: الفعل المضارع الذي في أوله التاء لخطاب الواحد، نحو: تشكر (أي: أنت).
وقد جمع ذلك ابن مالك فقال:
| ومن ضمير الرفع ما يستتر | كافعل أوافق نغتبط إذ تشكر. |
٢ - البيت لعمر بن أبي ربيعة في ملحق ديوانه ٤٩٨، شرح أبيات سيبويه ٢/١٠١، شرح عمدة الحافظ ٦٥٨، شرح المفصل ٣/٧٦، اللمع ١٨٤، ٢/٣٨٦، شرح الأشموني ٢/٤٢٩، شرح ابن عقيل ٥٠١، الكتاب ٢/٣٧٩، الدرر ٢/١٩١، الدر المصون ١/١٨٩..
٣ - إذا عطفت على الضمير المرفوع المستكن، أو البارز، فذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إلا بالفصل بين المتعاطفين، بتوكيد بضمير منفصل، أو بغيره.
وذهب الكوفيون وابن الأنباري: إلى أنه لا يشترط في ذلك الفصل، بل يجوز في الكلام قمت وزيد، وحكي عن أبي على إجازة ذلك من غير فصل، وفي كتاب سيبويه - حين ذكر انفصال بعض الضمائر: وكذلك (كنا وأنت ذاهبين) إلا أن الشرَّاح تأولوه، ولا يعتد عند البصريين بفصل كاف (رويدك)، بل يؤكد إذا عطفت على الضمير المرفوع في (رويدك)؛ فتقول: رويدك أنت وزيد.
ينظر ارتشاف الضرب: ٢/٦٥٨..
٤ - ينظر القرطبي: ١/٢٠٥..
٥ - أخرجه الطبري (١/٥١٣) رقم (٧١٠) والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" وزاد نسبته لابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن ابن عباس..
٦ - أخرجه مسلم في الصحيح ٠٢/١٠٩١) كتاب الرضاع (١٧) باب الوصية بالنساء (١٨) حديث رقم (٥٩، ١٤٦٩، ٦٠، ١٤٦٩).
والترمذي في السنن حديث رقم (١١٨٨).
والدارمي في السنن (٢/١٤٨)
وابن حبان في الموارد حديث رقم (١٣٠٨)
وابن أبي شيبة (٥/٢٧٦).
والبخاري في الأدب المفترد (٧٤٧)..
٧ - سقط في ب..
٨ - ينظر البيتان في القرطبي: ١/٢٠٨، والبيت الأول في اللسان (ضلع)..
٩ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١٢٦..
١٠ - انظر المحرر الوجيز: ١/١٢٧، والبحر المحيط: ١/٣٠٩، والدر المصون: ١/١٨٩، والقرطبي: ١/٢٠٨..