غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿للملائكة اسجدوا﴾ برفع الهاء للإتباع : يزيد وقتيبة. وروى ابن مهران عنهما أنهما يشمان الكاف الكسر ويرفعان الهاء. وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة : الملايكة بغير همز، وكذلك كل كلمة في وسطها همزة مكسورة إلا قوله ﴿السائلين﴾ و﴿السائل﴾ و﴿البائس﴾ فإنهما بالهمز ﴿شئتما﴾ وبابه بغير همز : أبو عمر ويزيد والأعشى وورش، ومن طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف ﴿فأزالهما﴾ حمزة ﴿آدم﴾ نصب ﴿كلمات﴾ رفع ابن كثير ﴿فلا خوف عليهم﴾ بالفتح حيث كان : يعقوب ﴿هداي﴾ و﴿محياي﴾ و﴿مثواي﴾ بالإمالة كل القرآن على غير ليث. ﴿النار﴾ بالإمالة كل القرآن، وكذلك كل كلمة في آخرها راء مكسورة بعد الألف في موضع اللام من الكلمة قرأها على غير ليث وأبي حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وحمزة في رواية ابن سعدان وأبو عمرو إلا أنه لا يميل ﴿الجار﴾ و﴿الغار﴾ في بعض الروايات. فروى إبراهيم بن حماد عن اليزيدي ﴿الجار﴾ بالإمالة. وروى ابن مجاهد عن اليزيدي ﴿الغار﴾ بالإمالة، وسائر الروايات عنه بالتفخيم لقلة دورهما. واختلفوا في وقف أبي عمرو في مثل ﴿النار﴾ وأشباه ذلك. فروى ابن مجاهد والحسن بن عبد الله عن النقاش وكثير من أهل العراق أنه يقف كما يصل، وروى سلمة بن عاصم أنه يقف بالتفخيم والأول أكثر.
الوقوف :﴿إبليس﴾ ( ط ) لأنه معرف والجملة بعده لا تكون صفة له إلا بواسطة الذي ولا عامل فتجعل الجملة حالاً ﴿الكافرين﴾ ( ه ) ﴿شئتما﴾ ( ص ) لاتفاق الجملتين ﴿الظالمين﴾ ( ه ) ﴿كانا فيه﴾ ( ص ) لعطف الجملتين المتفقتين. ﴿عدو﴾ ( ج ) لاختلاف الجملتين ﴿حين﴾ ( ه ) ﴿فتاب عليه﴾ ( ط ) ﴿الرحيم﴾ ( ج ) ﴿جميعاً﴾ ( ج ) لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿يحزنون﴾ ( ه ) ﴿النار﴾ ( ج ) لأن ما بعدها مبتدأ وخبر. وقيل : الجملة خبر بعد خبر لأولئك، لأن تمام المقصود بوعيد هو الخلود مثل : الرمان حلو حامض ﴿خالدون﴾ ( ه ).
قوله تعالى ﴿وقلنا يا آدم اسكن﴾ الآية الأصح أن هذا الأمر يشتمل على ما هو إباحة لأنه كان مأذوناً في الانتفاع بجميع الجنة، وعلى ما هو تكليف وتعبد، فإن المنهي عنه كان حاضراً. روي عن قتادة أنه قال : إن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود، وذلك لأنه كلفه أن يكون في الجنة يأكل منها حيث يشاء، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زال به البلاء حتى وقع فيما نهي عنه. فإسكانه موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع منعه عن تناوله من أشد التكاليف. وإنما لم يقل وهبت منك الجنة لأنه خلق لخلافة الأرض وكان إسكان الجنة كالتقدمة لذلك. فلو قال رجل لغيره أسكنتك داري. لا تصير الدار ملكاً له. وأجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة. ففي سائر القرآن ما يدل على ذلك وإنها مخلوقة منه ﴿خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها﴾ [النساء: ١] وقال ﷺ " إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها " وذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة حل فيها وحده وما كان معه من يستأنس به، فألقى الله تعالى عليه النوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة. فسألها من أنت ؟ قالت امرأة. قال : ولم خلقت ؟ قالت : لتسكن إليّ. فقالت له الملائكة امتحاناً لعلمه : ما اسمها ؟ فقال : حواء. قالوا : ولم ؟ قال : لأنها خلقت من شيء حي. قيل : فلما أراد آدم مد يده إليها منعته الملائكة وقالوا : أمهرها. قال : فما صداقها ؟ قالوا : أن تصلي على محمد وآله. قال : ومن محمد ؟ قالوا : من أولادك خاتم النبيين ولولاه لما خلقت. وعن ابن عباس قال : بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما يحمل الملوك ولباسهما النور، على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ، وعلى آدم منطقة مكللة بالدرّ والياقوت حتى أدخل الجنة. فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخاله الجنة، والخبر الأول دل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بحقيقة الحال. ثم هذه الجنة كانت في الأرض أو في السماء ؟ وعلى تقدير كونها في السماء هي دار الثواب أم جنة أخرى ؟ فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني : هي في الأرض وحملا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى ﴿اهبطوا مصراً﴾ [البقرة: ٦١] قالا : لأن دار الثواب للخلد ولو كان في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله ﴿هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾ [طه: ١٢] ولأن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى
﴿وما هم منها بمخرجين﴾ [الحجر: ٤٨] ولأن إبليس بعد أن غضب الله عليه كيف يقدر أن يصل إلى جنة الخلد، ولأن دار الجزاء يدخل المكلف فيها بعد العمل ولا عمل لآدم وقتئذ، ولأنه تعالى خلقه في الأرض ولم يذكر نقله إلى السماء ولو كان قد نقله لكان ذكره أولى، لأن ذلك النقل من أعظم النعم. وقال الجبائي : هي في السماء السابعة، اهبط منها إلى السماء الدنيا، ثم منها إلى الأرض. وقال الجمهور : هي دار الثواب والدليل عليه أن اللام في الجنة ليست للعموم، لأن السكنى في جميع الجنان محال فهي للعهد، ولا معهود بين المسلمين إلا دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها. واسكن أمر من السكنى، والسكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار. و﴿أنت﴾ تأكيد للمستكنّ في ﴿اسكن﴾ ليصح العطف عليه. و﴿رغداً﴾ وصف للمصدر أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً و﴿حيث﴾ للمكان المبهم أي أيُّ مكان من الجنة شئتما، أو أيّ زمان شئتما، فإن ﴿حيث﴾ قد يعبر به عن زمان مجهول. وإنما قيل ههنا ﴿وكلا﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿فكلا﴾ لأن كلّ فعل عطف عليه شيء وكان بينهما رابطة السببية يعطف الثاني على الأول بالفاء وإلا فبالواو كقوله تعالى في البقرة
﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا﴾ [البقرة: ٥٨] بالفاء، لأن الدخول سبب الوصول إلى الأكل، وكأنه قال : وإن دخلتموها أكلتم. وفي الأعراف ﴿وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا﴾ [الأعراف: ١٦١] بالواو لأن السكنى وهي طول اللبث لا يختص وجوده بوجود الأكل، لأن المجتاز قد يأكل أيضاً، فلهذا لم يعطف ههنا بالفاء إذ المراد اسكن من السكنى، وأما في الأعراف فالمراد اسكن بمعنى الدخول ثم السكون فصح العطف بالفاء.
والنهي في ﴿لا تقربا﴾ للتنزيه أو للتحريم، الأصح الأول لأن الصيغة وردت في كليهما والأصل عدم الاشتراك فيجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو ترجيح لجانب الترك على الفعل من غير دلالة على المنع من الفعل، أو الجواز. لكن الجواز ثابت بحكم الأصل، فإن الأصل في الأشياء الإباحة، فإذا ضممنا هذا الأصل إلى مدلول اللفظ صار المجموع دليلاً على التنزيه وهذا أولى، ليرجع حاصل معصيته إلى ترك الأولى فيكون أقرب إلى عصمة الأنبياء. وقيل : نهي تحريم قياساً على قوله
﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقوله ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ [الأنعام: ١٥٢] ولقوله ﴿فتكونا من الظالمين﴾ ولأنه استحق الإخراج من الجنة والرجوع إلى التوبة. والجواب أن التحريم في ﴿ولا تقربوهن﴾ [البقرة: ٢] بدليل منفصل، والظلم قد يراد به ترك الأولى، والإخراج لم يكن بهذا السبب بل لما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم النهي عن القرب يفيد النهي عن الإكل بطريق الكناية، فإن القرب إليها من أسباب الأكل منها، ومما يدل على النهي عن الأكل صريحاً قوله ﴿فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما﴾ [الأعراف: ٢٢]. وروي عن ابن عباس أن الشجرة هي البر والسنبلة، وفي رواية عنه وعن ابن مسعود أنها الكرم، وعن مجاهد وقتادة أنها التين، وعن الربيع بن أنس كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث. قال المبرد : وأحسب أن كل ما له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجراً، وقد لا يختص بما له ساق قال تعالى ﴿وأنبتنا عليه شجرة من يقطين﴾ [الصافات: ١٤٦] وأصل هذا أنه اسم لكل ما شجر أي أخذ يمنة ويسرة والتشاجر الاختلاف. واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين، ولا حاجة أيضاً إلى بيانه. فليس المقصود تعريف الشجرة، وما لم يكن مقصوداً فذكره لا يجب على الحكيم بل يكون عبثاً، كما لو أراد أحدنا أن يقيم عذره في التخلف فقال : اشتغلت بضرب غلماني لإساءتهم الأدب. كان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين الغلام واسمه وصفاته، فلا يظنن أحد أن ههنا تقصيراً في البيان. ﴿فتكونا﴾ جزم عطفاً على ﴿تقربا﴾ ونصب جواباً للنهي. ﴿من الظالمين﴾ من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية الروحانية ﴿اسجدوا لآدم﴾ بخلاف الطبيعة تعبداً ورقاً وانقياداً للأمر وامتثالاً للحكم، اسجدوا له تعظيماً لشأن خلافته وتكريماً لفضيلته المخصوصة به، فمن سجد له فقد سجد لله تعالى كما قال ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ اسجدوا لآدم لأجل آدم فإن عبادتكم وطاعتكم لا توجب ثواباً لكم ولا تزيد في درجاتكم، ولكن فائدتها تعود إلى الإنسان لقوله ﴿يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض﴾ ولأن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر والانزجار عن الإباء والاستكبار، كيلا يلحقه من اللعن والبعد ما لحق إبليس ﴿فسجدوا إلا إبليس﴾ لأنهم خلقوا من نور، والنور من شأنه الانقياد والإفاضة، وأنه خلق من نار والنار من شأنها الاستعلاء طبعاً ﴿وكان من الكافرين﴾ لأنه ستر الحق على آدم كما سمي إبليس لأنه أبلس الحق. ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ أي أبحت لك نعيم الجنة بما فيها وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت بعد عملاً تستحق به الجنة فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن طمعت فيها أيضاً فاعلم أن الإنسان له همة عالية وحرص شديد لا يزال تقول جهنم حرصه " هل من مزيد " ولا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه أي سابقة رحمته وعنايته " سبقت رحمتي غضبي " ثم إنه أبيح له ولزوجه مشتهيات النفس كلها ﴿فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين﴾ وقيل لهما اقتنعا بها ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قربة المحبة ماء المحنة على رأسكما، ولا تقربا شجرة المحبة وقد غرست لأجله في الحقيقة ﴿يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤]. ولكن سبب النهي هو الدلال الذي يقتضيه غاية الجمال. وأيضاً لو لم ينه عنها فلعله ما فرغ لها لكثرة أنواع المرادات النفسانية وكانت المحبة غذاء روحانياً فذكرها كان كالتحريض عليها فإن الإنسان حريص على ما منع وأيضاً إنه تعالى وسع أسباب الانبساط أولاً ثم ضيق عليه الأمر آخراً.
خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة وجهه، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ثم منعه عنها وكان في ذلك المنع تذكير وتحريض. أيضاً كما مر ثم عاتبه بقوله ﴿فتكونا من الظالمين﴾ وهذا كما أسكر موسى بأقداح الكلام وأذاقه لذة شراب السماع وقربه نجياً حتى اشتاق إلى جماله وطمع في وصاله وقال ﴿ربي أرني﴾ [الأعراف: ١٤٣] عاتبه بسطوة ﴿لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣] وذلك أن البلاء والولاء توأمان والمحبة والمحنة رضيعا لبان، والمطلوب كلما كان أرفع كان أعز وأمنع والجمال لابد له من الدلال، وبه يتميز العاشق الصادق من المدعي المختال. ﴿فلما ذاقا﴾ شجرة الغرام خرجا من دار السلام فما لأهل الغرام ودار السلام ؟ وأين الفارغ السالي من المحب الغالي ؟
وبالجملة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء، فلم يمس بعد أن كان مسجود الملك مرفوع السماك إلى السماك مشمول الرعاية موفور العناية حتى نزع عنه لباس الأمن والفراغ، وبدل باستئناسه الاستيحاش، تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج من غير مكث ولا بحث، فأزلتهما يد التقدير بحسن التدبير، وكان الشيطان المسكين كذئب يوسف لطخ خرطومه بدم نصح، فلما وقعا من القربة في الغربة، ومن الألفة في الكلفة لما ذاقا من شجرة المحبة المورثة للمحنة استوحشا من كل شيء، واتخذا عدوّاً بعضكم لبعض عدو، وهكذا شرط المحبة عداوة ما سوى المحبوب. فكما أن ذاته لا تقبل الشركة في التعبد، كذلك لا تقبل الشركة في المحبة. فلما استقرت حبة المحبة في أرض قلب آدم جعل الأرض مستقر شخصه ليتمتع بتربية بذر المحبة بماء الطاعة والتكليف إلى حين إدراك ثمرة المعرفة ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] وقال ﷺ " إن داود قال : يا رب لم خلقت الخلق ؟ فقال : كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " ثم إنه بعدما ابتلي بالهبوط بشره بأن وحيه لا ينقطع وهدايته لا ترتفع، وإن من ربى بذر المحبة بماء الطاعة والطباعة ﴿فلا خوف عليهم﴾ في المستقبل ﴿ولا هم يحزنون﴾ على ما مضى من الهبوط إلى الأرض، لأنهم يرجعون بجذبات العناية والهداية إلى ذرى حظائر القدس وبالله التوفيق.
الوقوف :﴿إبليس﴾ ( ط ) لأنه معرف والجملة بعده لا تكون صفة له إلا بواسطة الذي ولا عامل فتجعل الجملة حالاً ﴿الكافرين﴾ ( ه ) ﴿شئتما﴾ ( ص ) لاتفاق الجملتين ﴿الظالمين﴾ ( ه ) ﴿كانا فيه﴾ ( ص ) لعطف الجملتين المتفقتين. ﴿عدو﴾ ( ج ) لاختلاف الجملتين ﴿حين﴾ ( ه ) ﴿فتاب عليه﴾ ( ط ) ﴿الرحيم﴾ ( ج ) ﴿جميعاً﴾ ( ج ) لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿يحزنون﴾ ( ه ) ﴿النار﴾ ( ج ) لأن ما بعدها مبتدأ وخبر. وقيل : الجملة خبر بعد خبر لأولئك، لأن تمام المقصود بوعيد هو الخلود مثل : الرمان حلو حامض ﴿خالدون﴾ ( ه ).
قوله تعالى ﴿وقلنا يا آدم اسكن﴾ الآية الأصح أن هذا الأمر يشتمل على ما هو إباحة لأنه كان مأذوناً في الانتفاع بجميع الجنة، وعلى ما هو تكليف وتعبد، فإن المنهي عنه كان حاضراً. روي عن قتادة أنه قال : إن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود، وذلك لأنه كلفه أن يكون في الجنة يأكل منها حيث يشاء، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زال به البلاء حتى وقع فيما نهي عنه. فإسكانه موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع منعه عن تناوله من أشد التكاليف. وإنما لم يقل وهبت منك الجنة لأنه خلق لخلافة الأرض وكان إسكان الجنة كالتقدمة لذلك. فلو قال رجل لغيره أسكنتك داري. لا تصير الدار ملكاً له. وأجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة. ففي سائر القرآن ما يدل على ذلك وإنها مخلوقة منه ﴿خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها﴾ [النساء: ١] وقال ﷺ " إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها " وذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة حل فيها وحده وما كان معه من يستأنس به، فألقى الله تعالى عليه النوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة. فسألها من أنت ؟ قالت امرأة. قال : ولم خلقت ؟ قالت : لتسكن إليّ. فقالت له الملائكة امتحاناً لعلمه : ما اسمها ؟ فقال : حواء. قالوا : ولم ؟ قال : لأنها خلقت من شيء حي. قيل : فلما أراد آدم مد يده إليها منعته الملائكة وقالوا : أمهرها. قال : فما صداقها ؟ قالوا : أن تصلي على محمد وآله. قال : ومن محمد ؟ قالوا : من أولادك خاتم النبيين ولولاه لما خلقت. وعن ابن عباس قال : بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما يحمل الملوك ولباسهما النور، على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ، وعلى آدم منطقة مكللة بالدرّ والياقوت حتى أدخل الجنة. فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخاله الجنة، والخبر الأول دل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بحقيقة الحال. ثم هذه الجنة كانت في الأرض أو في السماء ؟ وعلى تقدير كونها في السماء هي دار الثواب أم جنة أخرى ؟ فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني : هي في الأرض وحملا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى ﴿اهبطوا مصراً﴾ [البقرة: ٦١] قالا : لأن دار الثواب للخلد ولو كان في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله ﴿هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾ [طه: ١٢] ولأن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى
﴿وما هم منها بمخرجين﴾ [الحجر: ٤٨] ولأن إبليس بعد أن غضب الله عليه كيف يقدر أن يصل إلى جنة الخلد، ولأن دار الجزاء يدخل المكلف فيها بعد العمل ولا عمل لآدم وقتئذ، ولأنه تعالى خلقه في الأرض ولم يذكر نقله إلى السماء ولو كان قد نقله لكان ذكره أولى، لأن ذلك النقل من أعظم النعم. وقال الجبائي : هي في السماء السابعة، اهبط منها إلى السماء الدنيا، ثم منها إلى الأرض. وقال الجمهور : هي دار الثواب والدليل عليه أن اللام في الجنة ليست للعموم، لأن السكنى في جميع الجنان محال فهي للعهد، ولا معهود بين المسلمين إلا دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها. واسكن أمر من السكنى، والسكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار. و﴿أنت﴾ تأكيد للمستكنّ في ﴿اسكن﴾ ليصح العطف عليه. و﴿رغداً﴾ وصف للمصدر أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً و﴿حيث﴾ للمكان المبهم أي أيُّ مكان من الجنة شئتما، أو أيّ زمان شئتما، فإن ﴿حيث﴾ قد يعبر به عن زمان مجهول. وإنما قيل ههنا ﴿وكلا﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿فكلا﴾ لأن كلّ فعل عطف عليه شيء وكان بينهما رابطة السببية يعطف الثاني على الأول بالفاء وإلا فبالواو كقوله تعالى في البقرة
﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا﴾ [البقرة: ٥٨] بالفاء، لأن الدخول سبب الوصول إلى الأكل، وكأنه قال : وإن دخلتموها أكلتم. وفي الأعراف ﴿وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا﴾ [الأعراف: ١٦١] بالواو لأن السكنى وهي طول اللبث لا يختص وجوده بوجود الأكل، لأن المجتاز قد يأكل أيضاً، فلهذا لم يعطف ههنا بالفاء إذ المراد اسكن من السكنى، وأما في الأعراف فالمراد اسكن بمعنى الدخول ثم السكون فصح العطف بالفاء.
والنهي في ﴿لا تقربا﴾ للتنزيه أو للتحريم، الأصح الأول لأن الصيغة وردت في كليهما والأصل عدم الاشتراك فيجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو ترجيح لجانب الترك على الفعل من غير دلالة على المنع من الفعل، أو الجواز. لكن الجواز ثابت بحكم الأصل، فإن الأصل في الأشياء الإباحة، فإذا ضممنا هذا الأصل إلى مدلول اللفظ صار المجموع دليلاً على التنزيه وهذا أولى، ليرجع حاصل معصيته إلى ترك الأولى فيكون أقرب إلى عصمة الأنبياء. وقيل : نهي تحريم قياساً على قوله
﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقوله ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ [الأنعام: ١٥٢] ولقوله ﴿فتكونا من الظالمين﴾ ولأنه استحق الإخراج من الجنة والرجوع إلى التوبة. والجواب أن التحريم في ﴿ولا تقربوهن﴾ [البقرة: ٢] بدليل منفصل، والظلم قد يراد به ترك الأولى، والإخراج لم يكن بهذا السبب بل لما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم النهي عن القرب يفيد النهي عن الإكل بطريق الكناية، فإن القرب إليها من أسباب الأكل منها، ومما يدل على النهي عن الأكل صريحاً قوله ﴿فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما﴾ [الأعراف: ٢٢]. وروي عن ابن عباس أن الشجرة هي البر والسنبلة، وفي رواية عنه وعن ابن مسعود أنها الكرم، وعن مجاهد وقتادة أنها التين، وعن الربيع بن أنس كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث. قال المبرد : وأحسب أن كل ما له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجراً، وقد لا يختص بما له ساق قال تعالى ﴿وأنبتنا عليه شجرة من يقطين﴾ [الصافات: ١٤٦] وأصل هذا أنه اسم لكل ما شجر أي أخذ يمنة ويسرة والتشاجر الاختلاف. واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين، ولا حاجة أيضاً إلى بيانه. فليس المقصود تعريف الشجرة، وما لم يكن مقصوداً فذكره لا يجب على الحكيم بل يكون عبثاً، كما لو أراد أحدنا أن يقيم عذره في التخلف فقال : اشتغلت بضرب غلماني لإساءتهم الأدب. كان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين الغلام واسمه وصفاته، فلا يظنن أحد أن ههنا تقصيراً في البيان. ﴿فتكونا﴾ جزم عطفاً على ﴿تقربا﴾ ونصب جواباً للنهي. ﴿من الظالمين﴾ من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله.
| وأدنيتني حتـى إذا مـا فتنتني | بقول يحل العصم سهل الأباطـح. |
| تجافيت عني حين لالي حيلة | وغادرت ما غادرت بين الجوانح. |
| فبتنا على رغم الحسود وبيننا | حديث كطيب المسك شيب به الخمر. |
| فلما أضاء الصبح فـرق بيننـا | وأي نعيـم لا يكـدره الـدهـر ؟. |