محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ٣٥﴾.
﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام وخلق له زوجه وأقرهما في الجنة، أباحهما الأكل منها بقوله :﴿وكلا منها رغدا﴾ أي أكلا واسعا. و﴿حيث﴾ للمكان المبهم، أي أيّ مكان من الجنة شئتما. أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة المزيحة للعلة. حين لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة. حتى لا يبقى لهما عذر في التناول مما منعا منه بقوله تعالى :﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ أي هذه الحاضرة من الشجر، أي لا تأكلا منها، وإنما علق النهي بالقربان منها، مبالغة في تحريم الأكل، ووجوب الاجتناب عنه. لأن القرب من الشيء مقتضى الألفة. والألفة داعية للمحبة. ومحبة الشيء تعمي وتصمّ. فلا يرى قبيحا، ولا / يسمع نهيا، فيقع. والسبب الداعي إلى الشرّ منهي عنه. كما أن السبب الموصل إلى الخير مأمور به. وعلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم(١) :( العينان تزنيان ) لما كان النظر داعيا إلى الألفة، والألفة إلى المحبة، وذلك مفض لارتكابه، فصار النظر مبدأ الزنا. وعلى هذا قوله تعالى :﴿ولا تقربوا الزّنى﴾ (٢)، ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ (٣).
قال ابن العربيّ : سمعت الشاشي في مجلس النظر يقول : إذا قيل : لا تقرب، بفتح الراء، كان معناه لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء ؛ معناه لا تدن، نقله ابن مفلح في ( كتاب الاستعاذة ). ونقل الفرق المذكور بينهما أيضا السيد مرتضى في ( شرح القاموس ) عن شيخه العلامة الفاسي. قال : إن أرباب الأفعال نصوا عليه، وظاهر ( القاموس ) أنهما مترادفان، فإنه قال : قرب منه، ككرم، وقرِبه كسمع قرباً وقَرباناً وقِرباناً دنا، فهو قريب. للواحد والجمع. انتهى.
لطيفة :
جاء في آية الأعراف ﴿فكلا﴾ (٤) وهنا بالواو، لأن كل فعل عطف عليه شيء، وكان ذلك الفعل كالشرط وذكر الشيء كالجزاء، عطف بالفاء دون الواو، كقوله تعالى ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا﴾ (٥) لما كان وجود الأكل منها متعلقا بدخولها ذكر بالفاء، كأنه قال : إن دخلتموها أكلتم منها، فالأكل يتعلق وجوده بوجود الدخول. وقوله في الأعراف :﴿اسكنوا هذه القرية وكلوا منها﴾ (٦) بالواو دون الفاء، لأنه من السكنى، وهو في المقام مع اللبث الطويل، والأكل لا يختص وجوده بوجوده، لأن من دخل بستانا قد يأكل منه، وإن كان مجتازا. فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط، عطف بالواو. وإذا ثبت هذا فنقول : قد يراد ب ﴿اسكن﴾ الزم مكانا دخلته، ولا تنتقل عنه، وقد يراد ادخله واسكن فيه. ففي البقرة، ورد الأمر، بعد أن كان آدم في الجنة، فكان المراد المكث. والأكل لا يتعلق به، فجيء بالواو. وفي الأعراف ورد قبل أن دخل الجنة. والمراد الدخول والأكل متعلق به، فورد بالفاء.
تنبيه :
لم يرد في القرآن المجيد، ولا في السنة الصحيحة تعيين هذه الشجرة، إذ لا حاجة إليه، لأنه ليس المقصود تعرف عين تلك الشجرة. وما لا يكون مقصودا، لا يجب بيانه. وقوله :﴿من الظالمين﴾ أي من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله تعالى.
قال ابن مفلح الحنبليّ في ( كتاب الاستعاذة ) : قال ابن حزم : حمل الأمر على الندب، والنهي على الكراهة، يقع فيه الفقهاء والأفاضل كثيرا، وهو الذي يقع من الأنبياء عليهم السلام، ولا يؤاخذون به، وعلى السبيل أكل آدم من الشجرة. ومعنى قوله :﴿فتكونا من الظالمين﴾ أي ظالمين لأنفسكما، والظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه، فمن وضع الأمر والنهي في موضع الندب والكراهة، فقد وضع الشيء في غير موضعه. انتهى.
ثم قال : وقال أبو محمد بن حزم في ( الملل والنحل ) : لا براءة من المعصية أعظم من حال من ظن أن أحدا لا يحلف حانثا. وهكذا فعل آدم عليه السلام، فإنه أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها ناسيا لنص القرآن، ومتأولا وقاصدا إلى الخير، لأنه قدّر أنه يزداد حظوة عند الله فيكون ملكا مقربا أو خالدا فيما هو فيه أبدا. فأداه ذلك إلى خلاف ما أمره الله به، وكان الواجب أن يحمل أمر ربه على ظاهره، لكن تأول وأراد الخير فلم يصبه. ولو فعل هذا عالم من علماء المسلمين لكان مأجورا، ولكن آدم لما فعل وأخرج عن الجنة إلى الدنيا، كان بذلك ظالما لنفسه. وقد سمى الله تعالى قاتل الخطأ قاتلا، كما سمى العامد. والمخطئ لم يعمد معصية. وجعل في مثل الخطأ عتق رقبة، وهو لم يعمد ذنبا. انتهى.
وقال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية وجماعة من المتأخرين : الصواب أن آدم عليه السلام، لما قاسمه عدو الله أنه ناصح، وأكد كلامه بأنواع من التأكيدات : أحدها القسم. والثاني الإتيان بجملة اسمية لا فعلية. والثالث تصديرها بأداة التأكيد. الرابع الإتيان بلام التأكيد في الخبر. الخامس الإتيان به اسم فاعل لا فعلا دالا على الحدث. السادس / تقديم المعمول على القليل فيه. ولم يظن آدم أن أحدا يحلف بالله كاذبا يمين غموس، فظن صدقه، وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة، ورأى أن الأكل، وإن كان فيه مفسدة، فمصلحة الخلود أرجح، ولعله يتأتى له استدراك مفسدة اليمين في أثناء ذلك باعتذار أو توبة، كما تجد هذا التأويل في نفس كل مؤمن أقدم على معصية. اه.
قال ابن مفلح : فآدم عليه السلام لم يخرج من الجنة، إلا بالتأويل، فالتأويل لنص الله، أخرجه وإلا فهو لم يقصد المعصية، والمخالفة، وأن يكون ظالما مستحقا للشقاء. انتهى.
" فوائد "
الأولى :
ذهب كثيرون إلى أن الجنة التي أهبط منها آدم عليه السلام، كانت في الأرض. قال بعضهم : هي على رأس جبل بالمشرق تحت خط الاستواء. وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى :﴿اهبطوا مصرا﴾(١)، واحتجوا عليه بوجوه :
أحدها : أن هذه الجنة، لو كانت هي دار الثواب، لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد، لما لحقه الغرور من الشيطان بقوله :﴿هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾(٢) ولما صح قوله :﴿ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة * إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾(٣).
وثانيهما : أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى :﴿وما هم منها بمُخرجين﴾(٤).
وثالثهما : لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض، ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء، لكان ذلك أولى بالذكر، لأن نقله من الأرض إلى السماء، من أعظم النعم. فدل ذلك على أنه لم يحصل. وذلك يوجب أن المراد من الجنة غير جنة الخلد.
ورابعها : روى مسلم(٥) في ( صحيحه ) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه قال : سيحان وجيحان والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة».
قال ابن مفلح : أكثر الناس على أن المراد بالجنة التي أسكنها آدم جنة الخلد، دار الثواب. ثم قال : قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية : وهذا قول أهل السنة والجماعة، ومن قال إنها جنة في الأرض بالهند أو جدّة، أو غير ذلك، فهو من الملحدة المبتدعين. والكتاب والسنة يرد هذا القول. وقد استوفى الكلام فيها في " مفتاح دار السعادة " وكتاب " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح».
الفائدة الثانية :
اتفق الناس أن الشيطان كان متوليا إغواء آدم. واختلف في الكيفية. فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء : أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله :﴿هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾(٦)، وقوله :﴿ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾(٧) ومقاسمته لهما ﴿إني لكما لمن النّاصحين﴾(٨). والمقاسمة ظاهرها المشافهة، ومنهم من قال : كان ذلك بالوسوسة، كما قال :﴿فوسوس لهما الشيطان﴾(٩) فإغواؤه إغراؤه بوسواسه وسلطانه الذي جعل له، كما قال صلى الله عليه وسلم(١٠) :«إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم».
وزعموا أن الشيطان لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها. والوسوسة، لغة، حديث النفس والأفكار. وحديث الشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، والكلام الخفي. وظاهر الآيات يؤيد القول الأول.
الفائدة الثالثة :
لم يسمَّ الشيطان في الآية، إذ لا حاجة ما سة إلى اسمه، كما تقدم في الشجرة.
﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام وخلق له زوجه وأقرهما في الجنة، أباحهما الأكل منها بقوله :﴿وكلا منها رغدا﴾ أي أكلا واسعا. و﴿حيث﴾ للمكان المبهم، أي أيّ مكان من الجنة شئتما. أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة المزيحة للعلة. حين لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة. حتى لا يبقى لهما عذر في التناول مما منعا منه بقوله تعالى :﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ أي هذه الحاضرة من الشجر، أي لا تأكلا منها، وإنما علق النهي بالقربان منها، مبالغة في تحريم الأكل، ووجوب الاجتناب عنه. لأن القرب من الشيء مقتضى الألفة. والألفة داعية للمحبة. ومحبة الشيء تعمي وتصمّ. فلا يرى قبيحا، ولا / يسمع نهيا، فيقع. والسبب الداعي إلى الشرّ منهي عنه. كما أن السبب الموصل إلى الخير مأمور به. وعلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم(١) :( العينان تزنيان ) لما كان النظر داعيا إلى الألفة، والألفة إلى المحبة، وذلك مفض لارتكابه، فصار النظر مبدأ الزنا. وعلى هذا قوله تعالى :﴿ولا تقربوا الزّنى﴾ (٢)، ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ (٣).
قال ابن العربيّ : سمعت الشاشي في مجلس النظر يقول : إذا قيل : لا تقرب، بفتح الراء، كان معناه لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء ؛ معناه لا تدن، نقله ابن مفلح في ( كتاب الاستعاذة ). ونقل الفرق المذكور بينهما أيضا السيد مرتضى في ( شرح القاموس ) عن شيخه العلامة الفاسي. قال : إن أرباب الأفعال نصوا عليه، وظاهر ( القاموس ) أنهما مترادفان، فإنه قال : قرب منه، ككرم، وقرِبه كسمع قرباً وقَرباناً وقِرباناً دنا، فهو قريب. للواحد والجمع. انتهى.
لطيفة :
جاء في آية الأعراف ﴿فكلا﴾ (٤) وهنا بالواو، لأن كل فعل عطف عليه شيء، وكان ذلك الفعل كالشرط وذكر الشيء كالجزاء، عطف بالفاء دون الواو، كقوله تعالى ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا﴾ (٥) لما كان وجود الأكل منها متعلقا بدخولها ذكر بالفاء، كأنه قال : إن دخلتموها أكلتم منها، فالأكل يتعلق وجوده بوجود الدخول. وقوله في الأعراف :﴿اسكنوا هذه القرية وكلوا منها﴾ (٦) بالواو دون الفاء، لأنه من السكنى، وهو في المقام مع اللبث الطويل، والأكل لا يختص وجوده بوجوده، لأن من دخل بستانا قد يأكل منه، وإن كان مجتازا. فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط، عطف بالواو. وإذا ثبت هذا فنقول : قد يراد ب ﴿اسكن﴾ الزم مكانا دخلته، ولا تنتقل عنه، وقد يراد ادخله واسكن فيه. ففي البقرة، ورد الأمر، بعد أن كان آدم في الجنة، فكان المراد المكث. والأكل لا يتعلق به، فجيء بالواو. وفي الأعراف ورد قبل أن دخل الجنة. والمراد الدخول والأكل متعلق به، فورد بالفاء.
تنبيه :
لم يرد في القرآن المجيد، ولا في السنة الصحيحة تعيين هذه الشجرة، إذ لا حاجة إليه، لأنه ليس المقصود تعرف عين تلك الشجرة. وما لا يكون مقصودا، لا يجب بيانه. وقوله :﴿من الظالمين﴾ أي من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله تعالى.
قال ابن مفلح الحنبليّ في ( كتاب الاستعاذة ) : قال ابن حزم : حمل الأمر على الندب، والنهي على الكراهة، يقع فيه الفقهاء والأفاضل كثيرا، وهو الذي يقع من الأنبياء عليهم السلام، ولا يؤاخذون به، وعلى السبيل أكل آدم من الشجرة. ومعنى قوله :﴿فتكونا من الظالمين﴾ أي ظالمين لأنفسكما، والظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه، فمن وضع الأمر والنهي في موضع الندب والكراهة، فقد وضع الشيء في غير موضعه. انتهى.
ثم قال : وقال أبو محمد بن حزم في ( الملل والنحل ) : لا براءة من المعصية أعظم من حال من ظن أن أحدا لا يحلف حانثا. وهكذا فعل آدم عليه السلام، فإنه أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها ناسيا لنص القرآن، ومتأولا وقاصدا إلى الخير، لأنه قدّر أنه يزداد حظوة عند الله فيكون ملكا مقربا أو خالدا فيما هو فيه أبدا. فأداه ذلك إلى خلاف ما أمره الله به، وكان الواجب أن يحمل أمر ربه على ظاهره، لكن تأول وأراد الخير فلم يصبه. ولو فعل هذا عالم من علماء المسلمين لكان مأجورا، ولكن آدم لما فعل وأخرج عن الجنة إلى الدنيا، كان بذلك ظالما لنفسه. وقد سمى الله تعالى قاتل الخطأ قاتلا، كما سمى العامد. والمخطئ لم يعمد معصية. وجعل في مثل الخطأ عتق رقبة، وهو لم يعمد ذنبا. انتهى.
وقال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية وجماعة من المتأخرين : الصواب أن آدم عليه السلام، لما قاسمه عدو الله أنه ناصح، وأكد كلامه بأنواع من التأكيدات : أحدها القسم. والثاني الإتيان بجملة اسمية لا فعلية. والثالث تصديرها بأداة التأكيد. الرابع الإتيان بلام التأكيد في الخبر. الخامس الإتيان به اسم فاعل لا فعلا دالا على الحدث. السادس / تقديم المعمول على القليل فيه. ولم يظن آدم أن أحدا يحلف بالله كاذبا يمين غموس، فظن صدقه، وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة، ورأى أن الأكل، وإن كان فيه مفسدة، فمصلحة الخلود أرجح، ولعله يتأتى له استدراك مفسدة اليمين في أثناء ذلك باعتذار أو توبة، كما تجد هذا التأويل في نفس كل مؤمن أقدم على معصية. اه.
قال ابن مفلح : فآدم عليه السلام لم يخرج من الجنة، إلا بالتأويل، فالتأويل لنص الله، أخرجه وإلا فهو لم يقصد المعصية، والمخالفة، وأن يكون ظالما مستحقا للشقاء. انتهى.
" فوائد "
الأولى :
ذهب كثيرون إلى أن الجنة التي أهبط منها آدم عليه السلام، كانت في الأرض. قال بعضهم : هي على رأس جبل بالمشرق تحت خط الاستواء. وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى :﴿اهبطوا مصرا﴾(١)، واحتجوا عليه بوجوه :
أحدها : أن هذه الجنة، لو كانت هي دار الثواب، لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد، لما لحقه الغرور من الشيطان بقوله :﴿هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾(٢) ولما صح قوله :﴿ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة * إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾(٣).
وثانيهما : أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى :﴿وما هم منها بمُخرجين﴾(٤).
وثالثهما : لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض، ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء، لكان ذلك أولى بالذكر، لأن نقله من الأرض إلى السماء، من أعظم النعم. فدل ذلك على أنه لم يحصل. وذلك يوجب أن المراد من الجنة غير جنة الخلد.
ورابعها : روى مسلم(٥) في ( صحيحه ) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه قال : سيحان وجيحان والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة».
قال ابن مفلح : أكثر الناس على أن المراد بالجنة التي أسكنها آدم جنة الخلد، دار الثواب. ثم قال : قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية : وهذا قول أهل السنة والجماعة، ومن قال إنها جنة في الأرض بالهند أو جدّة، أو غير ذلك، فهو من الملحدة المبتدعين. والكتاب والسنة يرد هذا القول. وقد استوفى الكلام فيها في " مفتاح دار السعادة " وكتاب " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح».
الفائدة الثانية :
اتفق الناس أن الشيطان كان متوليا إغواء آدم. واختلف في الكيفية. فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء : أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله :﴿هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾(٦)، وقوله :﴿ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾(٧) ومقاسمته لهما ﴿إني لكما لمن النّاصحين﴾(٨). والمقاسمة ظاهرها المشافهة، ومنهم من قال : كان ذلك بالوسوسة، كما قال :﴿فوسوس لهما الشيطان﴾(٩) فإغواؤه إغراؤه بوسواسه وسلطانه الذي جعل له، كما قال صلى الله عليه وسلم(١٠) :«إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم».
وزعموا أن الشيطان لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها. والوسوسة، لغة، حديث النفس والأفكار. وحديث الشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، والكلام الخفي. وظاهر الآيات يؤيد القول الأول.
الفائدة الثالثة :
لم يسمَّ الشيطان في الآية، إذ لا حاجة ما سة إلى اسمه، كما تقدم في الشجرة.
١ أخرجه الإمام أحمد في المسند. جزء ثان ص ٣٤٣ (طبعة الحلبيّ). ونصه:
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لكل بني آدم حظ من الزنى. فالعينان تزنيان وزناهما النظر. واليدان تزنيان وزناهما البطش. والرِّجلان تزنيان وزناهما المشي. والفم يزني وزناه القبل. والقلب يهوى ويتمنى. والفرج يصدّق ذلك أو يكذبه)..
٢ [١٧/ الإسراء/ ٣٢] ونصها: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ٣٢﴾..
٣ [٦/ الأنعام/ ١٥٢] ونصها: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلّف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصّاكم به لعلكم تذّكرون ١٥٢﴾.
و[١٧/ الإسراء/ ٣٤] ونصها: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ٣٤﴾..
٤ [٧/ الأعراف/ ١٩] ونصها: ﴿ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ١٩﴾..
٥ [٢/ البقرة/ ٥٨] ونصها: ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين ٥٨﴾..
٦ [٧/ الأعراف/ ١٦١] ونصها: ﴿وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين ١٦١﴾..
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لكل بني آدم حظ من الزنى. فالعينان تزنيان وزناهما النظر. واليدان تزنيان وزناهما البطش. والرِّجلان تزنيان وزناهما المشي. والفم يزني وزناه القبل. والقلب يهوى ويتمنى. والفرج يصدّق ذلك أو يكذبه)..
٢ [١٧/ الإسراء/ ٣٢] ونصها: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ٣٢﴾..
٣ [٦/ الأنعام/ ١٥٢] ونصها: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلّف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصّاكم به لعلكم تذّكرون ١٥٢﴾.
و[١٧/ الإسراء/ ٣٤] ونصها: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ٣٤﴾..
٤ [٧/ الأعراف/ ١٩] ونصها: ﴿ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ١٩﴾..
٥ [٢/ البقرة/ ٥٨] ونصها: ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين ٥٨﴾..
٦ [٧/ الأعراف/ ١٦١] ونصها: ﴿وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين ١٦١﴾..