اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
المفعول في قوله :" فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطََانُ " واجب التقديم، لأنه ضمير متّصل، والفاعل ظاهر، وكل ما كان كذا فهذا حكمه.
وقرأ " حمزة " (١) :" فأَزَالَهُما " والقراءتان يحتمل أن تكونا بمعنى واحد، وذلك أن قراءة الجماعة " أزلهما " يجوز أن تكون من " زَلَّ عَنِ المَكَانِ " : إذا تنحى عنه، فتكون من الزوال كقراءة " حمزة "، ويدل عليه قول امرئ القيس :[ الطويل ]
كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حَالِ مَتْنِهِكَمَا زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بِالمُتَنَزَّلِ(٢)
وقال أيضاً :[ الطويل ]
يَزِلُّ الغُلاَمُ الخِفُّ عَنْ صَهَوَاتِهِوَيُلْوِي بِأَثْوَابِ العَنِيفِ المُثَقَّلِ(٣)
فرددنا قراءة الجماعة إلى قراءة " حمزة "، أو نرد قراءة " حمزة " إلى قراءة الجماعة بأن نقول : معنى أزالهما : أي صرفهما عن طاعة الله، فأوقعهما في الزَّلَّة ؛ لأن إغواءه وإيقاعه لهما في الزَّلَّة سبب للزوال، ويحتمل أن تفيد كل قراءة معنى مستقلاًّ، فقراءة الجماعة تؤذن بإيقاعهما في الزَّلَّة، فيكون " زلّ " بمعنى : استزلّ، وقراءة " حمزة " تؤذن بتنحيتهما عن مكانهما، ولا بُدَّ من المجاز في كِلْتَا القراءتين، لأن الزَّلَلَ أصله من زلّة القدم، فاستعمل هنا في زلّة الرأي والتنحية لا يقدر عليها الشَّيطان، وإنما يقدر على الوسوسة التي هي سبب التنحية.
و " عنها " متعلّق بالفعل قبله، ومعنى " عن " هنا السَّببية إن أعدنا الضمير على " الشجرة " أي : أوقعهما في الزَّلَّة بسبب الشجرة.
قال " الزَّمخشري " لفظة " عن " في هذه الآية كما في قوله :﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢].
ويجوز أن تكون على بابها من المُجاوزة إن عاد الضمير على " الجنّة "، وهو الأظهر، لتقدّم ذكرها، وتجيء عليه قراءة " حمزة " واضحة، ولا تظهر قراءته كلّ الظُهور على كون الضمير ل " الشجرة ".
قال " ابن عطيّة " (٤) فأما من قرأ " أزالهما " فإنه يعود على " الجنة " فقط.
وقيل : الضَّمير للطاعة، أو للحالة، أو للسماء، وإن لم يجر لهما ذكر لدلالة السياق عليهما. وهذا بعيد جدًّا.
فإن قيل : إن الله - تعالى - قد أضاف الإزْلاَل إلى " إبليس " فلم عاتبهما على ذلك الفعل ؟
والجواب : أن قوله :" فأزلهما " أنهما عند وَسْوَسَتِهِ أتيا بذلك الفعل، وأضيف ذلك إلى " إبليس " كما في قوله تعالى :﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح: ٦] قال تعالى حاكياً عن إبليس :﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، هذا قول المعتزلة، والتحقيق في هذه الإضافة ما ذكرناه، وهو أن القادر على الفعل والترك مع التَّسَاوي يستحيل أن يكون موجداً لأحد هذين الأمرين إلا عند انضمام الدَّاعي إليه، والدَّاعي في حَقّ العبد عبارة عن علم أو ظن، أو اعتقاد بكون الفعل مشتملاً على مصلحةٍ، فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبّه نبه عليه كان الفعل مضافاً إلى ذلك المنبّه ؛ لأنه هو الفاعل لما لأجله صار الفَاعِلُ بالقوة فاعلاً بالفعل، فهكذا المَعْنَى انضاف - ها هنا - إلى الوسوسة.
فإن قيل : كيف كانت الوَسْوَسَةُ ؟
فالجواب : هي التي حكى الله عنها في قوله :﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] فلم يقبلا ذلك منه، فلما أيس عدل إلى اليمين على ما قال تعالى :﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] فلم يصدقاه.
والظاهر أنه بعد ذلك عَدَلَ إلى شيء آخر، وهو أنه شغلهما باستيفاء اللَّذَّت المُبَاحة حتى صارا مستغرقين فيها، فَحَصَلَ بسبب استغراقهما فيها نِسْيَان النهي، فعند ذلك حصل ما حصل، والله أعلم.

فصل في بيان كيف وسوس إبليس لآدم


اختلفوا في أنه كيف تمكّن إبليس من وَسْوَسَةِ آدم عليه الصلاة والسلام مع أن إبليس كان خارج الجنّة، وآدم عليه الصَّلاة والسَّلام داخل الجنّة ؟ وذكروا فيه وجوهاً :
أحدها : ما روي عن وهب بن منبّه والسدي عن ابن عباس وغيره : أن إبليس أراد دخول الجنة، فمنعته الخزنة، فأتى الحية بعد ما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد من الحيوانات، فابتلعته الحية وأدخلته الجَنَّة خفية من الخَزَنَةِ، فلما دخلت الحَيّة الجنة خرج إبليس من فيها واشتغل بالوَسْوَسَةِ، فلا جرم لعنت الحَيّة، وسقطت قوائمها، وصارت تمشي على بطنها، وجعل رزقها في التراب، وصارت عدواً لبني آدم، وأمرنا بقتلها في الحِلّ والحَرَمِ(٥).
قال ابن الخطيب(٦) : وهذا وأمثاله يجب ألا يلتفت إليه ؛ لأن إبليس لو قدر على الدخول في فَمِ الحيّة فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حَيّة ثم يدخل الجَنّة ؟ ولأن الحية لو فعلت ذلك، فلم عوقبت مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة ؟ وأيضاً فلما خرج من بطنها صارت في الجنة كانت الملائكة والخزنة يرونه.
وثانيها : أن " إبليس " دخل الجَنَّة في صورة دَابّة، وهذا القول أقلّ فساداً من الأول.
وثالثها : قال بعض أَهْل الأصول : لعلّ آدم وحَوّاء - عليهما السلام - كانا يخرجان إلى باب الجنة، وإبليس كان بقرب الماء يُوَسْوِسُ لهما.
ورابعها : قال الحسن : كان إبليس في الأرض، وأوصل الوَسْوسَةَ إليهما في الجنّة.
قال بعضهم : هذا بعيد ؛ لأن الوسوسة كلام خفيّ، والكلام الخفيّ لا يمكن إيصاله من الأرض إلى السَّماء.
واختلفوا في أن " إبليس " باشر خطابهما، أو أوصل الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه.
حجّة الأول : قوله تعالى :﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] وذلك يقتضي المُشَافهة، وكذا قوله :﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢].
وحجّة الثاني : أن آدَمَ وحواء - عليهما الصَّلاة والسَّلام - كان يعرفانه، ويعرفان ما عنده من العداوة والحَسَد، فيستحيل في العادة أن يقبلا قوله، فلا بد وأن يكون المباشر للوسوسة بعض أتباع إبليس.
وقد يُجَاب عن هذا بأن إبليس لما خالف أمر ربّه ولعن لعلّه انتقل من تلك الصورة التي يُعْرَفُ بها إلى صورة أخرى، ولعلّ إبليس تشكّل لهما في صورة لا يعرفانها، فإن له قدرة التشكل، والله أعلم.

فصل في بيان أن آدم عصى ربه ناسياً


اختلفوا في صدور ذلك الفعل عن آدم - عليه الصلاة والسّلام - بعد النبوة، هل فعله ناسياً أو ذاكراً ؟
قال طائفة من المتكلّمين : فعله ناسباً، واحتجوا بقوله تعالى :﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه: ١١٥] ومثلوه بالصَّائم إذا أكل ناسياً، وهذا باطل من وجهين :
الأول : قوله تعالى :﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠].
وقوله :﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ يدلّ على أنه ما نسي النهي حال الإقدام.
الثاني : أنه لو كان ناسياً لما عوتب على ذلك الفعل.
أما من حيث العقل فلأن الناسي غير قادر على الفعل فلا يكون مكلفاً به لقوله تعالى :﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وأما من حيث النقل فلقوله عليه الصلاة والسلام :" رُفعَ عَنْ أمّتِي الخَطَأُ والنِّسْيَانُ ".
وقد يجاب عن الأول بأنا لا نسلّم أن آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - قَبِلاَ من إبليس ذلك الكلام وصَدّقاه ؛ لأنهما لو صدقاه لكانت معصيتهما في ذلك التصديق أعظم من أكل الشَّجرة ؛ لأن إبليس لما قال لهما :﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ الآية فقد ألقى إليهما سوء الظَّن بالله - تعالى - ودعاهما إلى ترك التَّسْليم لأمره، والرضا بحكمه، وأن يعتقدا فيه كون إبليس ناصحاً لهما، وأن الرب - تَعَالَى - قد غشهما ولا شك أن هذه الأشياء أعظم من أكل الشجرة، فوجب أن تكون المُعَاتبة في ذلك أشد، وأيضاً آدم - عليه الصلاة والسلام - كان عالماً بتمرد " إبليس "، وكونه مبغضاً له وحاسداً له، فكيف يجوز من العاقل أن يقبل قول عدوّه مع هذه القرائن، وليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل عند ذلك الكلام.
وأما الجواب الثاني : فهو أن العتاب إنما حصل على قلّة التحفُّظ من أسباب النسيان، وهذا الضرب من السَّهو موضوع عن المسلمين، وقد كان يجوز أن يؤاخذوا به، وليس بموضوع عن الأنبياء لعظم خَطَرِهِمْ ومثّلوه بقوله :﴿يا نسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، ثم قال :﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَف لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠].
وقال عليه الصلاة والسلام :" أَشَدُّ النَّاسِ بَلاَءً الأنبياءُ ثم الأوْلِيَاءُ ثم الأَمْثَلُ فالأَمْثَلُ " (٧)، ولقد كان على النبي ﷺ من التَّشْديدات في التَّكليف ما لم يَكُن على غيره.
وذكر بعض المفسّرين أن حوّاء سقته الخَمْرَ، فسكر وفي أثناء السّكر فعل ذلك قالوا وهذا ليس ببعيد ؛ لأنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان مأذوناً له في تناول كل الأشياء سوى تلك الشجرة، فكان مأذوناً له في تناول الخمر، ولقائل أن يقول : إن خمر الجَنَّة لا يسكر لقوله تعالى في صفة خمر الجنة :﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧].
القول الثاني : أن آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - فعله عامداً ؛ فها هنا قولان :
أحدهما : أن ذلك النهي نهي تَنْزِيِهٍ، لا نهي تحريم، وقد تقدم.
الثاني : أنه تعمّد وأقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذَّنْبِ كبيرة، وهذا اختيار أكثر المعتزلة.
وبيان خطأ الاجتهاد أنه لما قيل له :﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾
[الأعراف: ١٩] فلفظ " هذه " يشار به إلى الشَّخص، وقد يشار به إلى النوع، كما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - أخذ حريراً وذهباً بيده وقال :" هَذَانِ حَلاَلٌ لإنَاثِ أمّتِي حَرَامٌ على ذُكُورِهَا " وأراد به نوعهما، وتوضأ مرة وقال :" هذا وُضُوءٌ لا يقبل الله الصَّلاَةَ إلاَّ به " وأراد نوعه، فلما سمع آدم - عليه الصلاة والسلام - قوله :﴿ولا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ ظنّ أن النهي إنما يتناول تلك الشجرة المعينة، فتركها وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع، فكان مخطئاً في ذلك الاجتهاد ؛ لأن مراد الله - تعالى - النهي عن النوع لا عن الشخص.
والاجتهاد في الفروع إذا كان خطأً لا يوجب استحقاق العقاب لاحتمال كونه صغيرةً مغفورة كما في شرعنا.
فإن قيل : الكلام على هذا القول من وجوه :
أحدها : أن كلمة " هذا " في أصل اللغة للإشارة إلى الشَّيء الحاضر، وهو لا يكون إلا شيئاً معيناً، فإن أشير بها إلى النوع، فذاك على خلاف الأصل، وأيضاً فلأنه - تعالى - لا تجوز الإشارة عليه، فوجب أن يكون أمر بعض الملائكة بالإشَارَةِ إلى ذلك الشَّخص، فكان ما عداه خارجاً عن النهي لا مَحَالة، وإذا ثبت هذا فالمجتهد مكلف يحمل اللفظ على حقيقته، فآدم - عليه الصلاة والسلام - لما حمل لفظ " هذه " على المُعَيّن كان قد فعل
١ - انظر الحجة للقراء السبعة: ٢/١٤، وطيبة النشر: ٤/١٨، والعنوان: ٦٩، وإعراب القراءات السبع وعللها: ١/٨١، والسبعة: ١٥٣، وحجة القراءات: ٩٤، وشرح شعلة: (٢٦١)، وإتحاف: ١/٣٨٨. وقرأ بها الحسن وأبو رجاء. انظر البحر المحيط: ١/٣١٣، والقرطبي: ١/٢١٣..
٢ - تقدم برقم (٢٣٤)..
٣ - ينظر الزجاجي: (٢/٤٤٥)، المعلقات للزوزني: (٢٥)، المقرب (٤٨٥)، التبريزي: (١١٦)، الشنقيطي: (٦٦)، الدر المصون: (١/١٩٣)..
٤ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١٢٩..
٥ - أخرجه الطبري (١/٥٢٥ - ٥٢٦) عن وهب بن منبه وأخرجه أيضا (١/٥٢٧) عن ابن عباس وابن مسعود.
وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (١/١٨٠) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن مسعود وعبد الرزاق عن ابن عباس وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس أيضا..

٦ - ينظر الرازي: ٣/١٥..
٧ - أخرجه ابن ماجه في السنن ٢/١٣٣٤ كتاب الفتن (٣٦) باب الصبر على البلاء (٢٣) حديث رقم ٤٠٢٣ - والحاكم في المستدرك ٣/٤٤٣.
والبخاري في التاريخ الكبير ٨/١١٥.
وذكره الزبيدي في الإتحاف ٥/١١٦، ٨/١٢١، ٥٦٠، ٩/٥٢٣.
والهندي في كنز العمال حديث رقم ٦٧٨٠، ٦٧٨١، ٦٨٣٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى