البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
أزل : من الزلل، وهو عثور القدم.
يقال : زلت قدمه، وزلت به النعل.
والزلل في الرأي والنظر مجاز، وأزال : من الزوال، وأصله التنحية.
والهمزة في كلا الفعلين للتعدية.
الهبوط : هو النزول، مصدر هبط، ومضارعه يهبط ويهبط بكسر الباء وضمها، والهبوط بالفتح : موضع النزول.
وقال المفضل : الهبوط : الخروج عن البلدة، وهو أيضاً الدخول فيها من الأضداد، ويقال في انحطاط المنزلة مجازاً، ولهذا قال الفراء : الهبوط : الذل، قال لبيد :
إن يقنطوا يهبطوا يوماً وإن أُمروا***
بعض : أصله مصدر بعض يبعض بعضاً، أي قطع، ويطلق على الجزء، ويقابله كل، وهما معرفتان لصدور الحال منهما في فصيح الكلام، قالوا : مررت ببعض قائماً، وبكل جالساً، وينوي فيهما الإضافة، فلذلك لا تدخل عليهما الألف واللام، ولذلك خطئوا أبا القاسم الزجاجي في قوله : ويبدل البعض من الكل، ويعود الضمير على بعض، إذا أريد به جمع مفرداً ومجموعاً.
وكذلك الخبر والحال والوصف يجوز إفراده إذ ذاك وجمعه.
العدو : من العداوة، وهي مجاوزة الحدّ، يقال : عدا فلان طوره إذا جاوزه، وقيل : العداوة، التباعد بالقلوب من عدوى الجبل، وهما طرفاه، سميا بذلك لبعد ما بينهما، وقيل : من عدا : أي ظلم، وكلها متقاربة في المعنى.
والعدو يكون للواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث، وقد جمع فقيل : أعداء، وقد أنث فقالوا : غدوة، ومنه : أي عدوات أنفسهن.
وقال الفراء : قالت العرب للمرأة : عدوة الله، وطرح بعضهم الهاء.
المستقر : مستفعل من القرار، وهو اللبث والإقامة، ويكون مصدراً وزماناً ومكاناً لأنه من فعل زائد على ثلاثة أحرف، فيكون لما ذكر بصورة المفعول، ولذلك سميت الأرض : القرارة، قال الشاعر :
جادت عليه كل عين ثرّةفتركن كل قرارة كالدرهم
واستفعل فيه : بمعنى فعل استقر وقرّ بمعنى.
المتاع : البلغة، وهو مأخوذ من متع النهار إذا ارتفع، فينطلق على ما يتحصل للإنسان من عرض الدنيا، ويطلق على الزاد وعلى الانتفاع بالنساء، ومنه، ﴿فما استمتعتم به منهن﴾، ﴿ونكاح المتعة﴾، ﴿وعلى الكسوة﴾، ﴿ومتعوهن﴾، وعلى التعمير، ﴿يمتعكم متاعاً حسناً﴾ قالوا : ومنه أمتع الله بك، أي أطال الله الإيناس بك، وكله راجع لمعنى البلغة، الحين : الوقت والزمان، ولا يتخصص بمدة، بل وضع المطلق منه.
﴿فأزلهما الشيطان عنها﴾ : الهمزة : كما تقدم في أزل للتعدية، والمعنى : جعلهما زلا بإغوائه وحملهما على أن زلاً وحصلا في الزلة، هذا أصل همزة التعدية.
وقد تأتي بمعنى جعل أسباب الفعل، فلا يقع إذ ذاك الفعل.
تقول : أضحكت زيداً فما ضحك وأبكيته فما بكى، أي جعلت له أسباب الضحك وأسباب البكاء فما ترتب على ذلك ضحكه ولا بكاؤه، والأصل هو الأول، وقال الشاعر :
كميت يزل اللبد عن حال متنهكما زلت الصفواء بالمتنزل
معناه : فيما يشرح الشراح، يزل اللبد : يزلقه عن وسط ظهره، وكذلك قوله : يزل الغلام الخف عن صهواته : أي يزلقه.
وقيل أزلهما : أبعدهما.
تقول : زل عن مرتبته، وزل عني ذاك، وزل من الشهر كذا : أي ذهب وسقط، وهو قريب من المعنى الأول، لأن الزلة هي سقوط في المعنى، إذ فيها خروج فاعلها عن طريق الاستقامة، وبعده عنها.
فهذا جاء على الأصل من تعدية الهمزة.
وقرأ الحسن وأبو رجاء وحمزة : فأزالهما، ومعنى الإزالة : التنحية.
وروي عن حمزة وأبي عبيدة إمالة فأزالهما.
والشيطان : هو إبليس بلا خلاف هنا.
وحكوا أن عبد الله قرأ، فوسوس لهما الشيطان عنها، وهذه القراءة مخالفة لسواد المصحف المجمع عليه، فينبغي أن يجعل تفسيراً، وكذا ما ورد عنه وعن غيره مما خالف سواد المصحف.
وأكثر قراءات عبد الله إنما تنسب للشيعة.
وقد قال بعض علمائنا : إنه صح عندنا بالتواتر قراءة عبد الله على غير ما ينقل عنه مما وافق السواد، فتلك إنما هي آحاد، وذلك على تقدير صحتها، فلا تعارض ما ثبت بالتواتر.
وفي كيفية توصل إبليس إلى إغوائهما حتى أكلا من الشجرة أقاويل : قال ابن مسعود وابن عباس والجمهور : شافههما بدليل، وقاسمهما، قيل : فدخل إبليس الجنة على طريق الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء، وقيل : دخل في جوف الحية.
وذكروا كيف كانت خلقة الحية وما صارت إليه، وكيف كانت مكالمة إبليس لآدم.
وقد قصها الله تعالى أحسن القصص وأصدقه في سورة الأعراف وغيرها.
وقيل : لم يدخل إبليس الجنة، بل كان يدنو من السماء فيكلمهما.
وقيل : قام عند الباب فنادى.
وقيل : لم يدخل الجنة بل كان ذلك بسلطانه الذي ابتلى به آدم وذريته، كقول النبي ﷺ :« إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » وقيل : خاطبه من الأرض ولم يصعد إلى السماء بعد الطرد واللعن، وكان خطابه وسوسة، وقد أكثر المفسرون في نقل قصص كثير في قصة آدم وحواء والحية، والله أعلم بذلك، وتكلموا في كيفية حاله حين أكل من الشجرة، أكان ذلك في حال التعمد، أم في حال غفلة الذهن عن النهي بنسيان، أم بسكر من خمر الجنة، كما ذكروا عن سعيد بن المسيب.
وما أظنه يصح عنه، لأن خمر الجنة، كما ذكر الله تعالى، ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾ إلا إن كانت الجنة في الأرض، على ما فسره بعضهم، فيمكن أن يكون خمرها يسكر.
والذين قالوا : بالعمد، قالوا : كان النهي نهي تنزيه، وقيل : كان معه من الفزع عند إقدامه ما صير هذا الفعل صغيرة.
وقيل : فعله اجتهاداً، وخالف لأنه تقدم الإشارة إلى الشخص لا إلى النوع، فتركها وأكل أخرى.
والاجتهاد في الفروع لا يوجب العقاب.
وقيل كان الأكل كبيرة، وقيل : أتاهما إبليس في غير صورته التي يعرفانها، فلم يعرفاه، وحلف لهما أنه ناصح.
وقيل : نسي عداوة إبليس، وقيل : يجوز أن يتأول آدم ﴿ولا تقربا﴾ أنه نهي عن القربان مجتمعين، وأنه يجوز لكل واحد أن يقرب، والذي يسلك فيما اقتضى ظاهره بعض مخالفة تأويله على أحسن محمل، وتنزيه الأنبياء عن النقائص.
وسيأتي الكلام على ما يرد من ذلك، وتأويله على الوجه الذي يليق، إن شاء الله.
وفي ( المنتخب ) للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي ما ملخصه : منعت الأمة وقوع الكفر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إلا الفضيلية من الخوارج، قالوا : وقد وقع منهم ذنوب، والذنب عندهم كفر، وأجاز الإمامية إظهار الكفر منهم على سبيل التقية، واجتمعت الأمة على عصمتهم من الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ، فلا يجوز عمداً ولا سهواً، ومن الناس من جوز ذلك سهواً وأجمعوا على امتناع خطئهم في الفتيا عمداً واختلفوا في السهو.
وأما أفعالهم فقالت الحشوية : يجوز وقوع الكبائر منهم على جهة العمد.
وقال أكثر المعتزلة : بجواز الصغائر عمداً إلا في القول، كالكذب.
وقال الجبائي : يمتنعان عليهم إلا على جهة التأويل.
وقيل : يمتنعان عليهم، إلا على جهة السهو والخطأ، وهم مأخوذون بذلك، وإن كان موضوعاً عن أئمتهم.
وقالت الرافضة : يمتنع ذلك على كل جهة.
واختلف في وقت العصمة فقالت الرافضة : من وقت مولدهم، وقال كثير من المعتزلة : من وقت النبوة.
والمختار عندنا : أنه لم يصدر عنهم ذنب حالة النبوة البتة، لا الكبيرة ولا الصغيرة، لأنهم لو صدر عنهم الذنب لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة، لعظيم شرفهم، وذلك محال.
ولئلا يكونوا غير مقبولي الشهادة، ولئلا يجب زجرهم وإيذاؤهم، ولئلا يقتدى بهم في ذلك، ولئلا يكونوا مستحقين للعقاب، ولئلا يفعلون ضد ما أمرون به، لأنهم مصطفون، ولأن إبليس استثناهم في الإغواء.
انتهى ما لخصناه من المنتخب.
والقول في الدلائل لهذه المذاهب، وفي إبطال ما ينبغي إبطاله منها مذكور في كتب أصول الدين.
عنها : الضمير عائد على الشجرة، وهو الظاهر، لأنه أقرب مذكور.
والمعنى : فحملهما الشيطان على الزلة بسببها.
وتكون عن إذ ذاك للسبب، أي أصدر الشيطان زلتهما عن الشجرة كقوله تعالى :﴿وما فعلته من أمري﴾ ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ وقيل : عائد على الجنة، لأنها أول مذكور، ويؤيده قراءة حمزة وغيره : فأزالهما، إذ يبعد فأزالهما الشيطان عن الشجرة.
وقيل : عائد على الطاعة، قالوا بدليل قوله :﴿وعصى آدم ربه﴾ فيكون إذ ذاك الضمير عائداً على غير مذكور، إلا على ما يفهم من معنى قوله :﴿ولا تقربا﴾ لأن المعنى : أطيعاني بعدم قربان هذه الشجرة.
وقيل : عائد على الحالة التي كانوا عليها من التفكه والرفاهية والتبوّء من الجنة، حيث شاءا، ومتى شاءا، وكيف شاءا بدليل، ﴿وكلا منها رغداً﴾ وقيل : عائد على السماء وهو بعيد.
﴿فأخرجهما مما كانا فيه﴾ من الطاعة إلى المعصية، أو من نعمة الجنة إلى شقاء الدنيا، أو من رفعة المنزلة إلى سفل مكانة الذنب، أو رضوان الله، أو جواره.
وكل هذه الأقوال متقاربة.
قال المهدوي : إذا جعل أزلهما من زل عن المكان، فقوله :﴿فأخرجهما مما كانا فيه﴾ توكيد.
إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر من الجنة، انتهى.
والأولى أن يكون بمعنى كسبهما الزلة لا يكون بإلقاء.
قال ابن عطية : وهنا محذوف يدل عليه الظاهر تقديره : فأكلا من الشجرة، ويعني أن المحذوف يتقدر قبل قوله :﴿فأزلهما الشيطان﴾، ونسب الإزلال والإزالة والإخراج لإبليس على جهة المجاز، والفاعل للأشياء هو الله تعالى.
﴿وقلنا اهبطوا﴾ : قرأ الجمهور بكسر الباء، وقرأ أبو حياة : اهبطوا بضم الباء، وقد ذكرنا أنهما لغتان.
والقول في :﴿وقلنا اهبطوا﴾ مثل القول في :﴿وقلنا يا آدم اسكن﴾ ولما كان أمراً بالهبوط من الجنة إلى الأرض، وكان في ذلك انحطاط رتبة المأمور، لم يؤنسه بالنداء، ولا أقبل عليه بتنويهه بذكر اسمه.
والإقبال عليه بالنداء بخلاف قوله :﴿وقلنا يا آدم اسكن﴾، والمخاطب بالأمر آدم وحوّاء والحية، قاله أبو صالح عن ابن عباس، أو هؤلاء وإبليس، قاله السدي عن ابن عباس، أو آدم وإبليس، قاله مجاهد، أو هما وحواء، قاله مقاتل، أو آدم وحواء فحسب.
ويكون الخطاب بلفظ الجمع وإن وقع على التثنية نحو :﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ ذكره ابن الأنباري، أو آدم وحواء والوسوسة، قاله الحسن، أو آدم وحواء وذريتهما، قاله الفراء، أو آدم وحواء، والمراد هما وذريتهما، ورجحه الزمخشري قال : لأنهما لما كانا أصل الأنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم.
والدليل عليه قوله :﴿قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدوّ﴾ ويدل على ذلك قوله :﴿فمن تبع هداي﴾ الآية، وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم، انتهى.
وفي قول الفراء خطاب من لم يوجد بعد، لأن ذريتهما كانت إذ ذاك غير موجودة.
وفي قول من أدخل إبليس معهما في الأمر ضعف، لأنه كان خرج قبلهما، ويجوز على ضرب من التجوز.
قال كعب ووهب : أهبطوا جملة ونزلوا في بلاد متفرقة.
وقال مقاتل : أهبطوا متفرقين، فهبط إبليس، قيل بالأبلة، وحواء بجدّة، وآدم بالهند، وقيل : بسرنديب بجبل يقال له : واسم.
وقيل : كان غذاؤه جوز الهند، وكان السحاب يمسح رأسه فأورث ولده الصلع.
وهذا لا ي

تفسير هذه الآية من كتب أخرى