إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري

عن الكتاب
[ وقلنا اهبطوا ] أيضا يدل على أنهم كانوا في السماء، ولم يكن إبليس إذ ذاك ممنوعا عنها كالجن عن استراق السمع إلى المبعث فوسوس لهما وهو على القرب من باب الجنة، أو ناداهما وهما على الغرف. وقيل : دخل في فقم الحية جانب الشدق(١).
والشجرة المنهية : السنبلة، ومنه يقال : كيف لا يعصي الإنسان وقوته من شجرة العصيان، وكيف لا ينسى العهد واسمه من النسيان.
وقيل : الكرم، لأن الشجرة ما لها غصن وساق، لأنها أصل كل فتنة(٢).
٣٦ [ فأزلهما ] أكسبهما الزلة بوسوسته بأن (٣) قاسمهما على نصحه، ولا يجوز أن يكون آدم قبل من اللعين لأنه ( من ) (٤) أعظم المعاصي، وفوق الأكل، وإنما زلة آدم عليه السلام بالخطأ في التأويل :
إما بحمل النهي على التنزيه دون التحريم، أو بحمل اللام على التعريف لا الجنس(٥)، وكأن الله أراد الجنس ومكنه من الدليل عليه فغفل عنه وظن أنه لا يلزمه(٦).
١ الفقم: هو الفم. وقيل: اللحى. وفي الحديث "من حفظ ما بين فقميه دخل الجنة" أي: ما بين لحييه وهو اللسان،- والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده: ج٤ ص٣٩٨- انظر لسان العرب مادة "فقم" ج١٢ ص٤٥٧.
والشدق: جانب الفم. لسان العرب مادة "شدق"ج١٠ ص١٧٢.
وانظر الأقوال التي أشار إليها المؤلف في مفاتيح الغيب ج٣ ص١٥، ١٦، وتفسير القرآن العظيم ج١ ص٨١.
والقول: بأن إبليس دخل الجنة بواسطة الحية من فمها يحتاج إلى دليل. يقول الرازي بعد أن أورد هذا القول: - واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه، لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية فلم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل الجنة، ولأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة. مفاتيح الغيب ج٣ ص١٦..

٢ ذكر هذين القولين وغيرهما ابن جرير الطبري ثم قال:" فالصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به، ولا علم عندنا أي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة" جامع البيان ج١ ص٢٣١-٢٣٣.
ورجح الفخر الرازي الإبهام، وقال عنه ابن كثير: "وهو الصواب" مفاتيح الغيب ج٣ ص٦، وتفسير القرآن العظيم ج١ ص٧٩-٨٠..

٣ في "أ" وبأن..
٤ سقط من "أ"..
٥ وهي "أل" في الشجرة. أي: إنهما ظنا أن المراد شجرة بعينها وكان المراد جنس الشجر..
٦ ما ذكره المؤلف من زلة آدم عليه السلام في أكل الشجرة اختلف العلماء في كيفيتها على أقوال وتأويلات كثيرة، ترجح لي ما ذكره القرطبي رحمه الله في تفسيره من أن آدم عليه السلام أكل من الشجرة ناسيا فيقول:"واختلفوا كيف أكل منها مع الوعيد المقترن بالقرب وهو قوله تعالى:[فتكونا من الظالمين] فقال قوم: أكل من غير التي أشير إليها، فلم يتأولا النهي واقعا على جميع جنسها.. ثم قال.. وقيل: أكلها ناسيا، ومن الممكن أنهما نسيا الوعيد" قال القرطبي:"قلت: وهو الصحيح لإخبار الله تعالى في كتابه بذلك حتما وجزما فقال:[ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما] سورة طه: الآية ١١٥ الجامع لأحكام القرآن ج١ ص٣٠٥-٣٠٦. وانظر المحرر الوجيز ج١ ص٢٥٤، ومفاتيح الغيب ج٣ ص١٢ و البحر المحيط ج١ ص٢٦٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى