زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾.
أزلهما بمعنى : استزلهما، وقرأ حمزة :﴿فأزالهما﴾ أراد : نحاهما. قال أبو علي الفارسي : لما كان معنى :﴿اسْكُنْ أَنتَ وزوجك الْجَنَّةِ﴾ اثبتا فيها، فثبتا ؛ قابل حمزة الثبات بالزوال الذي يخالفه، ويقوي قراءته :﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾.
والشيطان : إبليس، وأضيف الفعل إليه، لأنه السبب. وفي هاء ﴿عَنْهَا﴾ ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها تعود إلى الجنة.
والثاني : ترجع إلى الطاعة.
والثالث : ترجع إلى الشجرة. فمعناه : فأزلهما بزلة صدرت عن الشجرة.
وفي كيفية إزلاله لهما، ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه احتال حتى دخل إليهما الجنة، وكان الذي أدخله الحية، قاله ابن عباس والسدي.
والثاني : أنه وقف على باب الجنة، وناداهما، قاله الحسن.
والثالث : أنه وسوس إليهما، وأوقع في نفوسهما من غير مخاطبة ولا مشاهدة، قاله ابن إسحاق، وفيه بعد. قال الزجاج : الأجود : أن يكون خاطبهما، لقوله :﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾.
واختلف العلماء في معصية آدم بالأكل، فقال قوم : إنه نهي عن شجرة بعينها، فأكل من جنسها. وقال آخرون : تأول الكراهة في النهي دون التحريم.
قوله تعالى :﴿وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾ الهبوط بضم الهاء : الانحدار من علو، وبفتح الهاء : المكان الذي يهبط فيه، وإلى من انصرف هذا الخطاب ؟ فيه ستة أقوال : أحدها : أنه انصرف إلى آدم وحواء والحية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني : إلى آدم وحواء وإبليس والحية، حكاه السدي عن ابن عباس. والثالث : إلى آدم وإبليس، قاله مجاهد.
والرابع : إلى آدم وحواء وإبليس، قاله مقاتل. والخامس : إلى آدم وحواء وذريتهما، قاله الفراء. والسادس : إلى آدم وحواء فحسب، ويكون لفظ الجمع واقعا على التثنية، كقوله :﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] ذكره ابن الأنباري، وهو العلة في قول مجاهد أيضا.
واختلف العلماء : هل أهبطوا جملة أو متفرقين ؟ على قولين :
أحدهما : أنهم أهبطوا جملة، لكنهم نزلوا في بلاد متفرقة، قاله كعب، ووهب.
والثاني : أنهم أهبطوا متفرقين، فهبط إبليس قبل آدم، وهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بالأبلة قاله مقاتل. وروي عن ابن عباس أنه قال : أهبطت الحية بنصيبين، قال : وأمر الله تعالى جبريل بإخراج آدم، فقبض على ناصيته وخلصه من الشجرة التي قبضت عليه، فقال : أيها الملك ارفق بي. قال جبريل : إني لا أرفق بمن عصى الله، فارتعد آدم واضطرب، وذهب كلامه، وجبريل يعاتبه في معصيته، ويعدّد نعم الله عليه، قال : وأدخل الجنة ضحوة، وأخرج منها بين الصلاتين، فمكث فيها نصف يوم، خمسمائة عام مما يعد أهل الدنيا.
وفي العداوة المذكرة هاهنا ثلاثة أقوال :
أحدها : أن ذرية بعضهم أعداء لبعض، قاله مجاهد. والثاني : أن إبليس عدو لآدم وحواء، وهما له عدو، قاله مقاتل. والثالث : أن إبليس عدو للمؤمنين، وهم أعداؤه، قاله الزجاج.
وفي المستقر قولان : أحدهما : أن المراد به القبور، حكاه السدي عن ابن عباس.
والثاني : موضع الاسقرار، قاله أبو العالية، وابن زيد، والزجاج، وابن قتيبة، وهو أصح.
والمتاع : المنفعة. والحين : الزمان. قال ابن عباس :﴿إلى حِينٍ﴾ أي : إلى فناء الأجل بالموت.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى