تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى آمرا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ومُهَيجًا لهم بذكر أبيهم إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب، عليه السلام، وتقديره : يا بني العبد الصالح المطيع لله كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول : يا ابن الكريم، افعل كذا. يا ابن الشجاع، بارز الأبطال، يا ابن العالم، اطلب العلم ونحو ذلك.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى :﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] فإسرائيل هو يعقوب عليه السلام، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي : حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حَوشب، قال : حدثني عبد الله بن عباس قال : حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ فقال لهم :" هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب ؟ ". قالوا : اللهم نعم. فقال النبي ﷺ :" اللهم اشهد(١) " (٢) وقال الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس ؛ أن إسرائيل كقولك : عبد الله.
وقوله تعالى :﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قال مجاهد : نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سِوَى ذلك، فَجَّر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأنجاهم من عبودية آل فرعون.
وقال أبو العالية : نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب.
قلت : وهذا كقول موسى عليه السلام لهم :﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] يعني في زمانهم.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله :﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أي : بلائي عندكم وعند آبائكم لِمَا كان نجاهم به من فرعون وقومه ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال : بعهدي الذي أخذت في(٣) أَعناقكم للنبي ﷺ إذا جاءكم. ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أي : أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم.
[ وقال الحسن البصري : هو قوله :﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ الآية [المائدة: ١٢]. وقال آخرون : هو الذي أخذه الله عليهم في التوراة أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيًا عظيما يطيعه جميع الشعوب والمراد به محمد ﷺ فمن اتبعه غُفر له ذنبه وأدخل الجنة وجعل له أجران. وقد أورد فخر الدين الرازي هاهنا بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم السلام بمحمد ﷺ ](٤).
وقال أبو العالية :﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ قال : عهده إلى عباده : دينه الإسلام أن يتبعوه.
وقال الضحاك، عن ابن عباس :﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال : أرْض عنكم وأدخلكم الجنة.
وكذا قال السدي، والضحاك، وأبو العالية، والربيع بن أنس.
وقوله :﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي : فاخشون ؛ قاله أبو العالية، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة.
وقال ابن عباس في قوله تعالى :﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي أنزل بكم ما أنزل(٥) بمن كان قبلكم من آبائكم من النَّقِمَات التي قد عرفتم من المسخ وغيره.
وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب، فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة، لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع الرسول والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره، وتصديق أخباره، والله الهادي لمن يشاء إلى صراطه المستقيم ؛
ولهذا(٦) قال :﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنزلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾
١ في جـ: "اللهم فاشهد"..
٢ رواه أحمد في المسند (١/٢٧٣) عن حسين، عن عبد الحميد بن بهرام به.
.

٣ في جـ، ط، ب: "من"..
٤ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
٥ في جـ، ط، ب: "ما أنزلت"..
٦ في جـ: "فلهذا"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى