اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
" إذ " في موضع نصب عطفاً على " نعْمَتي "، وكذلك الظُّروف التي بعده نحو :﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾ [البقرة: ٥١]، ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾ [البقرة: ٥٥]. وقرئ :[ أَنْجَيْتُكُمْ ] على التوحيد.
وهذا الخطاب للموجودين في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ولا بُدّ من حذف مضاف، أي : أنجينا آباءكم، نحو :﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾
[الحاقة: ١١] ؛ لأن إنجاء الآباء سبب في وجود الأبناء، وأصل الإنْجَاء والنَّجَاة : الإلقاء على نَجْوَةٍ من الأرض، وهي المرتفع منها ليسلم من الآفات، ثم أطلق الإنْجاء على كل فَائِزٍ وخارج من ضِيْقٍ إلى سَعَةٍ، وإن لم يُلْقَ على نَجْوَةٍ.
و " من آل " متعلّق به، و " من " لابتداء الغاية.
و " آل " اختلف فيه على ثلاثة أقوال : فقال " سيبويه " [ وأتباعه ] : إن أصله " أهل " فأبدلت الهاء همزة لقربها منها [ - كما قالوا : ماء، وأصله ماه ]، ثم أبدلت الهمزة ألفاً، لسكونها بعد همزة مفتوحة نحو :" آمن وآدم " ولذلك إذا صُغِّرَ رجع إلى أصله [ فتقول :" أُهَيْل ".
قال أبو البقاء : وقال بعضهم :" أويل "، فأبدلت الألف واواً ].
ولم يرده إلى أصله، كما لم يردوا " عُيَيْداً " إلى أصله في التصغير يعني فلم يقولوا :" عُوَيْداً " لأنه من " عَادَ يَعُود "، قالوا : لئلا يلتبس بِعُودِ الخَشَبِ. وفي هذا نظر ؛ لأن النحاة قالوا : من اعتقد كونه من " أهل " صغره على " أُهَيْل "، ومن اعتقد كونه من " آل يَئُول " أي : رجع صَغّره على " أُوَيل ".
وذهب " النحاس " إلى أن أصله " أَهْل " أيضاً، إلا أنه قلب الهاء ألفاً من غير أن يقلبها أولاً همزة، وتصغيره عنده على " أُهَيْلٍ ".
وقال الكسَائِيُّ :" أُوَيْل " وقد تقدّم ما فيه.
ومنهم من قال أصله :" أَوَلَ " مشتق من " آلَ يَئُول "، أي : رجع ؛ لأنّ الإنسان يرجع إلى آله، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، وتصغيره على " أُوَيْل " نحو :" مَال " و " مُوَيْل " و " بَاب " و " بُوَيْب " ويعزى هذا للكسَائِيِّ.
وجمعه :" آلُون " و " آلِين " وهذا شاذٌّ ك " أَهْلِين " ؛ لأنه ليس بصفة ولا عَلَمٍ.
قال ابن كَيْسَان : إذا جمعتَ " آلاً " قُلْتَ :" آلُونَ "، فإن جمعت " آلاً " الذي هو [ السَّراب ] قلت :" آوَال " ليس إلاّ ؛ مثل :" مَال وأَمْوَال ".
واختلف فيه فقيل :" آل " الرجل قرابته كأهله.
وقيل : من كان من شيعته، وإن لم يكن قريباً منه ؛ قال :[ الطويل ]
ولهذا قيل : آل النبي من آمن به إلى آخر الدَّهْرِ، ومن لم يؤمن به فليس بآله، وإن كان نسيباً له، كأبي لَهَبٍ وأبي طالب، ونقل بعضهم أن " الرَّاغب " ذكر في " المفردات " أن " الآل " يطلق على الرَّجل نفسه.
واختلف فيه النُّحَاة : هل يضاف إلى الضمير أم لا ؟
فذهب الكسائي، وأبو بكر الزبيدي، والنحاس إلى أن ذلك لا يجوز، فلا يجوز اللَّهم صَلِّ على محمَّد وآله، بل وعلى آل محمد، وذهب جَمَاعة، منهم ابن السِّيدِ إلى جوازه ؛ واستدلُّوا بقوله عليه الصلاة والسلام لما سئل فقيل : يا رسول الله من آلُكَ ؟ فقال :" آلِي كُلُّ تَقِيٍّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ(١) " ؛ وأنشدوا قول [ عبد المطلب ] :[ الكامل ]
واختلفوا أيضاً فيه : هل يُضَاف إلى غير العُقَلاَء فيقال : آل " المدينة " وآل " مكة " ؟
فمنعه الجمهور، وقال " الأخفش " : قد سمعناه في البُلْدَان، قالوا : أهل " المدينة " وآل " المدينة " ولا يضاف إلاّ إلى مَنْ له قَدْرٌ وخَطرٌ، فلا يقال : آل الإسْكَاف ولا آل الحَجّام، وهو من الأسماء اللازمة للإضافة معنًى ولفظاً، وقد عرفت ما اختص به من الأحكام دون أصله الذي هو " أهل " هذا كلّه في " آل " مراداً به الأهل، أما " آل " الذي هو السَّراب فليس مما نحن فيه في شيء، وتصغيره " أُوَيْل " نحو :" مَال وَمُوَيْل " وتقدم جمعه.
قوله :﴿فِرْعَوْنَ﴾ خفض بالإضافة، ولكنه لا ينصرف للعُجْمَةِ والتعريف.
واختلف فيه : هل هو علم شخص، أو علم جنس ؛ فإنه يقال لكلّ [ من ] ملك القِبْط و " مِصْر " : فرعون، مثل كِسْرَى لكل من ملك الفرس، وقَيْصَر [ وهرقل ] لكل من ملك الروم، ويقال لكل من ملك " الهند " : نهمز، وقيل : يَعْفُور، ويقال لمن ملك الصَّابئة : نمْرُوذ، ولمن ملك البربر : جَالُوت، [ ولمن ملك اليهود فيطون، والمعروف شالخ ولمن ملك فَرْغَانَة الإخشيد ]، ولمن ملك العرب من قبل العَجم النُّعْمَان ؛ ولمن ملك " الصين " يعفو، وهِرَقْل لكل من ملك الروم، والقَيْل لكل من ملك " حِمْيَر "، والنَّجَاشي لكل من ملك " الحبشة "، وبَطْلَيْمُوس لكل من ملك " اليونان " وتُبَّع لمن ملك " اليمن "، وخَاقَان لمن ملك التُّرك.
وقال " الزمخشري " : وفرعون علم لمن ملك العَمَالقة كقيصر للروم، ولعُتُوّ الفراعنة اشتقوا منه تَفَرْعَنَ فلانٌ، إذا عَتَا وتَجَبَّرَ ؛ وفي مُلَحِ بعضهم :[ الكامل ]
وقال " المَسْعُودي(٢) " :" لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية ".
وظاهر كلام " الجوهري " أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال :" والعُتَاة : الفَرَاعنة، وقد تَفَرْعَنَ، وهو ذو فَرْعَنَةٍ، أي دهاء ومكر ".
وفي الحديث :" أخذنا فِرْعَون هذه الأُمّة " إلا أن [ يريد ] معنى ما قاله الزمخشري المتقدم.
واسم فرعون موسى : قَابُوس في قول أهل الكتاب، نقله وهب بن منبه وقال ابن إسحاق وَوَهْب :" اسمه الوليد بن مصعب بن الريان(٣)، ويكنى أبا مُرَّة ". وحكى ابن جريج " أن " اسمه مصعب بن رَيّان، وهو من بني عمْلِيق بن ولاد بن إرم بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام.
وذكر ابن الخطيب أن [ ابن ] وهب قال : إن فرعون يوسف عليه الصَّلاة والسَّلام هو فرعون موسى، لقول موسى عليه الصَّلاة والسلام. ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٣٤] وقال : هذا غير صحيح، إذ كان بين دخول يوسف " مصر "، وبين أن دخلها موسى أكثر من أربعمائة سنة.
وذكر النووي أن فرعون موسى عمر أكثر من أربعمائة سنة، فمشى قول ابن وهب.
وقال محمد بن إسحاق :" هو غير فرعون يوسف وإن فرعون يوسف كان اسمه الريان بن الوليد ".
قوله :﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ هذه الجملة في محل نصب على الحال من " آل " أي : حال كونهم سَائِمِين، ويجوز أن تكون مستأنفة لمجرد الإخبار بذلك، وتكون حكاية حال ماضية، قال بمعناه ابن عطية، وليس بظاهر.
وقيل : هو خبر لمبتدأ محذوف، أي : هم يسومونكم، ولا حَاجَةَ إليه أيضاً.
و " كم " مفعول أول، و " سوء " مفعول ثان ؛ لأن " سَامَ " يعتدّى لاثنين ك " أعْطَى "، ومعناه أَوْلاَهُ كذا، وألزمه إياه ؛ ومنه قول عمرو بن كُلْثُومٍ :[ الوافر ]
قال الزمخشري :" وأصله من سَامَ السّلعة إذا طلبها، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب، ويزيدونكم عليه ".
وقيل أصل السَّوم : الدوام، ومنه سَائِمَةُ الغَنَمِ لمداومتها الرعي. والمعنى : يديمون تعذيبكم.
وسوء العذاب : أشدّه وأقطعه، وإن كان كله سيّئاً، كأنه أقبحه بالإضافة إلى سائره.
والسوء : كل ما يعم الإنسان من أمْرٍ دنيوي وأخروي، وهو في الأصل مصدر، ويؤنث بالألف، قال تعالى :﴿أَسَاءُواْ السُّوأى﴾ [الروم: ١٠].
[ وأجاز بعضهم أن يكون " سوء " نعتاً لمصدر محذوف تقديره : يسومونكم سوماً سيئاً، كذا قدره.
وقال أيضاً :] " ويجوز أن يكون بمعنى سوم العذاب "، كأنه يريد بذلك أنه منصوب على نوع المصدر نحو :" قعد جلوساً " ؛ لأن سوء العذاب نوع من السوم.
قال أبو العباس المُقْرئ : ورد لفظ " السّوء " على خمسة عشر وجهاً :
الأول : بمعنى " الشدة " كهذه الآية، أي : شدة العذاب.
الثاني : بمعنى " العَقْر " قال تعالى :﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٦٤].
الثالث :" الزِّنا : قال تعالى :﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١].
الرابع :" المَرَض " قال تعالى :﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢].
الخامس :" اللّعْنة " قال تعالى :﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
[النحل: ٢٧].
السادس :" العَذَاب " قال تعالى :﴿لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ [الزمر: ٦١].
السابع :" الشِّرْك " قال تعالى :﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨].
الثامن :" العِصْيَان " قال تعالى :﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾
[النحل: ١١٩].
التاسع :" الشَّتْم " قال تعالى :﴿وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾
[الممتحنة: ٢] أي : بالشَّتم، ومثله :﴿لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾
[النساء: ١٤٨] أي : الشَّتْم.
العاشر :" الجُنُون " قال تعالى :﴿إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾
[هود: ٥٤] أي بجنون.
الحادي عشر :" اليأس " قال تعالى :﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] أي : يأس الدار.
الثاني عشر :" المرض " قال تعالى :﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] يعني المرض.
الثالث عشر :" الفَقْر " قال تعالى :﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] أي : الفقر.
الرابع عشر :" الهَزِيمة " قال تعالى :﴿فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] أي : هزيمة.
الخامس عشر :" السوء " : الصيد، قال تعالى :﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ﴾ [الأعراف: ١٦٥] أي : الصيد.
قال " محمد بن إسحاق " : جعلهم خولاً وخدماً له، وصنفهم في [ أعماله ](٤) فصنف يَبْنُون، وصنف يَحْرُثُون، وصنف يَزْرَعُون، وصنف يخدمونه، ومن لم يكن في فرع من أعماله، فإنه يضع عليه جزيةً يؤديها.
وقال " السُّدي " : جعلهم في الأعمال الصَّعبة الشديدة مثل : كنس المَبْرز، وعمل الطِّين، ونحت الجِبَال.
قوله :﴿يُذَبِّحُونَ﴾ هذه الجملة يُحْتَمَلُ أن تكون مفسّرة للجملة قبلها، وتفسيرها لها على وجهين :
أحدهما : أن تكون مستأنفةً، فلا محلّ لها حينئذ من الإعراب، كأنه قيل : كيف كان سومهم العذاب ؟ فقيل : يذبحون.
الثاني : أن تكون بدلاً منها ؛ كقوله :[ الطويل ]
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾
وهذا الخطاب للموجودين في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ولا بُدّ من حذف مضاف، أي : أنجينا آباءكم، نحو :﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾
[الحاقة: ١١] ؛ لأن إنجاء الآباء سبب في وجود الأبناء، وأصل الإنْجَاء والنَّجَاة : الإلقاء على نَجْوَةٍ من الأرض، وهي المرتفع منها ليسلم من الآفات، ثم أطلق الإنْجاء على كل فَائِزٍ وخارج من ضِيْقٍ إلى سَعَةٍ، وإن لم يُلْقَ على نَجْوَةٍ.
و " من آل " متعلّق به، و " من " لابتداء الغاية.
و " آل " اختلف فيه على ثلاثة أقوال : فقال " سيبويه " [ وأتباعه ] : إن أصله " أهل " فأبدلت الهاء همزة لقربها منها [ - كما قالوا : ماء، وأصله ماه ]، ثم أبدلت الهمزة ألفاً، لسكونها بعد همزة مفتوحة نحو :" آمن وآدم " ولذلك إذا صُغِّرَ رجع إلى أصله [ فتقول :" أُهَيْل ".
قال أبو البقاء : وقال بعضهم :" أويل "، فأبدلت الألف واواً ].
ولم يرده إلى أصله، كما لم يردوا " عُيَيْداً " إلى أصله في التصغير يعني فلم يقولوا :" عُوَيْداً " لأنه من " عَادَ يَعُود "، قالوا : لئلا يلتبس بِعُودِ الخَشَبِ. وفي هذا نظر ؛ لأن النحاة قالوا : من اعتقد كونه من " أهل " صغره على " أُهَيْل "، ومن اعتقد كونه من " آل يَئُول " أي : رجع صَغّره على " أُوَيل ".
وذهب " النحاس " إلى أن أصله " أَهْل " أيضاً، إلا أنه قلب الهاء ألفاً من غير أن يقلبها أولاً همزة، وتصغيره عنده على " أُهَيْلٍ ".
وقال الكسَائِيُّ :" أُوَيْل " وقد تقدّم ما فيه.
ومنهم من قال أصله :" أَوَلَ " مشتق من " آلَ يَئُول "، أي : رجع ؛ لأنّ الإنسان يرجع إلى آله، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، وتصغيره على " أُوَيْل " نحو :" مَال " و " مُوَيْل " و " بَاب " و " بُوَيْب " ويعزى هذا للكسَائِيِّ.
وجمعه :" آلُون " و " آلِين " وهذا شاذٌّ ك " أَهْلِين " ؛ لأنه ليس بصفة ولا عَلَمٍ.
قال ابن كَيْسَان : إذا جمعتَ " آلاً " قُلْتَ :" آلُونَ "، فإن جمعت " آلاً " الذي هو [ السَّراب ] قلت :" آوَال " ليس إلاّ ؛ مثل :" مَال وأَمْوَال ".
واختلف فيه فقيل :" آل " الرجل قرابته كأهله.
وقيل : من كان من شيعته، وإن لم يكن قريباً منه ؛ قال :[ الطويل ]
| ٤٧١ فَلاَ تَبْكِ مَيْتاً بَعْدَ مَيْتٍ أَجَنَّهُ | عَلِيٌّ وَعَبَّاسٌ وَآلُ أبِي بَكْرِ |
واختلف فيه النُّحَاة : هل يضاف إلى الضمير أم لا ؟
فذهب الكسائي، وأبو بكر الزبيدي، والنحاس إلى أن ذلك لا يجوز، فلا يجوز اللَّهم صَلِّ على محمَّد وآله، بل وعلى آل محمد، وذهب جَمَاعة، منهم ابن السِّيدِ إلى جوازه ؛ واستدلُّوا بقوله عليه الصلاة والسلام لما سئل فقيل : يا رسول الله من آلُكَ ؟ فقال :" آلِي كُلُّ تَقِيٍّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ(١) " ؛ وأنشدوا قول [ عبد المطلب ] :[ الكامل ]
| ٤٧٢ لاَهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْ | نَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حَلاَلَكْ |
| وانْصُرْ عَلَى آل الصَّلِي | بِ وَعَابِدِيهِ اليَوْمَ آلَكْ |
[ وقول نُدْبَة :[ الطويل ]
| ٤٧٣ أَنَا الفَارِسُ الحَامِي حَقِيقَةَ وَالِدِي | وَآلِي كَمَا تَحْمِي حَقِيقَةَ آلِكَا ] |
فمنعه الجمهور، وقال " الأخفش " : قد سمعناه في البُلْدَان، قالوا : أهل " المدينة " وآل " المدينة " ولا يضاف إلاّ إلى مَنْ له قَدْرٌ وخَطرٌ، فلا يقال : آل الإسْكَاف ولا آل الحَجّام، وهو من الأسماء اللازمة للإضافة معنًى ولفظاً، وقد عرفت ما اختص به من الأحكام دون أصله الذي هو " أهل " هذا كلّه في " آل " مراداً به الأهل، أما " آل " الذي هو السَّراب فليس مما نحن فيه في شيء، وتصغيره " أُوَيْل " نحو :" مَال وَمُوَيْل " وتقدم جمعه.
قوله :﴿فِرْعَوْنَ﴾ خفض بالإضافة، ولكنه لا ينصرف للعُجْمَةِ والتعريف.
واختلف فيه : هل هو علم شخص، أو علم جنس ؛ فإنه يقال لكلّ [ من ] ملك القِبْط و " مِصْر " : فرعون، مثل كِسْرَى لكل من ملك الفرس، وقَيْصَر [ وهرقل ] لكل من ملك الروم، ويقال لكل من ملك " الهند " : نهمز، وقيل : يَعْفُور، ويقال لمن ملك الصَّابئة : نمْرُوذ، ولمن ملك البربر : جَالُوت، [ ولمن ملك اليهود فيطون، والمعروف شالخ ولمن ملك فَرْغَانَة الإخشيد ]، ولمن ملك العرب من قبل العَجم النُّعْمَان ؛ ولمن ملك " الصين " يعفو، وهِرَقْل لكل من ملك الروم، والقَيْل لكل من ملك " حِمْيَر "، والنَّجَاشي لكل من ملك " الحبشة "، وبَطْلَيْمُوس لكل من ملك " اليونان " وتُبَّع لمن ملك " اليمن "، وخَاقَان لمن ملك التُّرك.
وقال " الزمخشري " : وفرعون علم لمن ملك العَمَالقة كقيصر للروم، ولعُتُوّ الفراعنة اشتقوا منه تَفَرْعَنَ فلانٌ، إذا عَتَا وتَجَبَّرَ ؛ وفي مُلَحِ بعضهم :[ الكامل ]
| ٤٧٤ قد جَاءَهُ الموسَى [ الكَلُومُ ] فَزَادَ في | أَقْصَى تَفَرْعُنِهِ وَفَرْطِ عُرَامِهِ |
وظاهر كلام " الجوهري " أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال :" والعُتَاة : الفَرَاعنة، وقد تَفَرْعَنَ، وهو ذو فَرْعَنَةٍ، أي دهاء ومكر ".
وفي الحديث :" أخذنا فِرْعَون هذه الأُمّة " إلا أن [ يريد ] معنى ما قاله الزمخشري المتقدم.
واسم فرعون موسى : قَابُوس في قول أهل الكتاب، نقله وهب بن منبه وقال ابن إسحاق وَوَهْب :" اسمه الوليد بن مصعب بن الريان(٣)، ويكنى أبا مُرَّة ". وحكى ابن جريج " أن " اسمه مصعب بن رَيّان، وهو من بني عمْلِيق بن ولاد بن إرم بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام.
وذكر ابن الخطيب أن [ ابن ] وهب قال : إن فرعون يوسف عليه الصَّلاة والسَّلام هو فرعون موسى، لقول موسى عليه الصَّلاة والسلام. ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٣٤] وقال : هذا غير صحيح، إذ كان بين دخول يوسف " مصر "، وبين أن دخلها موسى أكثر من أربعمائة سنة.
وذكر النووي أن فرعون موسى عمر أكثر من أربعمائة سنة، فمشى قول ابن وهب.
وقال محمد بن إسحاق :" هو غير فرعون يوسف وإن فرعون يوسف كان اسمه الريان بن الوليد ".
قوله :﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ هذه الجملة في محل نصب على الحال من " آل " أي : حال كونهم سَائِمِين، ويجوز أن تكون مستأنفة لمجرد الإخبار بذلك، وتكون حكاية حال ماضية، قال بمعناه ابن عطية، وليس بظاهر.
وقيل : هو خبر لمبتدأ محذوف، أي : هم يسومونكم، ولا حَاجَةَ إليه أيضاً.
و " كم " مفعول أول، و " سوء " مفعول ثان ؛ لأن " سَامَ " يعتدّى لاثنين ك " أعْطَى "، ومعناه أَوْلاَهُ كذا، وألزمه إياه ؛ ومنه قول عمرو بن كُلْثُومٍ :[ الوافر ]
| ٤٧٥ إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفاً | أَبَيْنَا أن نُقِرَّ الخَسْفَ فينا |
وقيل أصل السَّوم : الدوام، ومنه سَائِمَةُ الغَنَمِ لمداومتها الرعي. والمعنى : يديمون تعذيبكم.
وسوء العذاب : أشدّه وأقطعه، وإن كان كله سيّئاً، كأنه أقبحه بالإضافة إلى سائره.
والسوء : كل ما يعم الإنسان من أمْرٍ دنيوي وأخروي، وهو في الأصل مصدر، ويؤنث بالألف، قال تعالى :﴿أَسَاءُواْ السُّوأى﴾ [الروم: ١٠].
[ وأجاز بعضهم أن يكون " سوء " نعتاً لمصدر محذوف تقديره : يسومونكم سوماً سيئاً، كذا قدره.
وقال أيضاً :] " ويجوز أن يكون بمعنى سوم العذاب "، كأنه يريد بذلك أنه منصوب على نوع المصدر نحو :" قعد جلوساً " ؛ لأن سوء العذاب نوع من السوم.
قال أبو العباس المُقْرئ : ورد لفظ " السّوء " على خمسة عشر وجهاً :
الأول : بمعنى " الشدة " كهذه الآية، أي : شدة العذاب.
الثاني : بمعنى " العَقْر " قال تعالى :﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٦٤].
الثالث :" الزِّنا : قال تعالى :﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١].
الرابع :" المَرَض " قال تعالى :﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢].
الخامس :" اللّعْنة " قال تعالى :﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
[النحل: ٢٧].
السادس :" العَذَاب " قال تعالى :﴿لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ [الزمر: ٦١].
السابع :" الشِّرْك " قال تعالى :﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨].
الثامن :" العِصْيَان " قال تعالى :﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾
[النحل: ١١٩].
التاسع :" الشَّتْم " قال تعالى :﴿وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾
[الممتحنة: ٢] أي : بالشَّتم، ومثله :﴿لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾
[النساء: ١٤٨] أي : الشَّتْم.
العاشر :" الجُنُون " قال تعالى :﴿إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾
[هود: ٥٤] أي بجنون.
الحادي عشر :" اليأس " قال تعالى :﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] أي : يأس الدار.
الثاني عشر :" المرض " قال تعالى :﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] يعني المرض.
الثالث عشر :" الفَقْر " قال تعالى :﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] أي : الفقر.
الرابع عشر :" الهَزِيمة " قال تعالى :﴿فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] أي : هزيمة.
الخامس عشر :" السوء " : الصيد، قال تعالى :﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ﴾ [الأعراف: ١٦٥] أي : الصيد.
فصل في السوء الذي ضرب على بني إسرائيل
قال " محمد بن إسحاق " : جعلهم خولاً وخدماً له، وصنفهم في [ أعماله ](٤) فصنف يَبْنُون، وصنف يَحْرُثُون، وصنف يَزْرَعُون، وصنف يخدمونه، ومن لم يكن في فرع من أعماله، فإنه يضع عليه جزيةً يؤديها.
وقال " السُّدي " : جعلهم في الأعمال الصَّعبة الشديدة مثل : كنس المَبْرز، وعمل الطِّين، ونحت الجِبَال.
قوله :﴿يُذَبِّحُونَ﴾ هذه الجملة يُحْتَمَلُ أن تكون مفسّرة للجملة قبلها، وتفسيرها لها على وجهين :
أحدهما : أن تكون مستأنفةً، فلا محلّ لها حينئذ من الإعراب، كأنه قيل : كيف كان سومهم العذاب ؟ فقيل : يذبحون.
الثاني : أن تكون بدلاً منها ؛ كقوله :[ الطويل ]
| ٤٧٦ مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بَنَا في دِيَارِنَا | . . . (٥) |
١ - ذكره العجلوني "في كشف الخفاء" (١/١٧) وقال: قال السيوطي: لا أعرفه. والحديث رواه الديلمي كما في "كشف الخفاء" ولفظه آل محمد كل تقي وقرأ "إن أولياؤه إلا المتقون".
ورواه الطبراني في "الأوسط" كما في "كنز العمال" (٥٦٢٤) عن أنس بن مالك ولفظه: آل محمد كل تقي..
٢ - علي بن الحسين بن علي أبو الحسن المسعودي من ذرية عبد الله بن مسعود: مؤرخ، رحالة، بحاثة، من أهل بغداد أقام بمصر وتوفي فيها. قال الذهبي "عداده في أهل بغداد، نزل مصر مدة، وكان معتزليا" من تصانيفه "مروج الذهب" و "أخبار الزمان ومن أباده الحدثان" و "الاستذكار بما مر في سالف الأعصار" وأخبار الأمم من العرب والعجم وخزائن الملوك وسر العالمين.
ينظر الأعلام: ٤/٢٧٧ (٢١٣٦)، فوات الوفيات: ٢/٤٥، لسان الميزان: ٤/٢٢٤، النجوم الزاهرة: ٣/٣١٥..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/٣٨) وفي تاريخه (١/١٩٩) وعن ابن إسحاق: أن اسمه الوليد بن مصعب بن الريان..
٤ - في ب: الأعمال..
٥ - تقدم برقم (١٨٣)..
ورواه الطبراني في "الأوسط" كما في "كنز العمال" (٥٦٢٤) عن أنس بن مالك ولفظه: آل محمد كل تقي..
٢ - علي بن الحسين بن علي أبو الحسن المسعودي من ذرية عبد الله بن مسعود: مؤرخ، رحالة، بحاثة، من أهل بغداد أقام بمصر وتوفي فيها. قال الذهبي "عداده في أهل بغداد، نزل مصر مدة، وكان معتزليا" من تصانيفه "مروج الذهب" و "أخبار الزمان ومن أباده الحدثان" و "الاستذكار بما مر في سالف الأعصار" وأخبار الأمم من العرب والعجم وخزائن الملوك وسر العالمين.
ينظر الأعلام: ٤/٢٧٧ (٢١٣٦)، فوات الوفيات: ٢/٤٥، لسان الميزان: ٤/٢٢٤، النجوم الزاهرة: ٣/٣١٥..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/٣٨) وفي تاريخه (١/١٩٩) وعن ابن إسحاق: أن اسمه الوليد بن مصعب بن الريان..
٤ - في ب: الأعمال..
٥ - تقدم برقم (١٨٣)..