البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
النجاة : التنجية من الهلكة بعد الوقوع فيها، والأصل : الإلقاء بنجوة، قال الشاعر :
ألم تر للنعمان كان بنجوةمن الشر لو أن امرأ كان ناجيا
الآل : قيل بمعنى الأهل، وزعم أن ألفه بدل عن هاء، وأن تصغيره أهيل، وبعضهم ذهب إلى أن ألفه بدل من همزة ساكنة، وتلك الهمزة بدل من هاء، وقيل : ليس بمعنى الأهل لأن الأهل القرابة، والآل من يؤول من قرابة أو ولي أو مذهب، فألفه بدل من واو.
ولذلك قال يونس : في تصغيره أويل، ونقله الكسائي نصاً عن العرب، وهذا اختيار أبي الحسن بن الباذش، ولم يذكر سيبويه في باب البدل أن الهاء تبدل همزة، كما ذكر أن الهمزة تبدل هاء في : هرقت، وهيا، وهرحت، وهياك.
وقد خصوا آلاً بالإضافة إلى العلم ذي الخطر ممن يعلم غالباً، فلا يقال : آل الإسكاف والحجام، قال الشاعر :
نحن آل اللَّه في بلدتنالم نزل آلا على عهد ارم
قال الأخفش : لا يضاف آل إلا إلى الرئيس الأعظم، نحو : آل محمد ﷺ، وآل فرعون لأنه رئيسهم في الضلالة، قيل : وفيه نظر، لأنه قد سمع عن أهل اللغة في البلدان فقالوا : آل المدينة، وآل البصرة.
وقال الكسائي : لا يجوز أن يقال : فلان من آل البصرة، ولا من آل الكوفة، بل يقال : من أهل البصرة، ومن أهل الكوفة، انتهى قوله.
وقد سمع إضافته إلى اسم الجنس وإلى الضمير، قال الشاعر :
وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك***
وقال هدبة :
أنا الفارس الحامي حقيقة والديوآلي كما تحمي حقيقة آلكا
وقد اختلف في اقتباس جواز إضافته إلى المضمر، فمنع من ذلك الكسائي، وأبو جعفر النحاس، وأبو بكر الزبيدي، وأجاز ذلك غيرهم.
وجمع بالواو والنون رفعاً وبالياء والنون جراً ونصباً، كما جمع أهل فقالوا : آلون.
والآل : السراب، يجمع على أفعال، قالوا : أأوال، والآل : عمود الخيمة، والآل : الشخص، والآلة : الحالة الشديدة.
فرعون : لا ينصرف للعلمية والعجمة، وسيأتي الكلام عليه.
سامه : كلفه العمل الشاق، قال الشاعر :
إذا ما الملك سام الناس خسفاأبينا أن نقر الخسف فينا
وقيل معناه : يعلمونكم من السيماء، وهي العلامة، ومنه : تسويم الخيل.
وقيل : يطالبونكم من مساومة البيع.
وقيل : يرسلون عليكم من إرسال الإبل للرّعي، وقال أبو عبيدة : يولونكم، يقال سامه خطة خسف : أي أولاه إياها.
السوء : مصدر أساء، يقال : ساء يسوء، وهو متعد، وأساء الرجل : أي صار ذا سوء، قال الشاعر :
لئن ساءني أن نلتني بمساءةلقد سرّني أني خطرت ببالك
ومعنى ساءه : أحزنه، هذا أصله، ثم يستعمل في كل ما يستقبح، ويقال : أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفعل : يراد قبحهما.
الذبح : أصله الشق، قال الشاعر :
كأن بين فكها والفكفأرة مسك ذبحت في سك
وقال :
كأنما الصاب في عينيك مذبوح***
والذبحة : داء في الحلق، يقال منه : ذبحه يذبحه ذبحاً، والذبح : المذبوح.
الاستحياء : هنا الإبقاء حياً، واستفعل فيه بمعنى أفعل : استحياه وأحياه بمعنى واحد، نحو قولهم : أبل واستبل، أو طلب الحياء، وهو الفرج، فيكون استفعل هنا للطلب، نحو : استغفر، أي تطلب الغفران.
وقد تقدم الكلام على استحيا من الحياء في قوله :﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً﴾ النساء : اسم يقع للصغار والكبار، وهو جمع تكسير لنسوة، ونسوة على وزن فعلة، وهو جمع قلة، خلافاً لابن السرّاج، إذ زعم أن فعلة اسم جمع لا جمع تكسير، وعلى القولين لم يلفظ له بواحد من لفظه.
والواحدة : امرأة.
البلاء : الاختبار، بلاه يبلوه بلاء : اختبره، ثم صار يطلق على المكروه والشدة، يقال : أصاب فلاناً بلاء : أي شدة، وهو راجع لمعنى البلى، كأن المبتلى يؤول حاله إلى البلى، وهو الهلاك والفناء.
ويقال : أبلاه بالنعمة، وبلاه بالشدة.
وقد يدخل أحدهما على الآخر فيقال : بلاه بالخير، وأبلاه بالشر، قال الشاعر :
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكمفأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
فاستعملهما بمعنى واحد، ويبنى منه افتعل فيقال : ابتلى.
﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون﴾ : تقدم الكلام على إذ في قوله :﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل﴾ ومن أجاز نصب إذ هناك مفعولاً به بإضمار اذكر أو ادّعى زيادتها، فقياس قوله هناك إجازته هنا، إذ لم يتقدم شيء تعطفه عليه إلا إن ادّعى مدّع أن إذ معطوفة على معمول اذكروا، كأنه قال : اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم، ووقت تنجيتكم.
ويكون قد فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة الاعتراض التي هي :﴿واتقوا يوماً﴾.
وقد قدمنا أنا لا نختار أن يكون مفعولاً به بأذكر، لا ظاهرة ولا مقدرة، لأن ذلك تصرف فيها، وهي عندنا من الظروف التي لا يتصرف فيها إلا بإضافة اسم زمان إليها على ما قرر في النحو.
وإذا كان كذلك، فالذي نختاره أن ينتصب على الظرف، ويكون العامل فيه فعلاً محذوفاً يدل عليه ما قبله، تقديره : وأنعمنا عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون، وتقدير هذا الفعل أولى من كل ما قدمناه.
وخرج بقوله : أنجيناكم إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه من ضمير المتكلم الذي لا يدل على تعظيم في قوله :﴿نعمتي التي أنعمت﴾، لأن هذا الفعل الذي هو الإنجاء من عدوّهم، هو من أعظم، أو أعظم النعم، فناسب الأعظم نسبته للمعظم نفسه.
وقرئ : أنجيناكم، والهمزة للتعدية إلى المفعول، كالتضعيف في نجيناكم.
ونسبة هذه القراءة للنخعي.
وذكر بعضهم أنه قرأ : أنجيتكم، فيكون الضمير موافقاً للضمير في نعمتي، والمعنى : خلصتكم من آل فرعون، وجعل التخليص منهم لأنهم هم الذين كانوا يباشرونهم بهذه الأفعال السيئة، وإن كان أمرهم بذلك فرعون، وآل فرعون هنا أهل مصر، قاله مقاتل، أو أهل بيته خاصة، قاله أبو عبيد، أو أتباعه على ذنبه، قاله الزجاج، ومنه :﴿وأغرقنا آل فرعون﴾ وهم أتباعه على ذنبه، إذ لم يكن له أب، ولا بنت، ولا ابن، ولا عم، ولا أخ، ولا عصبة، وأدخلوا آل فرعون أشد العذاب.
" وروي أنه قيل لرسول الله ﷺ : من آلك ؟ فقال :«كل تقي » ".
ويؤيد القول الثاني : لا تحل الصدقة لمحمد وآل محمد.
والمراد بالآل هنا : آل عقيل، وآل عباس، وآل الحارث بن عبد المطلب ومواليهم.
وورد أيضاً أن آله : أزواجه وذريته، فدل على أنه لرسول الله ﷺ آل عام وآل خاص.
وفرعون : علم لمن ملك العمالقة، كما قيل : قيصر لمن ملك الروم، وكسرى لمن ملك الفرس، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وتبع لمن ملك اليمن.
وقال السهيلي : هو اسم لكل من ملك القبط ومصر، وقد اشتق منه : تفرعن الرجل، إذا تجبر وعتا، واسمه الوليد بن مصعب، قاله ابن إسحاق، وأكثر المفسرين، أو فنطوس، قاله مقاتل، أو مصعب بن الريان، حكاه ابن جرير، أو مغيث، ذكره بعض المفسرين، أو قابوس، وكنيته أبو مرة، وهو من بني عمليق بن لاوذ بن ارم بن سام بن نوح.
وروي أنه من أهل اصطخر، ورد إلى مصر فصار بها ملكاً، لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية، قاله المسعودي.
وقال ابن وهب : فرعون موسى هو فرعون يوسف، قالوا : وهذا غير صحيح، لأن بين دخول يوسف مصر ودخول موسى أكثر من أربعمائة سنة.
والصحيح أنه غيره.
وقيل : كان اسم فرعون يوسف الريان بن الوليد.
﴿يسومونكم﴾ : يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وهي حكاية حال ماضية، ويحتمل أن تكون في موضع الحال : أي سائميكم، وهي حال من آل فرعون.
﴿وسوء العذاب﴾ : أشقه وأصعبه وانتصابه، مبني على المراد بيسومونكم، وفيه للمفسرين أقوال : السوم : بمعنى التكليف أو الإبلاء، فيكون سوء العذاب على هذا القول مفعولاً ثانياً لسام، أي يكلفونكم، أو يولونكم سوء العذاب، أو بمعنى : الإرسال، أو الإدامة، أو التصريف، أي : يرسلونكم، أو يديمونكم، أو يصرفونكم في الأعمال الشاقة، أو بمعن الرفع، أي يرفعونكم إلى سوء العذاب، أو الوسم، أي : يعلمونكم من العلامة، ومعناه : أن الأعمال الشاقة لكثرة مزاولتها تصير عليهم علامة بتأثيرها في جلودهم وملابسهم، كالحدادة والنجارة، وغير ذلك يكون وسماً لهم، والتقدير : يعلمونكم بسوء العذاب.
وضعف هذا القول من جهة الاشتقاق، لأنه لو كان كذلك لكان يسمونكم، وهذا التضعيف ضعيف لأنه لم يقل إنه مأخوذ من الوسم، وإنما معناه معنى الوسم، وهو من السيمياء، والسيماء مسوّمين في أحد تفاسيره بمعنى العلامة، وأصول هذا سين وواو وميم، وهي أصول يسومونكم، ويكون فعل المجرد بمعنى فعل، وهو مع الوسم مما اتفق معناه واختلفت أصوله : كدمث، ودمثر، وسبط، وسبطر، أو بمعنى الطلب بالزيادة من السوم في البيع، أي : يطلبونكم بازدياد الأعمال الشاقة.
وعلى هذه الأقوال غير القولين الأولين يكون ﴿سوء العذاب﴾ مفعولاً على إسقاط حرف الجر.
وقال بعض الناس : ينتصب سوء العذاب نصب المصدر، ثم قدره سوماً شديداً.
وسوء العذاب : الأعمال القذرة، قاله السدي، أو الحرث والزراعة والبناء وغير ذلك، قاله بعضهم.
قال : وكان قومه جنداً ملوكاً، أو الذبح، أو الاستحياء المشار إليهما، قاله الزجاج.
ورد ذلك بثبوت الواو في إبراهيم فقال : ويذبحون، فدل على أنه عذبهم بالذبح وبغير الذبح.
وحكي أن فرعون جعل بني إسرائيل خدماً في الأعمال من البناء والتخريب والزراعة والخدمة، ومن لا يعمل فالجزية، فذوو القوّة ينحتون السواري من الجبال حتى قرحت أعناقهم وأيديهم ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها، وطائفة ينقلون له الحجارة والطين ويبنون له القصور، وطائفة يضربون اللبن ويطبخون الآجر، وطائفة نجارون وحدادون، والضعفة جعل عليهم الخراج ضريبة يؤدونها كل يوم.
فمن غربت عليه الشمس قبل أن تؤديها غلت يده إلى عنقه شهراً.
والنساء يغزلن الكتان وينسجن.
وأصل نشأة بني إسرائيل بمصر نزول إسرائيل بها زمان ابنه يوسف بها على نبينا وعليهما السلام.
﴿يذبحون أبناءهم﴾ : قراءة الجمهور بالتشديد، وهو أولى لظهور تكرار الفعل باعتبار متعلقاته.
وقرأ الزهري وابن محيصن : يذبحون خفيفاً من ذبح المجرد اكتفاء بمطلق الفعل، وللعلم بتكريره من متعلقاته.
وقرأ عبد الله : يقتلون بالتشديد مكان يذبحون، والذبح قتل، ويذبحون بدل من يسومونكم، بدل الفعل من الفعل، نحو : قوله تعالى :﴿يلق أثاماً يضاعف له العذاب﴾ وقول الشاعر :
متى تأتنا تلمم بنا في ديارناتجد حطباً جزلاً وناراً تأججا
ويحتمل أن تكون مما حذف منه حرف العطف لثبوته في إبراهيم.
وقول من ذهب إلى أن الواو زائدة لحذفها هنا ضعيف.
وقال الفراء : الموضع الذي حذفت فيه الواو تفسير لصفات العذاب، والموضع الذي فيه الواو يبين أنه قد مسهم العذاب، غير الذبح، ويجوز أن يكون يذبحون : في موضع الحال، من ضمير الرفع في : يسومونكم، ويجوز أن يكون مستأنفاً.
وفي سبب الذبح والاستحياء أقوال وحكايات مختلفة، الله أعلم بصحتها، ومعظمها يدل على خوف فرعون من ذهاب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل.
والأبناء : الأطفال الذكور، يقال : إنه قتل أربعين ألف صبي.
وقيل : أراد بالأبناء : الرّجال،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى