فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
وقوله :﴿إِذْ نجيناكم﴾ متعلق بقوله ﴿اذكروا﴾ والنجاة : النجوة من الأرض، وهي ما ارتفع منها، ثم سمي كل فائز ناجياً. وآل فرعون : قومه، وأصل آل : أهل بدليل تصغيره على أُهيل، وقيل غير ذلك، وهو يضاف إلى ذوي الخطر. وقال الأخفش : إنما يقال في الرئيس الأعظم نحو آل محمد. ولا يضاف إلى البلدان، فلا يقال من آل المدينة. وقال الأخفش : قد سمعناه في البلدان قالوا آل المدينة. واختلفوا هل يضاف إلى المضمر أم لا. فمنعه قوم وسوّغه آخرون، وهو الحق، ومنه قول عبد المطلب :
وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك
وفرعون : قيل هو اسم ذلك الملك بعينه. وقيل إنه اسم لكل ملك من ملوك العمالقة كما يسمى من ملك الفرس كسرى، ومن ملك الروم قيصر، ومن ملك الحبشة النجاشي. واسم فرعون موسى المذكور هنا قابوس في قول أهل الكتاب. وقال وهب : اسمه الوليد بن مصعب بن الريان. قال المسعودي : لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية.
وقال الجوهري : إن كل عات يقال له فرعون، وقد تفرعن وهو ذو فرعنة : أي : دهاء ومكر. وقال في الكشاف : تفرعَن فلان : إذا عتا وتجبر.
ومعنى قوله :﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يولونكم، قاله أبو عبيدة، وقيل يذيقونكم، ويلزمونكم إياه، وأصل السوم الدوام، ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرعي، ويقال : سامه خطة خسف : إذا أولاه إياها. وقال في الكشاف : أصله من سام السلعة إذا طلبها، كأنه بمعنى : يبغونكم سوء العذاب، ويريدونكم عليه انتهى. ﴿وسوء العذاب﴾ : أشدّه، وهو صفة مصدر محذوف، أي يسومونكم سوماً سوء العذاب، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، وهذه الجملة في محل رفع على أنها خبر لمبتدأ مقدّر، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال أي : سائمين لكم.
وقوله :﴿يُذَبّحُونَ﴾ وما بعده بدل من قوله :﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ وقال الفراء : إنه تفسير لما قبله، وقرأه الجماعة بالتشديد، وقرأ ابن محيصن بالتخفيف. والذبح في الأصل : الشقّ، وهو فرى أوداج المذبوح، والمراد بقوله تعالى :﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ﴾ يتركونهن أحياء ؛ ليستخدموهنّ، ويمتهنوهنّ وإنما أمر بذبح الأبناء، واستحياء البنات، لأن الكهنة أخبروه بأنه يولد مولود يكون هلاكه على يده، وعبر عن البنات باسم النساء ؛ لأنه جنس يصدق على البنات. وقالت طائفة : إنه أمر بذبح الرجال، واستدلوا بقوله :﴿نِسَاءكُمْ﴾ والأوّل أصح بشهادة السبب. ولا يخفى ما في قتل الأبناء، واستحياء البنات للخدمة ونحوها، من إنزال الذلّ بهم، وإلصاق الإهانة الشديدة بجميعهم لما في ذلك من العار. والإشارة بقوله :﴿وَفِى ذلكم﴾ إلى جملة الأمر، والبلاء يطلق تارة على الخير، وتارة على الشرّ، فإن أريد به هنا الشرّ كانت الإشارة بقوله :﴿وَفِى ذلكم بَلاء﴾ إلى ما حلّ بهم من النقمة بالذبح ونحوه، وإن أريد به الخير كانت الإشارة إلى النعمة التي أنعم الله عليهم بالإنجاء، وما هو مذكور قبله من تفضيلهم على العالمين. وقد اختلف السلف ومن بعدهم في مرجع الإشارة، فرجح الجمهور الأوّل، ورجح الآخرون الآخر. قال ابن جرير : وأكثر ما يقال في الشرّ بلوته أبلوه بلاء، وفي الخير أبلية إبلاء وبلاء، قال زهير :
جَزَى الله بِالإحْسانِ مَا فَعَلا بِكُموأبلاهما خَيْر البَلاءِ الذي يَبْلُو
قال : فجمع بين اللغتين لأنه أراد، فأنعم عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا تلا :﴿اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قال : مضى القوم، وإنما يعني به أنتم، وأخرج ابن جرير عن سفيان بن عيينة قال في قوله :﴿اذكروا نِعْمَتِيَ﴾ هي أيادي الله، وأيامه. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال : نعمة الله التي أنعم بها على بني إسرائيل، فيما سمى، وفيما سوى ذلك، فجَّر لَهُم الحجر، وأنزل عليهم المنّ، والسلوى، وأنجاهم من عبودية آل فرعون. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة في قوله :﴿وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ قال : فضلوا على العالم الذي كانوا فيه، ولكل زمان عالم. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن جرير عن أبي العالية في قوله :﴿فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ قال : بما أعطوا من الملك، والرسل، والكتب على من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالماً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله :﴿لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نفْسٍ شَيْئًا﴾ قال : لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من المنفعة شيئاً. وأخرج ابن جرير، عن عمرو بن قيس المُلائي، عن رجل من بني أمية من أهل الشام أحسن الثناء عليه، قال :«قيل يا رسول الله ما العدل ؟ قال :" العدل الفدية " وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس نحوه. قال ابن أبي حاتم : وروى عن أبي مالك، والحسن، وسعيد بن جبير وقتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك. وأخرج عبد الرزاق عن عليّ في تفسير الصرف، والعدل قال : التطوّع والفريضة. قال ابن كثير : وهذا القول غريب هاهنا، والقول الأوّل أظهر في تفسير هذه الآية.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : قالت الكهنة لفرعون : إنه يولد في هذا العام مولود يذهب بملكه، فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة عشرة، وعلى كل عشر رجلاً، فقال : انظروا كل امرأة حامل في المدينة، فإذا وضعت حملها، فإن كان ذكراً فاذبحوه، وإن كان أنثى، فخلوا عنها، وذلك قوله :﴿يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ﴾ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله :﴿يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب﴾ قال : إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة.
فقالت له الكهنة : إنه سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه، فبعث في أهل مصر نساء قوابل، فإذا ولدت امرأة غلاماً أتى به فرعون فقتله، ويستحيي الجواري. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿بَلاء من ربّكُمْ عَظِيمٌ﴾ يقول : نقمة. وأخرج وكيع عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله :﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر﴾ فقال : إي والله لفرق البحر بينهم حتى صار طريقاً يبساً يمشون فيه، فأنجاهم الله، وأغرق آل فرعون عدوّهم. وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث ابن عباس قال :«قدم رسول الله ﷺ المدينة، فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء فقال :" ما هذا اليوم ؟ " قالوا : هذا يوم صالح نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوّهم فصامه موسى، فقال رسول الله ﷺ :" نحن أحق بموسى منكم، فصامه، وأمر بصومه " وقد أخرج الطبراني، وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير أن هرقل كتب إلى معاوية يسأله عن أمور، منها عن البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة، فكتب معاوية إلى ابن عباس، فأجابه عن تلك الأمور وقال : وأما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة من نهار : فالبحر الذي أفرج عن بني إسرائيل. ولعله سيأتي إن شاء الله تعالى زيادة على ما هنا عند تفسير قوله تعالى :﴿أَنِ اضرب بعَصَاكَ البحر فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم﴾ [الشعراء: ٦٣].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى