لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن

عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿وإذ نجيناكم﴾ أي واذكروا إذ خلصنا أسلافكم وأجوادكم فاعتدها نعمة ومنة عليهم لأنهم نجوا بنجاة أسلافهم ﴿من آل فرعون﴾ أي من أتباعه وأهل دينه وفرعون اسم علم لمن كان يملك مصر من القبط والعماليق وفرعون هذا كان اسمه الوليد بن مصعب بن الريان وعمر أكثر من أربعمائة سنة ﴿يسومونكم﴾ أي يكلفونكم ويذيقونكم ﴿سوء العذاب﴾ أي أشد العذاب وأسوأه، وقيل : يصرفونكم في العذاب مرة كذا ومرة كذا، وذلك أن فرعون جعل بني إسرائيل خدماً وخولاً، وصنفهم في الأعمال أصنافاً : صنف يبنون ويزرعون، وصنف يخدمونه ومن لم يكن في عمل وضع عليه الجزية وقال ابن وهب : كانوا أصنافاً في أعمال فرعون فذوو القوة يسلخون السواري من الجبال، حتى تقرعت أيديهم وأعناقهم ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها وصنف ينقلون الحجارة والطين يبنون له القصور، وطائفة يضربون اللبن ويطبخون الآجر، وطائفة نجارون وحدادون، والضعفة منهم يضرب عليهم الخراج يعني الجزية ضريبة يؤدونها كل يوم، فمن غربت عليه الشمس قبل أن يؤدي ضريبته، غلبت يداه إلى عنقه شهراً والنساء يغزلن الكتان وينسجنه وقيل تفسير يسومونكم سوء العذاب، ما بعده وهو قوله عز وجل :﴿يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ أي يتركونهن أحياء. وذلك أن فرعون رأى في منامه كأن ناراً أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر، وأحرقت كل قبطي بها ولم تتعرض لبني إسرائيل فهاله ذلك، وسأل الكهنة عن رؤياه فقالوا : يولد غلام يكون على يديه هلاكك وزوال ملكك فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل، ووكل بالقوابل فكنّ يفعلن ذلك حتى قتل في طلب موسى اثنى عشر ألفاً وقيل : سبعين ألفا، وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل فدخل رؤساء القبط على فرعون وقالوا : إن الموت قد وقع ببني إسرائيل فتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فولد هارون في السنة التي لا يذبح فيها وولد موسى في السنة التي يذبح فيها ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ أي اختيار وامتحان، والبلاء يطلق على النعمة العظيمة وعلى المحنة الشديدة ليختبر الله العبد على النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر فإن حمل قوله :﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ على صنع فرعون كان من البلاء والمحنة وإن حمل على الإنجاء كان من النعمة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى