اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
هذا هو الإنعام الثَّامن، وحذفت الألف من " قلنا " لسكونها، وسكون الدال بعدها، والألف التي يبتدأ بها قبل الدّال ألف وصل ؛ لأنه من يدخل.
قوله :" هَذِهِ الْقَرْيَةَ ".
هذه منصوبة عند سيبويه على الظرف، وعند الأخفش على المفعول به، وذلك أنّ كل ظرف مكان مختصّ لا يتعدّى إليه الفعل إلاّ ب " في "، تقول : صلّيت في البيت ولا تقول : صلّيت البيت إلاّ ما استثني.
ومن جملة ما استثني " دخل " مع كل مكان مختصّ، نحو :" دخلت البيت والسُّوق "، وهذا مذهب سيبويه وقال الأخفش : الواقع بعد " دَخَلت " مفعول به كالواقع بعد " هَدَمت " كقولك :" هَدَمت البيت " فلو جاء " دَخَل " مع الظرف تعدّى ب " في " نحو :" دخلت في الأمر " ولا تقول :" دَخَلْت الأمر "، وكذا لو جاء الظرف المختصّ مع غير " دخل " تعدّى ب " في " إلا ما شَذَّ ؛ كقوله :[ الطويل ]
و " القرية " " المدينة "، وهي نعت ل " هذه "، أو عطف بَيَان كما تقدم، والقرية مشتقّة من قَرَيْتُ أي : جمعت، تقول : قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْض، أي : جَمَعْتُهُ، واسم ذلك الماء قِرى بكسر القاف و " المِقْرَاة " للحوض، وجمعها " مَقَارٍ "، قال :[ الطويل ]
٥١١- عِظَامُ الْمَقَارِي ضَيْفَهُمْ لاَ يُفَزَّعُ ***. . .
و " القَرْيَان " : اسم لمجتمع الماء، و " القَرْيَةُ " في الأصل اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وقد يطلق عليهم مجازاً، وقوله تعالى :﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يحتمل الوجهين.
وقال الراغب :" إنها اسم للموضع وللناس جميعاً، ويُسْتَعْمَل في كل واحد منهما ".
و " القِرْية " بكسر القاف في لغة " اليمن "، واختلف في تعيينها.
فقال الجمهور : هي بيت المقدس.
وقال ابن عباس :" أَرِيْحَا " وهي قرية الجَبَّارين، وكان فيها قوم من بَقِيَّةِ عَادٍ يقال لهم : العَمَالقة، ورئيسهم عوج بن علق.
وقال " ابن كيسان " :" الشّام ".
وقال الضحاك :" الرَّمْلَة " و " الأردنُّ "، و " فلسطين " و " تَدْمُرُ ".
وقال مقاتل :" إيليا ".
وقيل : بلقاء.
وقيل :" مصر ". والصحيح الأول، لقوله من المائدة :﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١].
قوله :﴿وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً﴾ تقدّم الكلام على هذه المادة.
قوله :" الْبَابَ سُجَّداً " حال من فاعل " ادْخُلُوا " وهو جمع " سَاجِد ".
قال أبو البقاء :" وهو أبلغ من السجود "، يعني : أن جمعه على " فُعَّل " فيه من المُبَالغة ما ليس في جمعه على " فُعُول ".
وأصل باب : بَوَبٌ، لقولهم : أَبْوَاب، وقد يجمع على " أَبْوِبة " ؛ لازدواج الكلام ؛ قال :[ البسيط ]
ورواه الجَوهريُّ :[ البسيط ]
ولو أفرده لم يجز، ومثله قوله عليه الصلاة والسلام :" مرحباً بالقَوْمِ أو بالوفد غير خَزَايَا ولا نَدامَى(١) ".
وتَبَوَّبْتُ بَوَّاباً اتخذته. وأبواب مُبَوَّبة، كقولهم : أصناف مصنّفة، وهذا شيء من بابتك، أي : يصلح لك، وتقدّم معنى السجود.
قوله :" وَقُولُوا " قال [ ابن كثير ] الواو هنا حالية لا عاطفة، أي : ادخلوا سُجَّداً في حال قولكم حطّة.
وأما قوله :" حطّة " قرئ بالرّفع والنصب، فالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي : مسألتنا حطّة، أو أمرك حطة.
قال :" الزمخشري " : والأصل النصب بمعنى : حُطّ عنا ذنوبنا حطّة، وإنما رفعت لتعطي مَعْنَى الثبات كقوله :[ الرجز ]
والأصل : صبراً عَلَيَّ، اصْبِرْ صبراً، فجعله من باب ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٤] وتكن الجملة في محلّ نصب بالقول.
وقال " ابن عطية " وقيل : أمروا أن يقولوها مرفوعة على هذا اللفظ.
يعني : على الحكاية، فعلى هذا تكون هي وحَدْهَا من غير تقدير شيء في محلّ نصب بالقول، وإنما منع [ النصب ] حركة الحكاية.
وقال أيضاً : وقال عكرمة : أُمِرُوا أن يقولوا : لا إله إلا الله، لِتحطَّ بها ذنوبهم وحَكَى قَوْلَيْن آخرين بمعناه، ثم قال :" فعلى هذه الأقوال تقتضي النَّصب "، يعني أنه إذا كان المَعْنَى على أنّ المأمور به لا يتعيّن أن يكون بهذا اللَّفظ الخاصّ، بل بأيّ شيء يقتضي حطّ الخطيئة، فكان ينبغي أن ينتصب ما بعد القول مفعولاً به نحو : قيل لزيد خيراً، المعنى : قل له ما هو من جنس الْخُيُور. وقال النَّحّاس : الرفع أولى، لما حكي عن العرب في معنى " بَدَّل ".
قال أحمد بن يحيى : يقال : بَدّلته أي غيرته، ولم أزل عينه، وأبْدَلْتُه أَزَلْتُ عينه وشَخْصَهُ ؛ كقوله :[ الرجز ]
٥١٥- عَزْلَ الأَمِيْرِ لِلأمِير الْمُبْدَلِ ***. . .
وقال تعالى :﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥].
وبحديث ابن مسعود قالوا : حطّةٌ تغير على الرَّفع يعني : أن الله تعالى قال : فبدَّلَ الذي يقتضي التَّغيير لا زَوَالَ العين، قال : وهذا المعنى يقتضي الرَّفع لا النصب.
وقرأ ابن أبي عبلة : حطَّةً بالنصب وفيها وجهان :
أحدهما : أنها مصدر نائب عن الفعل، نحو : ضرباً زيداً.
والثاني : أن تكون منصوبة بالقول، أي : قولوا هذا اللَّفظ بعينه، كما تقدم في وجه الرَّفع، فهي على الأوّل منصوبةٌ بالفعل المقدر، وذلك الفعل المقدر ومنصوبه في محل نصب بالقول، ورجح الزمخشري هذا الوجه.
و " الحطّة " اسم الهَيْئَةِ من الْحَطِّ ك " الجِلْسَة " و " الْقِعْدَة ".
وقيل : هي لفظة أمروا بها، ولا ندري معناها.
وقيل : هي التَّوْبة، وأنشد :[ الخفيف ]
اختلفوا في " الباب " قال ابن عباس، ومجاهد، والضّحاك، وقتادة : إنه باب يدعى باب الحطّة من بيت المقدس، وحكى الأَصَمّ عن بعضهم أنه عنى بالباب جِهَةً من جهات القرية، ومدخلاً إليها.
واختلفوا في " السُّجود "، فقال الحسن : أراد به نفس السُّجود، أي : إلصاق الوجه بالأرض، وهذا بعيد، لأن الظَّاهر يقتضي وجوب الدُّخول حال السجود، فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس : أنَّ المُراد به الركوع، لأنّ الباب كان صغيراً يحتاج الدَّاخل فيه إلَى الانحناء.
قال ابن الخَطِيْبِ : وهذا بعيد ؛ لأنه لو كان ضيقاً لكانوا مضطرين إلى دخوله ركّعاً، فلا حاجة فيه إلى الأمر.
وأجيب بأنه روي عن ابن عَبَّاس : أنهم دخلوا يزحفون على أَسْتاههمْ.
وقيل : المراد بالسجود : الخضوع. وهو الأقرب ؛ لأنه لما تعذّر حمله على السجود الحقيقي وجب حمله على التواضع ؛ لأن التَّائب عن الذنب لا بُدّ وأن يكون خاضعاً.
وأما تفسير " الحطّة " فقال " القاضي " : إنه تعالى لما أمرهم بدخول الباب خاضعين أمرهم بأن يقولوا ما يَدُلّ على التوبة ؛ لأن التوبة صفةُ القلب، فلا يطلع الغير عليها، فإذا اشتهر واحدٌ بذنب، أو بمذهب خطأ، ثم تاب عن الذنب، أو أظهر له الحق، فإنه يلزم أن يعرف إخوانه الَّذِين عرفوا منه ذلك الذنب، أو ذلك المذهب، فتزول عنه التُّهْمَة في الثبات على الباطل، ويعودوا إلى مُوَالاته، فالحاصل أنه أمر القوم أن يدخلوا الباب على وَجْهِ الخضوع، وأن يذكروا بلسانهم الْتِمَاسَ حَطّ الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب، وخضوع الجوارح، والاستغفار باللِّسان.
وقال " الأصَمّ " : هذه اللَّفظة من ألفاظ أهل الكتاب التي لا يعرف معناها في العربية.
وقال أبو مسلم الأَصْفَهَاني : معناه : أمرنا حطّة، أي : أن نحطّ في هذه القرية، ونستقر فيها، ورد القاضي ذلك، وقال : لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خَطَايَاهُمْ متعلقاً به، ولكن قوله :﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ يدلّ على أن غفران الخَطَايا كان لأجل قولهم حطّة، ويمكن أن يجاب عنه بأنهم لما حطُّوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجدّاً مع التَّوَاضُع كان الغفران متعلقاً به.
وقال معناه : اللَّهم حط عنا ذنوبنا، فإنّا إنما انحططنا لوجهك، وإرادة التذلل لك، فحطّ عنا ذنوبنا.
اختلفوا هل كلّفوا بهذه اللفظة بعينها، أو بما يؤدي معناها ؟
روي عن ابن عباس : أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها، وفيه نظر ؛ لأن هذه اللفظة عربية، ولم يكونوا يتكلمون بالعربية، وأيضاً فإنما أمروا بأن يقولوا قولاً دالاًّ على التوبة والندم ؛ فلو قالوا : اللّهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلاً.
قوله :" نَغْفِرْ " هو مجزوم في جواب الأمر، وقد تقدم الخلاف، هل الجازم نفس الجملة، أو شرط مقدر ؟ أي : يقولوا نغفر.
وقرئ :" نَغْفِرْ " بالنون وهو جار على ما قبله [ من قوله :] " وإذ قلنا " و " تُغْفَر " بالتاء بالياء مبنيّاً للمفعول.
و " خطاياكم " مفعول لم يسم فاعله، فالتَّاء لتأنيث الخَطَايا، والياء ؛ لأن تأنيثها غير حقيقي، وللفصل أيضاً ب " لكم ".
وقرئ :" يغفر " مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى وهو في معنى القراءة الأولى، إلاّ أن فيه التفاتاً.
و " لكم " متعلّق ب " نغفر ".
وأدغم " أبو عمرو " الراء في اللاّم، والنحاة يستضعفونها، قالوا : لأن الرَّاء حرف تكرير فهي أقوى من اللام، والقاعدة أن الأضعف يدغم في الأقوى من غير عَكْسٍ، وليس فيها ضعف ؛ لأن انحراف اللاّم يقاوم تكرير الراء. وقد بَيَّن " أبو البَقَاءِ " ضعفه، وتقدم جوابه.
قوله :" خطاياكم " : إما منصوب بالفعل قبله، أو مرفوع حسب ما تقدّم من القراءات، وفيها [ أربعة ] أقوال :
أحدها : قول الخليل [ أنّ ] أصلها " خَطَايئ " بياء بعد الألف، ثم همزة ؛ لأنها جمع " خطيئة " مثل :" صَحِيْفة وصَحَايف "، فلو تركت على حالها لوجب قَلْبُ الياء همزة ؛ لأن مدة " فَعَايل " يفعل بها كذا، على ما تقرر في التصريف، فضر من ذلك، لئلا تجتمع همزتان، بأن قلب فقدم اللام، وأخّر عنها المدّة فصارت :" خَطَائي "، فاستثقلت الكسرة على حرف ثقيل في نفسه، وبعده ياء من جنس الكَسْرَةِ فقلبوا الكسرة فتحة، فتحرك حرف العلّة، وانفتح ما قبله فقلبت ألفاً، فصارت :" خَطَاءا " بهمز بين ألفين، فاستثقلوا ذلك، فإنّ الهمزة تشبه الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات، فقلبوا الهمزة ياء ؛ لأنها واقعة موقعها قبل القَلْبِ، فصارت " خَطَايَا " على وزن " فَعَالَى " ففيها أربعة أعمال : قلب، وإبدال الكسرة فتحة، وقلب الياء ألفاً، وإبدال الهمزة ياء، هكذا ذكر التصريفيون، وهو مذهب الخليل.
الثاني : وعزاه " أبو البقاء(٢) " إليه أيضاً أنه :" خطائئ " بهمزتين : الأولى منهما مكسورة وهي المنقلبة عن الياء الزائدة في " خَطِيْئة " فهو مثل " صَحِيْفة " و " صَحَائف "، فاستثقلوا الجمع
قوله :" هَذِهِ الْقَرْيَةَ ".
هذه منصوبة عند سيبويه على الظرف، وعند الأخفش على المفعول به، وذلك أنّ كل ظرف مكان مختصّ لا يتعدّى إليه الفعل إلاّ ب " في "، تقول : صلّيت في البيت ولا تقول : صلّيت البيت إلاّ ما استثني.
ومن جملة ما استثني " دخل " مع كل مكان مختصّ، نحو :" دخلت البيت والسُّوق "، وهذا مذهب سيبويه وقال الأخفش : الواقع بعد " دَخَلت " مفعول به كالواقع بعد " هَدَمت " كقولك :" هَدَمت البيت " فلو جاء " دَخَل " مع الظرف تعدّى ب " في " نحو :" دخلت في الأمر " ولا تقول :" دَخَلْت الأمر "، وكذا لو جاء الظرف المختصّ مع غير " دخل " تعدّى ب " في " إلا ما شَذَّ ؛ كقوله :[ الطويل ]
| ٥١٠- جَزَى اللَّهُ [ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ] | رَفِيقَيْنِ قَالاَ خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ |
٥١١- عِظَامُ الْمَقَارِي ضَيْفَهُمْ لاَ يُفَزَّعُ ***. . .
و " القَرْيَان " : اسم لمجتمع الماء، و " القَرْيَةُ " في الأصل اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وقد يطلق عليهم مجازاً، وقوله تعالى :﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يحتمل الوجهين.
وقال الراغب :" إنها اسم للموضع وللناس جميعاً، ويُسْتَعْمَل في كل واحد منهما ".
و " القِرْية " بكسر القاف في لغة " اليمن "، واختلف في تعيينها.
فقال الجمهور : هي بيت المقدس.
وقال ابن عباس :" أَرِيْحَا " وهي قرية الجَبَّارين، وكان فيها قوم من بَقِيَّةِ عَادٍ يقال لهم : العَمَالقة، ورئيسهم عوج بن علق.
وقال " ابن كيسان " :" الشّام ".
وقال الضحاك :" الرَّمْلَة " و " الأردنُّ "، و " فلسطين " و " تَدْمُرُ ".
وقال مقاتل :" إيليا ".
وقيل : بلقاء.
وقيل :" مصر ". والصحيح الأول، لقوله من المائدة :﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١].
قوله :﴿وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً﴾ تقدّم الكلام على هذه المادة.
قوله :" الْبَابَ سُجَّداً " حال من فاعل " ادْخُلُوا " وهو جمع " سَاجِد ".
قال أبو البقاء :" وهو أبلغ من السجود "، يعني : أن جمعه على " فُعَّل " فيه من المُبَالغة ما ليس في جمعه على " فُعُول ".
وأصل باب : بَوَبٌ، لقولهم : أَبْوَاب، وقد يجمع على " أَبْوِبة " ؛ لازدواج الكلام ؛ قال :[ البسيط ]
| ٥١٢- هَتَّاكُ أَخْبِيَةٍ ولاج أَبْوِبَةٍ | يَخْلِطُ بِالْجِدِّ مِنْهُ الْبِرَّ واللِّينا |
| ٥١٣-. . . | يَخْلِطُ بالْبِرِّ مِنْهُ الْجِدَّ وَاللِّيْنَا |
وتَبَوَّبْتُ بَوَّاباً اتخذته. وأبواب مُبَوَّبة، كقولهم : أصناف مصنّفة، وهذا شيء من بابتك، أي : يصلح لك، وتقدّم معنى السجود.
قوله :" وَقُولُوا " قال [ ابن كثير ] الواو هنا حالية لا عاطفة، أي : ادخلوا سُجَّداً في حال قولكم حطّة.
وأما قوله :" حطّة " قرئ بالرّفع والنصب، فالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي : مسألتنا حطّة، أو أمرك حطة.
قال :" الزمخشري " : والأصل النصب بمعنى : حُطّ عنا ذنوبنا حطّة، وإنما رفعت لتعطي مَعْنَى الثبات كقوله :[ الرجز ]
| ٥١٤- يَشْكُو إِليَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى | صَبْرٌ جَمِيلٌ فكِلاَنَا مُبْتَلى |
وقال " ابن عطية " وقيل : أمروا أن يقولوها مرفوعة على هذا اللفظ.
يعني : على الحكاية، فعلى هذا تكون هي وحَدْهَا من غير تقدير شيء في محلّ نصب بالقول، وإنما منع [ النصب ] حركة الحكاية.
وقال أيضاً : وقال عكرمة : أُمِرُوا أن يقولوا : لا إله إلا الله، لِتحطَّ بها ذنوبهم وحَكَى قَوْلَيْن آخرين بمعناه، ثم قال :" فعلى هذه الأقوال تقتضي النَّصب "، يعني أنه إذا كان المَعْنَى على أنّ المأمور به لا يتعيّن أن يكون بهذا اللَّفظ الخاصّ، بل بأيّ شيء يقتضي حطّ الخطيئة، فكان ينبغي أن ينتصب ما بعد القول مفعولاً به نحو : قيل لزيد خيراً، المعنى : قل له ما هو من جنس الْخُيُور. وقال النَّحّاس : الرفع أولى، لما حكي عن العرب في معنى " بَدَّل ".
قال أحمد بن يحيى : يقال : بَدّلته أي غيرته، ولم أزل عينه، وأبْدَلْتُه أَزَلْتُ عينه وشَخْصَهُ ؛ كقوله :[ الرجز ]
٥١٥- عَزْلَ الأَمِيْرِ لِلأمِير الْمُبْدَلِ ***. . .
وقال تعالى :﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥].
وبحديث ابن مسعود قالوا : حطّةٌ تغير على الرَّفع يعني : أن الله تعالى قال : فبدَّلَ الذي يقتضي التَّغيير لا زَوَالَ العين، قال : وهذا المعنى يقتضي الرَّفع لا النصب.
وقرأ ابن أبي عبلة : حطَّةً بالنصب وفيها وجهان :
أحدهما : أنها مصدر نائب عن الفعل، نحو : ضرباً زيداً.
والثاني : أن تكون منصوبة بالقول، أي : قولوا هذا اللَّفظ بعينه، كما تقدم في وجه الرَّفع، فهي على الأوّل منصوبةٌ بالفعل المقدر، وذلك الفعل المقدر ومنصوبه في محل نصب بالقول، ورجح الزمخشري هذا الوجه.
و " الحطّة " اسم الهَيْئَةِ من الْحَطِّ ك " الجِلْسَة " و " الْقِعْدَة ".
وقيل : هي لفظة أمروا بها، ولا ندري معناها.
وقيل : هي التَّوْبة، وأنشد :[ الخفيف ]
| ٥١٦- فَازَ بِالْحِطَّةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّ | هُ بِهَا ذَنْبَ عَبدِهِ مَغْفُورَا |
فصل في المراد بالباب
اختلفوا في " الباب " قال ابن عباس، ومجاهد، والضّحاك، وقتادة : إنه باب يدعى باب الحطّة من بيت المقدس، وحكى الأَصَمّ عن بعضهم أنه عنى بالباب جِهَةً من جهات القرية، ومدخلاً إليها.
واختلفوا في " السُّجود "، فقال الحسن : أراد به نفس السُّجود، أي : إلصاق الوجه بالأرض، وهذا بعيد، لأن الظَّاهر يقتضي وجوب الدُّخول حال السجود، فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس : أنَّ المُراد به الركوع، لأنّ الباب كان صغيراً يحتاج الدَّاخل فيه إلَى الانحناء.
قال ابن الخَطِيْبِ : وهذا بعيد ؛ لأنه لو كان ضيقاً لكانوا مضطرين إلى دخوله ركّعاً، فلا حاجة فيه إلى الأمر.
وأجيب بأنه روي عن ابن عَبَّاس : أنهم دخلوا يزحفون على أَسْتاههمْ.
وقيل : المراد بالسجود : الخضوع. وهو الأقرب ؛ لأنه لما تعذّر حمله على السجود الحقيقي وجب حمله على التواضع ؛ لأن التَّائب عن الذنب لا بُدّ وأن يكون خاضعاً.
فصل في تفسير " الحطة "
وأما تفسير " الحطّة " فقال " القاضي " : إنه تعالى لما أمرهم بدخول الباب خاضعين أمرهم بأن يقولوا ما يَدُلّ على التوبة ؛ لأن التوبة صفةُ القلب، فلا يطلع الغير عليها، فإذا اشتهر واحدٌ بذنب، أو بمذهب خطأ، ثم تاب عن الذنب، أو أظهر له الحق، فإنه يلزم أن يعرف إخوانه الَّذِين عرفوا منه ذلك الذنب، أو ذلك المذهب، فتزول عنه التُّهْمَة في الثبات على الباطل، ويعودوا إلى مُوَالاته، فالحاصل أنه أمر القوم أن يدخلوا الباب على وَجْهِ الخضوع، وأن يذكروا بلسانهم الْتِمَاسَ حَطّ الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب، وخضوع الجوارح، والاستغفار باللِّسان.
وقال " الأصَمّ " : هذه اللَّفظة من ألفاظ أهل الكتاب التي لا يعرف معناها في العربية.
وقال أبو مسلم الأَصْفَهَاني : معناه : أمرنا حطّة، أي : أن نحطّ في هذه القرية، ونستقر فيها، ورد القاضي ذلك، وقال : لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خَطَايَاهُمْ متعلقاً به، ولكن قوله :﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ يدلّ على أن غفران الخَطَايا كان لأجل قولهم حطّة، ويمكن أن يجاب عنه بأنهم لما حطُّوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجدّاً مع التَّوَاضُع كان الغفران متعلقاً به.
وقال معناه : اللَّهم حط عنا ذنوبنا، فإنّا إنما انحططنا لوجهك، وإرادة التذلل لك، فحطّ عنا ذنوبنا.
فصل في بيان التلفظ بالحطة أو بمعناها
اختلفوا هل كلّفوا بهذه اللفظة بعينها، أو بما يؤدي معناها ؟
روي عن ابن عباس : أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها، وفيه نظر ؛ لأن هذه اللفظة عربية، ولم يكونوا يتكلمون بالعربية، وأيضاً فإنما أمروا بأن يقولوا قولاً دالاًّ على التوبة والندم ؛ فلو قالوا : اللّهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلاً.
قوله :" نَغْفِرْ " هو مجزوم في جواب الأمر، وقد تقدم الخلاف، هل الجازم نفس الجملة، أو شرط مقدر ؟ أي : يقولوا نغفر.
وقرئ :" نَغْفِرْ " بالنون وهو جار على ما قبله [ من قوله :] " وإذ قلنا " و " تُغْفَر " بالتاء بالياء مبنيّاً للمفعول.
و " خطاياكم " مفعول لم يسم فاعله، فالتَّاء لتأنيث الخَطَايا، والياء ؛ لأن تأنيثها غير حقيقي، وللفصل أيضاً ب " لكم ".
وقرئ :" يغفر " مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى وهو في معنى القراءة الأولى، إلاّ أن فيه التفاتاً.
و " لكم " متعلّق ب " نغفر ".
وأدغم " أبو عمرو " الراء في اللاّم، والنحاة يستضعفونها، قالوا : لأن الرَّاء حرف تكرير فهي أقوى من اللام، والقاعدة أن الأضعف يدغم في الأقوى من غير عَكْسٍ، وليس فيها ضعف ؛ لأن انحراف اللاّم يقاوم تكرير الراء. وقد بَيَّن " أبو البَقَاءِ " ضعفه، وتقدم جوابه.
قوله :" خطاياكم " : إما منصوب بالفعل قبله، أو مرفوع حسب ما تقدّم من القراءات، وفيها [ أربعة ] أقوال :
أحدها : قول الخليل [ أنّ ] أصلها " خَطَايئ " بياء بعد الألف، ثم همزة ؛ لأنها جمع " خطيئة " مثل :" صَحِيْفة وصَحَايف "، فلو تركت على حالها لوجب قَلْبُ الياء همزة ؛ لأن مدة " فَعَايل " يفعل بها كذا، على ما تقرر في التصريف، فضر من ذلك، لئلا تجتمع همزتان، بأن قلب فقدم اللام، وأخّر عنها المدّة فصارت :" خَطَائي "، فاستثقلت الكسرة على حرف ثقيل في نفسه، وبعده ياء من جنس الكَسْرَةِ فقلبوا الكسرة فتحة، فتحرك حرف العلّة، وانفتح ما قبله فقلبت ألفاً، فصارت :" خَطَاءا " بهمز بين ألفين، فاستثقلوا ذلك، فإنّ الهمزة تشبه الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات، فقلبوا الهمزة ياء ؛ لأنها واقعة موقعها قبل القَلْبِ، فصارت " خَطَايَا " على وزن " فَعَالَى " ففيها أربعة أعمال : قلب، وإبدال الكسرة فتحة، وقلب الياء ألفاً، وإبدال الهمزة ياء، هكذا ذكر التصريفيون، وهو مذهب الخليل.
الثاني : وعزاه " أبو البقاء(٢) " إليه أيضاً أنه :" خطائئ " بهمزتين : الأولى منهما مكسورة وهي المنقلبة عن الياء الزائدة في " خَطِيْئة " فهو مثل " صَحِيْفة " و " صَحَائف "، فاستثقلوا الجمع
١ - أخرجه البخاري في الصحيح (١/٣٦) كتاب الإيمان باب أداء الخمس... حديث رقم (٥٣)، (٨/٧٥) كتاب الأدب باب قول الرجل مرحبا... حديث رقم (٦١٧٦)، (١/٥٤) كتاب العلم باب تحريض النبي ﷺ حديث رقم (٨٧).
ومسلم في الصحيح (١/٤٧-٤٨) كتاب الإيمان (١) باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ (٦) حديث رقم (٢٤/١٧) وابن خزيمة في صحيحه حديث رقم (٣٠٧)- والطبراني في الكبير (١٢/٢٢٥)، ٢٤٣- والبيهقي في السنن (٤/١٩٩)- وابن أبي شيبة (١٢/٢٠٢)..
٢ - ينظر الإملاء: ١/٣٨..
ومسلم في الصحيح (١/٤٧-٤٨) كتاب الإيمان (١) باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ (٦) حديث رقم (٢٤/١٧) وابن خزيمة في صحيحه حديث رقم (٣٠٧)- والطبراني في الكبير (١٢/٢٢٥)، ٢٤٣- والبيهقي في السنن (٤/١٩٩)- وابن أبي شيبة (١٢/٢٠٢)..
٢ - ينظر الإملاء: ١/٣٨..