البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الدخول : معروف، وفعلة : دخل يدخل، وهو مما جاء على يفعل بضم العين.
وكان القياس فيه أن يفتح، لأن وسطه حرف حلق، كما جاء الكسر في ينزع وقياسه أيضاً الفتح.
القرية : المدينة، من قريت : أي جمعت.
سميت بذلك لأنها مجتمع الناس على طريق المساكنة.
وقيل : إن قلوا قيل لها قرية، وإن كثروا قيل لها مدينة.
وقيل : أقل العدد الذي تسمى به قرية ثلاثة فما فوقها، ومنه، قريت الماء في الحوض، والمقراة : الحوض، ومنه القرى : وهو الضيافة، والقرى : المجرى، والقرى : الظهر.
ولغة أهل اليمن : القرية، بكسر القاف، ويجمعونها على قِرى بكسر القاف نحو : رشوة ورشا.
وأما قرية بالفتح فجمت على قرى بضم القاف، وهو جمع على غير قياس.
قيل : ولم يسمع من فعله المعتل اللام إلا قرية وقرى، وتروة وترى، وشهوة وشهى.
الباب : معروف، وهو المكان الذي يدخل منه، وجمعه أبواب، وهو قياس مطرد، وجاء جمعه على أبوبة في قوله :
هتاك أخبية ولاج أبوبة***
لتشاكل أخبية، كما قالوا : لا دريت ولا تليت، وأصله تلوت، فقلبت الواو ياء لتشاكل دريت.
سجداً : جمع ساجد، وهو قياس مطرد في فاعل وفاعلة الوصفين الصحيحي اللام.
وقولوا : كل أمر من ثلاثي اعتلت عينه فانقلبت ألفاً في الماضي، تسقط تلك العين منه إذا أسند لمفرد مذكر نحو : قل وبع، أو لضمير مؤنث نحو : قلن وبعن، فإن اتصل به ضمير الواحدة نحو : قولي، أو ضمير الاثنين نحو : قولا، أو ضمير الذكور نحو : قولوا، ثبتت تلك العين، وعلة الحذف والإثبات مذكورة في النحو.
وقد جاء حذفها في الشعر، فجاء قوله : قلى وعشا.
حطة : على وزن فعلة من الحط، وهو مصدر كالحط، وقيل : هو هيئة وحال : كالجلسة والقعدة، والحط : الإزالة، حططت عنه الخراج : أزلته عنه.
والنزول : حططت.
وحكى : بفناء زيد نزلت به، والنقل من علو إلى أسفل، ومنه انحطاط القدر.
وقال أحمد بن يحيى، وأبان بن تغلب، الحطة : التوبة.
وأنشدوا :
أي فاز بالتوبة، وتفسيرهما الحطة بالتوبة إنما هو تفسير باللازم لا بالمرادف، لأن من حط عنه الذنب فقد تيب عليه.
الغفر والغفران : الستر، وفعله غفر يغفر، بفتح الغين في الماضي وكسرها في المضارع.
والغفيرة : المغفرة، والغفارة : السحاب وما يلبس به سية القوس، وخرقة تلبس تحت الخمار، ومثله المغفر والجماء، الغفير : أي جماعة يستر بعضهم بعضاً من الكثرة.
وقول عمر لمن قال له : لم حصبت المسجد ؟ هو أغفر للنخامة، كل هذا راجع لمعنى الستر والتغطية.
الخطيئة : فعيلة من الخطا، والخطأ : العدول عن القصد، يقال خطىء الشيء : أصابه بغير قصد، وأخطأ : إذا تعمد، وأما خطايا : فجمع خطية مشددة عند الفراء، كهدية وهدايا، وجمع خطيئة المهموز عند سيبويه والخليل.
فعند سيبويه : أصله خطائيّ، مثل : صحائف، وزنة، فعائل، ثم أعلت الهمزة الثانية بقلبها ياء، ثم فتحت الأولى التي كان أصلها ياء المد في خطيئة فصار : خطأي، فتحركت الياء وانفتح ما قبلها، فصار : خطآء، فوقعت همزة بين ألفين، والهمزة شبيهة بالألف فصار : كأنه اجتمع ثلاثة أمثال، فأبدلوا منها ياء فصار خطايا، كهدايا ومطايا.
وعند الخليل أصله : خطايئ، ثم قلب فصار خطائي على وزن فعالي، المقلوب من فعائل، ثم عمل فيه العمل السابق في قوله سيبويه.
وملخص ذلك : أن الياء في خطايا منقلبة عن الهمزة المبدلة من الياء بعد ألف الجمع التي كانت مدة زائدة في خطيئة، على رأي سيبويه، والألف بعدها منقلبة عن الياء المبدلة من الهمزة التي هي لام الكلمة، ومنقلبة عن الهمزة التي هي لام الكلمة في الجمع والمفرد، والألف بعدها هي الياء التي كانت ياء بعد ألف الجمع التي كانت مدة في المفرد، على رأي الخليل.
وقد أمعنا الكلام في هذه المسألة في ( كتاب التكميل لشرح التسهيل ) من تأليفنا.
الإحسان والإنعام والإفضال : نظائر، أحسن الرجل : أتى بالحسن، وأحسن الشيء : أتى به حسناً : وأحسن إلى عمر وأسدي إليه خيراً.
﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية﴾.
القائل : هو الله تعالى، وهل ذلك على لسان موسى أو يوشع عليهما السلام، قولان : وانتصاب هذه على ظرف المكان، لأنه إشارة إلى ظرف المكان، كما تنتصب أسماء الإشارة على المصدر، وعلى ظرف الزمان إذا كنّ إشارة إليهما تقول : ضربت هذا الضرب، وصمت هذا اليوم.
هذا مذهب سيبويه في دخل، إنها تتعدّى إلى المختص من ظرف المكان بغير وساطة في، فإن كان الظرف مجازياً تعدّت بفي، نحو : دخلت في غمار الناس، ودخلت في الأمر المشكل.
ومذهب الأخفش والجرمي أن مثل : دخلت البيت، مفعول به لا ظرف مكان، وهي مسألة تذكر في علم النحو.
والألف واللام في القرية للحضور، وانتصاب القرية على النعت، أو على عطف البيان، كما مرّ في إعراب الشجرة من قوله :﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ وإن اختلفت جهتا الإعراب في هذه، فهي في :﴿ولا تقربا هذه﴾ مفعول به، وهي هنا على الخلاف الذي ذكرناه.
والقرية هنا بيت المقدس، في قول الجمهور، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدّي والربيع وغيرهم.
وقيل : أريحا، قاله ابن عباس أيضاً، وهي بأرض المقدس.
قال أبو زيد عمر بن شبة النمري : كانت قاعدة ومسكن ملوك، وفيها مسجد هو بيت المقدس، وفي المسجد بيت يسمى إيليا.
وقال الكواشي : أريحا قرية الجبارين، كانوا من بقايا عاد، يقال لهم : العمالية ورأسهم : عوج بن عنق، وقيل : الرملة، قاله الضحاك ؛ وقيل : أيلة، وقيل : الأردن ؛ وقيل : فلسطين ؛ وقيل : البلقاء ؛ وقيل : تدمر، وقيل : مصر ؛ وقيل : قرية بقرب بيت المقدس غير معينة أمروا بدخولها ؛ وقيل : الشام.
روي ذلك عن ابن كيسان، وقد رجح القول الأوّل لقوله في المائدة :
﴿ادخلوا الأرض المقدّسة﴾ قيل : ولا خلاف، أن المراد في الآيتين واحد.
وردّ هذا القول بقوله : فبدّل لأن ذلك يقتضي التعقيب في حياة موسى، لكنه مات في أرض التيه ولم يدخل بيت المقدس.
وأجاب من قال إنها بيت المقدس بأن الآية ليس فيها ما يدل على أن القول كان على لسان موسى، وهذا الجواب وهم، لأنه قد تقدّم أن المراد في هذه الآية وفي التي في المائدة من قوله : ادخلوا الأرض المقدّسة واحد، والقائل ذلك في آية المائدة قطعاً.
ألا ترى إلى قوله :﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة﴾، وقولهم :﴿قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين﴾ قال وهب : كانوا قد ارتكبوا ذنوباً، فقيل لهم :﴿ادخلوا﴾ الآية.
وقال غيره : ملوا المنّ والسلوى، فقيل لهم : اهبطوا مصراً، وكان أوّل ما لقوا أريحا.
وفي قوله :﴿هذه القرية﴾ دليل على أنهم قاربوها وعاينوها، لأن هذه إشارة لحاضر قريب.
قيل : والذي قال لهم ذلك هو يوشع بن نون، فإنه نقل عنهم أنهم لم يدخلوا البيت المقدّس إلا بعد رجوعهم من قتال الجبارين، ولم يكن موسى ﴿معهم حين﴾ دخلوها، فإنه مات هو وأخوه في التيه.
وقيل : لم يدخلا التيه لأنه عذاب، والله لا يعذب أنبياءه.
﴿فكلوا منها حيث شئتم رغداً﴾ : تقدّم الكلام على نظير هذه الجملة في قصة آدم في قوله :﴿وكلا منها رغداً حيث شئتما﴾، إلا أن هناك العطف بالواو وهنا بالفاء، وهناك تقديم الرغد على الظرف، وهنا تقديم الظرف على الرغد، والمعنى فيهما واحد، إلا أن الواو هناك جاءت بمعنى الفاء، قيل : وهو المعنى الكثير فيها، أعني أنه يكون المتقدّم في الزمان والمعطوف بها هو المتأخر في الزمان، وإن كانت قد ترد بالعكس، وهو قليل.
وللمعية والزمان، وهو دون الأول، ويدل أنها بمعنى الفاء ما جاء في الأعراف من قوله :﴿فكلا﴾ بالفاء، والقضية واحدة.
وأما تقديم الرغد هناك فظاهر، فإنه من صفات الأكل أو الآكل، فناسب أن يكون قريباً من العامل فيه ولا يؤخر عنه، ويفصل بينهما بظرف وإن لم يكن فاصلاً مؤثراً المنع لاجتماعهما في المعمولية لعامل واحد، وأما هنا فإنه أخر لمناسبة الفاضلة بعده، ألا ترى أن قوله :﴿فكلوا منها حيث شئتم رغداً﴾ وقوله :﴿وادخلوا الباب سجداً﴾، فهما سجعتان متناسبتان ؟ فلهذا، والله أعلم، كان هذان التركيبان على هذين الوضعين.
﴿وادخلوا الباب﴾ : الخلاف في نصب الباب كالخلاف في نصب القرية، والباب أحد أبواب بيت المقدس، ويدعى الآن : باب حطة، قاله ابن عباس ؛ أو الثامن، من أبواب بيت المقدس، ويدعى باب التوبة، قاله مجاهد والسدي ؛ أو باب القرية التي أمروا بدخولها، أو باب القبة التي كان فيها موسى وهارون يتعبدان، أو باب في الجبل الذي كلم الله عليه موسى.
﴿سجداً﴾ نصب على الحال من الضمير في ادخلوا، قال ابن عباس : معناه ركعاً، وعبر عن الركوع بالسجود، كما يعبر عن السجود بالركوع، قيل : لأن الباب كان صغيراً ضيقاً يحتاج الداخل فيه إلى الانحناء، وبعد هذا القول لأنه لو كان ضيفاً لكانوا مضطرين إلى دخوله ركعاً، فلا يحتاج فيه إلى الأمر، وهذا لا يلزم، لأنه كان يمكن أن تكون الحال لازمة بمعنى أنه لا يمكن أن يقع الدخول إلا على هذه الحال، والحال اللازمة موجودة في كلام العرب.
وقيل : معناه خضعاً متواضعين، واختاره أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل في المنتخب، ونذكر وجه اختياره لذلك.
وقيل : معناه السجود المعروف من وضع الجبهة على الأرض، والمعنى : ادخلوا ساجدين شكراً لله تعالى، إذ ردهم إليها.
وهذا هو ظاهر اللفظ.
قال أبو عبد الله بن أبي الفضل : وهذا بعيد، لأن الظاهر يقتضي وجوب الدخول حال السجود، فلو حملناه على ظاهره لامتنع ذلك، فلما تعذر على حقيقة السجود وجب حمله على التواضع، لأنهم إذا أخذوا في التوبة، فالتائب عن الذنب لا بد أن يكون خاشعاً مستكيناً، وما ذهب إليه لا يلزم، لأن أخذ الحال مقارنة، فتعذر ذلك عنده، وليس بمتعذر لأنه لا يبعد أن أمروا بالدخول وهم ساجدون، فيضعون جباههم على الأرض وهم داخلون.
وتصدق الحال المقارنة بوضع الجبهة على الأرض إذا دخلوا.
وأما إذا جعلنا الحال مقدرة فيصح ذلك، لأن السجود إذ ذاك يكون متراخياً عن الدخول، والحال المقدرة موجودة في لسان العرب.
من ذلك ما في كتاب سيبويه مررت برجل معه صقر صائداً به غداً.
وإذا أمكن حمل السجود على المتعارف فيه كثيراً، وهو وضع الجبهة بالأرض يكون الحال مقارنة أو مقدرة، كان أولى.
وقال الزمخشري : أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب، شكراً لله وتواضعاً، وما ذكره ليس مدلول الآية لأنهم لم يؤمروا بالسجود في الآية عند الانتهاء إلى الباب، بل أمروا بالدخول في حال السجود.
فالسجود ليس مأموراً به، بل هو قيد في وقوع المأمور به، وهو الدخول، والأحوال نسب تقييدية، والأوامر نسب إسنادية، فتناقضتا، إذ يستحيل أن يكون الشيء تقييدياً إسنادياً، لأنه من حيث التقييد لا يكتفي كلاماً ومن حيث الإسناد يكتفي، فظهر التناقض.
وفي كيفية دخولهم الباب أقوال : قال ابن عباس وعكرمة : دخلوا من قبل أستاههم، وقال ابن مسعود : دخلوا مقنعي رؤوسهم، وقال مجاهد : دخلوا على حروف أعينهم، وقال مقاتل : دخلوا مستلقين، و
وكان القياس فيه أن يفتح، لأن وسطه حرف حلق، كما جاء الكسر في ينزع وقياسه أيضاً الفتح.
القرية : المدينة، من قريت : أي جمعت.
سميت بذلك لأنها مجتمع الناس على طريق المساكنة.
وقيل : إن قلوا قيل لها قرية، وإن كثروا قيل لها مدينة.
وقيل : أقل العدد الذي تسمى به قرية ثلاثة فما فوقها، ومنه، قريت الماء في الحوض، والمقراة : الحوض، ومنه القرى : وهو الضيافة، والقرى : المجرى، والقرى : الظهر.
ولغة أهل اليمن : القرية، بكسر القاف، ويجمعونها على قِرى بكسر القاف نحو : رشوة ورشا.
وأما قرية بالفتح فجمت على قرى بضم القاف، وهو جمع على غير قياس.
قيل : ولم يسمع من فعله المعتل اللام إلا قرية وقرى، وتروة وترى، وشهوة وشهى.
الباب : معروف، وهو المكان الذي يدخل منه، وجمعه أبواب، وهو قياس مطرد، وجاء جمعه على أبوبة في قوله :
هتاك أخبية ولاج أبوبة***
لتشاكل أخبية، كما قالوا : لا دريت ولا تليت، وأصله تلوت، فقلبت الواو ياء لتشاكل دريت.
سجداً : جمع ساجد، وهو قياس مطرد في فاعل وفاعلة الوصفين الصحيحي اللام.
وقولوا : كل أمر من ثلاثي اعتلت عينه فانقلبت ألفاً في الماضي، تسقط تلك العين منه إذا أسند لمفرد مذكر نحو : قل وبع، أو لضمير مؤنث نحو : قلن وبعن، فإن اتصل به ضمير الواحدة نحو : قولي، أو ضمير الاثنين نحو : قولا، أو ضمير الذكور نحو : قولوا، ثبتت تلك العين، وعلة الحذف والإثبات مذكورة في النحو.
وقد جاء حذفها في الشعر، فجاء قوله : قلى وعشا.
حطة : على وزن فعلة من الحط، وهو مصدر كالحط، وقيل : هو هيئة وحال : كالجلسة والقعدة، والحط : الإزالة، حططت عنه الخراج : أزلته عنه.
والنزول : حططت.
وحكى : بفناء زيد نزلت به، والنقل من علو إلى أسفل، ومنه انحطاط القدر.
وقال أحمد بن يحيى، وأبان بن تغلب، الحطة : التوبة.
وأنشدوا :
| فاز بالحطة التي جعل الله | بها ذنب عبده مغفوراً |
الغفر والغفران : الستر، وفعله غفر يغفر، بفتح الغين في الماضي وكسرها في المضارع.
والغفيرة : المغفرة، والغفارة : السحاب وما يلبس به سية القوس، وخرقة تلبس تحت الخمار، ومثله المغفر والجماء، الغفير : أي جماعة يستر بعضهم بعضاً من الكثرة.
وقول عمر لمن قال له : لم حصبت المسجد ؟ هو أغفر للنخامة، كل هذا راجع لمعنى الستر والتغطية.
الخطيئة : فعيلة من الخطا، والخطأ : العدول عن القصد، يقال خطىء الشيء : أصابه بغير قصد، وأخطأ : إذا تعمد، وأما خطايا : فجمع خطية مشددة عند الفراء، كهدية وهدايا، وجمع خطيئة المهموز عند سيبويه والخليل.
فعند سيبويه : أصله خطائيّ، مثل : صحائف، وزنة، فعائل، ثم أعلت الهمزة الثانية بقلبها ياء، ثم فتحت الأولى التي كان أصلها ياء المد في خطيئة فصار : خطأي، فتحركت الياء وانفتح ما قبلها، فصار : خطآء، فوقعت همزة بين ألفين، والهمزة شبيهة بالألف فصار : كأنه اجتمع ثلاثة أمثال، فأبدلوا منها ياء فصار خطايا، كهدايا ومطايا.
وعند الخليل أصله : خطايئ، ثم قلب فصار خطائي على وزن فعالي، المقلوب من فعائل، ثم عمل فيه العمل السابق في قوله سيبويه.
وملخص ذلك : أن الياء في خطايا منقلبة عن الهمزة المبدلة من الياء بعد ألف الجمع التي كانت مدة زائدة في خطيئة، على رأي سيبويه، والألف بعدها منقلبة عن الياء المبدلة من الهمزة التي هي لام الكلمة، ومنقلبة عن الهمزة التي هي لام الكلمة في الجمع والمفرد، والألف بعدها هي الياء التي كانت ياء بعد ألف الجمع التي كانت مدة في المفرد، على رأي الخليل.
وقد أمعنا الكلام في هذه المسألة في ( كتاب التكميل لشرح التسهيل ) من تأليفنا.
الإحسان والإنعام والإفضال : نظائر، أحسن الرجل : أتى بالحسن، وأحسن الشيء : أتى به حسناً : وأحسن إلى عمر وأسدي إليه خيراً.
﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية﴾.
القائل : هو الله تعالى، وهل ذلك على لسان موسى أو يوشع عليهما السلام، قولان : وانتصاب هذه على ظرف المكان، لأنه إشارة إلى ظرف المكان، كما تنتصب أسماء الإشارة على المصدر، وعلى ظرف الزمان إذا كنّ إشارة إليهما تقول : ضربت هذا الضرب، وصمت هذا اليوم.
هذا مذهب سيبويه في دخل، إنها تتعدّى إلى المختص من ظرف المكان بغير وساطة في، فإن كان الظرف مجازياً تعدّت بفي، نحو : دخلت في غمار الناس، ودخلت في الأمر المشكل.
ومذهب الأخفش والجرمي أن مثل : دخلت البيت، مفعول به لا ظرف مكان، وهي مسألة تذكر في علم النحو.
والألف واللام في القرية للحضور، وانتصاب القرية على النعت، أو على عطف البيان، كما مرّ في إعراب الشجرة من قوله :﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ وإن اختلفت جهتا الإعراب في هذه، فهي في :﴿ولا تقربا هذه﴾ مفعول به، وهي هنا على الخلاف الذي ذكرناه.
والقرية هنا بيت المقدس، في قول الجمهور، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدّي والربيع وغيرهم.
وقيل : أريحا، قاله ابن عباس أيضاً، وهي بأرض المقدس.
قال أبو زيد عمر بن شبة النمري : كانت قاعدة ومسكن ملوك، وفيها مسجد هو بيت المقدس، وفي المسجد بيت يسمى إيليا.
وقال الكواشي : أريحا قرية الجبارين، كانوا من بقايا عاد، يقال لهم : العمالية ورأسهم : عوج بن عنق، وقيل : الرملة، قاله الضحاك ؛ وقيل : أيلة، وقيل : الأردن ؛ وقيل : فلسطين ؛ وقيل : البلقاء ؛ وقيل : تدمر، وقيل : مصر ؛ وقيل : قرية بقرب بيت المقدس غير معينة أمروا بدخولها ؛ وقيل : الشام.
روي ذلك عن ابن كيسان، وقد رجح القول الأوّل لقوله في المائدة :
﴿ادخلوا الأرض المقدّسة﴾ قيل : ولا خلاف، أن المراد في الآيتين واحد.
وردّ هذا القول بقوله : فبدّل لأن ذلك يقتضي التعقيب في حياة موسى، لكنه مات في أرض التيه ولم يدخل بيت المقدس.
وأجاب من قال إنها بيت المقدس بأن الآية ليس فيها ما يدل على أن القول كان على لسان موسى، وهذا الجواب وهم، لأنه قد تقدّم أن المراد في هذه الآية وفي التي في المائدة من قوله : ادخلوا الأرض المقدّسة واحد، والقائل ذلك في آية المائدة قطعاً.
ألا ترى إلى قوله :﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة﴾، وقولهم :﴿قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين﴾ قال وهب : كانوا قد ارتكبوا ذنوباً، فقيل لهم :﴿ادخلوا﴾ الآية.
وقال غيره : ملوا المنّ والسلوى، فقيل لهم : اهبطوا مصراً، وكان أوّل ما لقوا أريحا.
وفي قوله :﴿هذه القرية﴾ دليل على أنهم قاربوها وعاينوها، لأن هذه إشارة لحاضر قريب.
قيل : والذي قال لهم ذلك هو يوشع بن نون، فإنه نقل عنهم أنهم لم يدخلوا البيت المقدّس إلا بعد رجوعهم من قتال الجبارين، ولم يكن موسى ﴿معهم حين﴾ دخلوها، فإنه مات هو وأخوه في التيه.
وقيل : لم يدخلا التيه لأنه عذاب، والله لا يعذب أنبياءه.
﴿فكلوا منها حيث شئتم رغداً﴾ : تقدّم الكلام على نظير هذه الجملة في قصة آدم في قوله :﴿وكلا منها رغداً حيث شئتما﴾، إلا أن هناك العطف بالواو وهنا بالفاء، وهناك تقديم الرغد على الظرف، وهنا تقديم الظرف على الرغد، والمعنى فيهما واحد، إلا أن الواو هناك جاءت بمعنى الفاء، قيل : وهو المعنى الكثير فيها، أعني أنه يكون المتقدّم في الزمان والمعطوف بها هو المتأخر في الزمان، وإن كانت قد ترد بالعكس، وهو قليل.
وللمعية والزمان، وهو دون الأول، ويدل أنها بمعنى الفاء ما جاء في الأعراف من قوله :﴿فكلا﴾ بالفاء، والقضية واحدة.
وأما تقديم الرغد هناك فظاهر، فإنه من صفات الأكل أو الآكل، فناسب أن يكون قريباً من العامل فيه ولا يؤخر عنه، ويفصل بينهما بظرف وإن لم يكن فاصلاً مؤثراً المنع لاجتماعهما في المعمولية لعامل واحد، وأما هنا فإنه أخر لمناسبة الفاضلة بعده، ألا ترى أن قوله :﴿فكلوا منها حيث شئتم رغداً﴾ وقوله :﴿وادخلوا الباب سجداً﴾، فهما سجعتان متناسبتان ؟ فلهذا، والله أعلم، كان هذان التركيبان على هذين الوضعين.
﴿وادخلوا الباب﴾ : الخلاف في نصب الباب كالخلاف في نصب القرية، والباب أحد أبواب بيت المقدس، ويدعى الآن : باب حطة، قاله ابن عباس ؛ أو الثامن، من أبواب بيت المقدس، ويدعى باب التوبة، قاله مجاهد والسدي ؛ أو باب القرية التي أمروا بدخولها، أو باب القبة التي كان فيها موسى وهارون يتعبدان، أو باب في الجبل الذي كلم الله عليه موسى.
﴿سجداً﴾ نصب على الحال من الضمير في ادخلوا، قال ابن عباس : معناه ركعاً، وعبر عن الركوع بالسجود، كما يعبر عن السجود بالركوع، قيل : لأن الباب كان صغيراً ضيقاً يحتاج الداخل فيه إلى الانحناء، وبعد هذا القول لأنه لو كان ضيفاً لكانوا مضطرين إلى دخوله ركعاً، فلا يحتاج فيه إلى الأمر، وهذا لا يلزم، لأنه كان يمكن أن تكون الحال لازمة بمعنى أنه لا يمكن أن يقع الدخول إلا على هذه الحال، والحال اللازمة موجودة في كلام العرب.
وقيل : معناه خضعاً متواضعين، واختاره أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل في المنتخب، ونذكر وجه اختياره لذلك.
وقيل : معناه السجود المعروف من وضع الجبهة على الأرض، والمعنى : ادخلوا ساجدين شكراً لله تعالى، إذ ردهم إليها.
وهذا هو ظاهر اللفظ.
قال أبو عبد الله بن أبي الفضل : وهذا بعيد، لأن الظاهر يقتضي وجوب الدخول حال السجود، فلو حملناه على ظاهره لامتنع ذلك، فلما تعذر على حقيقة السجود وجب حمله على التواضع، لأنهم إذا أخذوا في التوبة، فالتائب عن الذنب لا بد أن يكون خاشعاً مستكيناً، وما ذهب إليه لا يلزم، لأن أخذ الحال مقارنة، فتعذر ذلك عنده، وليس بمتعذر لأنه لا يبعد أن أمروا بالدخول وهم ساجدون، فيضعون جباههم على الأرض وهم داخلون.
وتصدق الحال المقارنة بوضع الجبهة على الأرض إذا دخلوا.
وأما إذا جعلنا الحال مقدرة فيصح ذلك، لأن السجود إذ ذاك يكون متراخياً عن الدخول، والحال المقدرة موجودة في لسان العرب.
من ذلك ما في كتاب سيبويه مررت برجل معه صقر صائداً به غداً.
وإذا أمكن حمل السجود على المتعارف فيه كثيراً، وهو وضع الجبهة بالأرض يكون الحال مقارنة أو مقدرة، كان أولى.
وقال الزمخشري : أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب، شكراً لله وتواضعاً، وما ذكره ليس مدلول الآية لأنهم لم يؤمروا بالسجود في الآية عند الانتهاء إلى الباب، بل أمروا بالدخول في حال السجود.
فالسجود ليس مأموراً به، بل هو قيد في وقوع المأمور به، وهو الدخول، والأحوال نسب تقييدية، والأوامر نسب إسنادية، فتناقضتا، إذ يستحيل أن يكون الشيء تقييدياً إسنادياً، لأنه من حيث التقييد لا يكتفي كلاماً ومن حيث الإسناد يكتفي، فظهر التناقض.
وفي كيفية دخولهم الباب أقوال : قال ابن عباس وعكرمة : دخلوا من قبل أستاههم، وقال ابن مسعود : دخلوا مقنعي رؤوسهم، وقال مجاهد : دخلوا على حروف أعينهم، وقال مقاتل : دخلوا مستلقين، و