المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( ٥٨ )
و ﴿القرية﴾ المدينة تسمى بذلك لأنها تقرت أي اجتمعت، ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته(١)، والإشارة بهذه إلى بيت المقدس في قول الجمهور. وقيل إلى أريحا، وهي قريب من بيت المقدس.
قال عمر بن شبة(٢) : كانت قاعدة ومسكن ملوك، ولما خرج ذرية بني إسرائيل من التيه أمروا بدخول القرية المشار إليها، وأما الشيوخ فماتوا فيه، وروي أن موسى ﷺ مات في التيه، وكذلك هارون عليه السلام.
وحكى الزجاج عن بعضهم أن موسى وهارون لم يكونا في التيه(٣) لأنه عذاب، والأول أكثر، و ﴿كلوا﴾ إباحة، وقد تقدم معنى الرغد، وهي(٤) أرض مباركة عظيمة الغلة، فلذلك قال ﴿رغداً﴾.
و ﴿الباب﴾ قال مجاهد : هو باب في مدينة بيت المقدس يعرف إلى اليوم بباب حطة، وقيل هو باب القبة التي كان يصلي إليها موسى ﷺ.
وروي عن مجاهد أيضاً : أنه باب في الجبل الذي كلم عليه موسى كالفرضة(٥).
و ﴿سجداً﴾ قال ابن عباس رضي الله عنه : معناه ركوعاً(٦)، وقيل متواضعين خضوعاً لا على هيئة معينة، والسجود يعم هذا كله لأنه التواضع، ومنه قول الشاعر :[ الطويل ]
ترى الأكم فيه سجُّداً للحوافر(٧)
وروي أن الباب خفض لهم ليقصر ويدخلوا عليه متواضعين، و ﴿حطة﴾ فعلة من حط يحط، ورفعه على خبر ابتداء، كأنهم قالوا سؤالنا حطة لذنوبنا، هذا تقدير الحسن بن أبي الحسن.
وقال الطبري : التقدير دخولنا الباب كما أمرنا حطة، وقيل أمروا أن يقولوا مرفوعة على هذا اللفظ.
وقال عكرمة وغيره : أمروا أن يقولوا لا إله إلا الله لتحط بها ذنوبهم.
وقال ابن عباس : قيل لهم استغفروا وقولوا ما يحط ذنوبكم.
وقال آخرون : قيل لهم أن يقولوا هذا الأمر حق كما أعلمنا. وهذه الأقوال الثلاثة تقتضي النصب.
وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة :«حطة » بالنصب(٨).
وحكي عن ابن مسعود وغيره : أنهم أمروا بالسجود وأن يقولوا ﴿حطة﴾ فدخلوا يزحفون على أستاههم(٩) ويقولون حنطة حبة حمراء في شعرة، ويروى غير هذا من الألفاظ.
وقرأ نافع :«يُغفر » بالياء من تحت مضمومة.
وقرأ ابن عامر :«تُغفر » بالتاء من فوق مضمومة.
وقرأ أبو بكر عن عاصم :«يَغفر » بفتح الياء على معنى يغفر الله.
وقرأ الباقون :«نغفر » بالنون.
وقرأت طائفة «تغفر » كأن الحطة(١٠) تكون سبب الغفران، والقراء السبعة على ﴿خطاياكم﴾، غير أن الكسائي كان يميلها.
وقرأ الجحدري :«تُغفر لكم خطيئتُكُمْ » بضم التاء من فوق وبرفع الخطيئة.
وقرأ الأعمش :«يغفر » بالياء من أسفل مفتوح «خطيئتَكُم » نصباً.
وقرأ قتادة مثل الجحدري، وروي عنه أنه قرأ بالياء من أسفل مضمومة خطيئتكم رفعاً.
وقرأ الحسن البصري :«يغفر لكم خطيئاتِكم » أي يغفر الله.
وقرأ أبو حيوة :«تغفر » بالتاء من فوق مرفوعة «خطيئاتُكم » بالجمع ورفع التاء.
وحكى الأهوازي(١١) : أنه قارىء «خطأياكم » يهمز الألف الأولى وسكون الآخرة. وحكي أيضاً أنه قرىء بسكون الأولى وهمز الآخرة.
قال الفراء : خطايا جمع خطية بلا همز كهدية وهدايا، وركية وركايا.
وقال الخليل(١٢) : هو جمع خطيئة بالهمز، وأصله خطايىء قدمت الهمزة على الياء فجاء خطائي أبدلت الياء ألفاً بدلاً لازماً فانفتحت الهمزة التي قبلها فجاء خطاءا، همزة بين ألفين، وهي من قبيلهما فكأنها ثلاث ألفات، فقلبت الهمزة فجاء خطايا.
قال سيبويه :«أصله خطايىء همزت الياء كما فعل في مدائن وكتائب فاجتمعت همزتان فقلبت الثانية ياء، ثم أعلت على ما تقدم ».
وقوله تعالى :﴿وسنزيد المحسنين﴾ عدة، المعنى إذا غفرت الخطايا بدخولكم وقولكم زيد بعد ذلك لمن أحسن، وكان من بني إسرائيل من دخل كما أمر وقال لا إله إلا الله فقيل هم المراد ب ﴿المحسنين﴾ هنا.
١ - لأن كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارا يسمى قرية، وتقع على المدن وغيرها..
٢ - أبو زيد عمر بن شبه، عرف برواية النوادر والأخيار، وصنف تاريخ البصرة، وروى القراءة عن عاصم، وعن جبلة بن مالك- توفي سنة ٢٦٣هـ. وفيات الأعيان ٣/١١٤..
٣ - قال في (خ) ظاهر قوله تعالى [فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين] يقوي ما قاله الزجاج رحمه الله، وهكذا قال الإمام الفخر رحمه الله..
٤ - أي: القرية: أو أرض كنعان..
٥ - فرضة الجبل ما انحدر في وسطه وجانبه..
٦ - السجود إما أن يراد به الصلاة فيكون السجود كناية عنها- وإما أن يراد به الخضوع والتواضع شكرا لله تعالى..
٧ - تقدم هذا البيت عن قوله تعالى: [وإذ قلنا للملائكة استجدوا لآدم] الآية، والأكم الجبال الصغار، جعلها تسجد للحوافر لقهر الحوافر إياها، ولكونها لا تمتنع عليها..
٨ - قال جارالله الزمخشري: الأصل في هذه الكلمة: النص، بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما وقعت لتعطي معنى الثبات، قال أبو (ح): وهو حسن، ويؤكده قراءة إبراهيم بن أبي عبلة بالنصب كما روي- ثم إن الأول لأن الذي يناسب تعليق الغفران علبه هو سؤال حط الذنوب لا غير من التقديرات..
٩ - ثبت في صحيح البخاري ومسلم أنهم دخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وأنهم قالوا: حبة في شعرة، فوجب المصير إلى تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، واطرح ما سواه من الأقوال..
١٠ - أي مقالتها لا لفظها، ومن المعلوم أن المقالة المذكورة سبب في الغفران..
١١ - أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي، إمام، محدث. توفي سنة٤٤٦هـ..
١٢ - هذا يتطلب أربعة أعمال على رأي الخليل: خطائىء – ثم خطائي – ثم خطاءا- ثم خطايا- وعلى ما لسيبويه خمسة أعمال: خطايئ – ثم خطائيْ بهمز الياء- ثم خطائي- ثم خطاءا- ثم خطايا- والحاصل أنهما متفقان أصلا ومختلفان عملا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى