تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
)وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ( البقرة : ٦٣ ) ) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ( البقرة : ٦٤ )
التفسير :
ثم ذكَّر سبحانه وتعالى بني إسرائيل بأمر أخذه عليهم، فقال تعالى :﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ يعني اذكروا إذا أخذنا ميثاقكم ؛ و " الميثاق " : العهد الثقيل المؤكد ؛ وسمي بذلك من الوَثاق. وهو الحبل الذي يُشد به المأسور، كما في قوله تعالى :﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق﴾ ( محمد : ٤ )
قوله تعالى :﴿ورفعنا فوقكم﴾ أي فوق رؤوسكم ﴿الطور﴾ هو الجبل المعروف ؛ رفعه الله. تبارك وتعالى. على بني إسرائيل لما تهاونوا في طاعة الله سبحانه وتعالى إنذاراً لهم، وقال تعالى لهم :﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ أي : اقبلوا ما أعطيناكم من التوراة. كما قال تعالى :﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ [البقرة: ١٢١]. واعملوا به بقوة ؛ والمراد بال " قوة " هنا الحزم، والتنفيذ ؛ والتطبيق ؛ وضده أن يأخذ الإنسان أخذاً ضعيفاً متساهلاً على كسل ؛ والباء في قوله تعالى :﴿بقوة﴾ للمصاحبة ؛ أي خذوا هذا الكتاب. أي التوراة التي جاء بها موسى صلى الله عليه وسلم. أخذاً مصحوباً بقوة، فلا تهملوا شيئاً منه..
قوله تعالى :﴿واذكروا ما فيه﴾ أي اذكروا كل ما فيه، واعملوا به ؛ لأن ﴿ما﴾ اسم موصول يفيد العموم..
قوله تعالى :﴿لعلكم تتقون﴾ : " لعل " للتعليل ؛ أي لأجل أن تتقوا الله عزّ وجلّ ؛ فالأخذ بهذا الميثاق الذي آتاهم الله على وجه القوة، وذكر ما فيه وتطبيقه يوجب التقوى ؛ لأن الطاعات يجر بعضها بعضاً، كما قال تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ١٨٣] ؛ فالطاعات يجر بعضها بعضاً، لأن الطاعة إذا ذاق الإنسان طعمها نشط، وابتغى طاعة أخرى، ويتغذى قلبه ؛ وكلما تغذى من هذه الطاعة رغب في طاعة أخرى ؛ وبالعكس المعاصي : فإنها توجب وحشة بين العبد وبين الله عزّ وجلّ، ونفوراً، والمعاصي يجر بعضها بعضاً ؛ وسبق قوله تعالى :﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ [البقرة: ٦١] ؛ ثم بعد هذا الإنذار، وكون الجبل فوقهم في ذلك الوقت خضعوا، وخشعوا، قال الله تعالى :﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ [الأعراف: ١٧١] ؛ ففي تلك الساعة هرعوا إلى السجود ؛ وسجدوا ؛ ولكنهم مالوا في سجودهم ينظرون إلى الجبل خائفين منه ؛ ولهذا يقال : إن سجود اليهود إلى الآن سجود مائل كأنما ينظرون إلى شيء فوقهم ؛ وقالوا : إن هذا السجود سجدناه لله سبحانه وتعالى لإزالة الشدة ؛ فلا نزال نسجد به ؛ فهذا سجودهم إلى اليوم..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الفوائد :
. ١ من فوائد الآيتين : تذكير الله. تبارك وتعالى. لبني إسرائيل بما أخذ عليهم من عهد ؛ لقوله تعالى :﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور﴾ ؛ وهذا التذكير مقتضاه الإلزام. أي فالتزموا بالميثاق..
. ٢ ومنها : عتوّ بني إسرائيل، حيث لم يؤمنوا إلا حين رفع فوقهم الطور كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم ؛ فحينئذٍ آمنوا ؛ وهذا الإيمان في الحقيقة يشبه إيمان المكره الذي قيل له : إما أن تؤمن ؛ أو تُقْتَل..
. ٣ ومنها : بيان قوة الله عزّ وجلّ، وقدرته ؛ لقوله تعالى :﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ ؛ وقد قال الله تعالى في آية أخرى :﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة﴾ [الأعراف: ١٧١] ؛ فلا أحد من الخلق يستطيع أن يحمل ذلك الجبل، ويجعله ظلة لا يسقط عليهم إلا الله عزّ وجلّ ؛ فالأحجار العظيمة الثقيلة الكبيرة أمسكها الله تعالى بقدرته..
. ٤ ومنها : أن الواجب على أهل الملة أن يأخذوا كتابهم بقوة لا بضعف، ولين، ومداهنة ؛ بل لابد من قوة في التطبيق، والدعوة ؛ التطبيق على أنفسهم ؛ ودعوة غيرهم إلى ذلك بدون فتور، ولا تراخٍ على حدّ قوله تعالى :﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النمل: ١٢٥] ؛ لأنه لا يتم الأمر إلا بهذا..
. ٥ ومنها : أن الأخذ بالكتاب المُنَزَّل يوجب التقوى ؛ لقوله تعالى : لعلكم تتقون } أي لأجل أن تكونوا من المتقين لله عزّ وجلّ..
. ٦ ومنها : لؤم بني إسرائيل ؛ لأنهم بعد أن رجع الجبل إلى مكانه تولوا، كما قال تعالى :﴿ثم توليتم من بعد ذلك﴾ ؛ وهذا من اللؤم ؛ لأن من الواجب أن يذكروا رفع الجبل فوقهم حتى يستقيموا، ويستمروا على الأخذ بقوة ؛ لكنهم تولوا من بعد ما رأوا الآية..
. ٧ ومنها : بيان فضل الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل ؛ لقوله تعالى :( فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ).
. ٨ ومنها : أن الإنسان لا يستقل بنفسه في التوفيق ؛ لقوله تعالى :( فلولا فضل الله عليكم ورحمته ).
. ٩ ومنها : إثبات فضل الله تعالى على بني إسرائيل بما أعطاهم من الآية الكونية، والشرعية..
. ١٠ ومنها : إثبات الأسباب، وربطها بمسبباتها ؛ لقوله تعالى :﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾ ؛ فهذا صريح في إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى