البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الطور : اسم لكل جبل، قال مجاهد وعكرمة وقتادة.
أو الجبل المنبت دون غير المنبت، قاله ابن عباس والضحاك، أو الجبل الذي ناجى الله عليه موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
وقال العجاج :
دانى جناحيه من الطور فرتقضي البازي إذا البازي كسر
وقال آخر :
وإن تر سلمى الجن يستأنسوا بهاوإن ير سلمى صاحب الطور ينزل
وأصله الناحية، ومنه طوار الدار.
وقال مجاهد : هو جنس الجبل بالسريانية.
القوة : الشدّة، وهي مصدر قوي يقوى، وطيء تقول : قوي، يفتحون العين والتاء مفتوحة فتنقلب ألفاً، يقولون في بقي : بقى، وفي زهي : زها، وقد يوجد ذلك في لغة غيرهم.
قال علقمة بن عبدة التميمي :
زها الشوق حتى ظل إنسان عينهيفيض بمغمور من الدمع متأف
وهذه المادة قليلة، وهي أن تكون العين واللام واوين.
﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ : هذا هو الإنعام العاشر، لأنه إنما أخذ ميثاقهم لمصلحتهم، وتقدّم الكلام في لفظة الميثاق في قوله تعالى :﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ والميثاق : ما أودعه الله تعالى العقول من الدلائل على وجوده وقدرته وحكمته وصدق أنبيائه ورسله، أو المأخوذ على ذرية آدم في قوله :﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾، أو إلزام الناس متابعة الأنبياء، أو الإيمان بمحمد ﷺ، أو العهد منهم ليعملنّ بما في التوراة، فلما جاء موسى قرأوا ما فيها من التثقيل فامتنعوا من أخذها، أو قوله :﴿لا تعبدون إلا الله﴾ أقوال ستة.
قال القفال : قال ميثاقكم ولم يقل مواثيقكم، لأنه أراد ميثاق كل واحد منكم، كقوله :﴿ثم يخرجكم طفلاً﴾ أو لأن ما أخذه على واحد منهم، أخذه على غيره، فكان ميثاقاً واحداً، ولو جمع لاحتمل التغاير.
انتهى كلامه ملخصاً.
﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ : سبب رفعه امتناعهم من دخول الأرض المقدّسة، أو من السجود، أو من أخذ التوراة والتزمها.
أقوال ثلاثة.
روي أن موسى لما جاء إلى بني إسرائيل من عند الله بالألواح فيها التوراة قال لهم : خذوها والتزموها، فقالوا : لا، إلا أن يكلمنا الله بها، كما كلمك، فصعقوا ثم أحيوا.
فقال لهم : خذوها، فقالوا : لا.
فأمر الله تعالى الملائكة فاقتلعت جبلاً من جبال فلسطين طوله فرسخ في مثله، وكذلك كان عسكرهم، فجعل عليهم مثل الظلة، وأخرج الله تعالى البحر من ورائهم، وأضرم ناراً بين أيديهم، فاحتاط بهم غضبه، فقيل لهم : خذوها وعليكم الميثاق أن لا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل، وغرقكم البحر، وأحرقتكم النار، فسجدوا توبة لله، وأخذوا التوراة بالميثاق، وسجدوا على شق لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفاً.
فلما رحمهم الله قالوا : لا سجدة أفضل من سجدة تقبلها الله ورحم بها، فأمروا سجودهم على شق واحد.
وذكر الثعلبي أن ارتفاع الجبل فوق رؤوسهم كان مقدار قامة الرجل، ولم تدل الآية على هذا السجود الذي ذكر في هذه القصة.
والواو في قوله : ورفعنا، واو العطف : على تفسير ابن عباس، لأن أخذ الميثاق كان متقدّماً، فلما نقضوه بالامتناع من قبول الكتاب رفع عليهم الطور.
وأما على تفسير أبي مسلم : فإنها واو الحال، أي إن أخذ الميثاق كان في حال رفع الطور فوقهم، نحو قوله تعالى :﴿ونادى نوح ابنه وكان في معزل﴾ أي وقد كان في معزل.
﴿خذوا ما آتيناكم﴾ : هو على إضمار القول، أي : وقلنا لكم خذوا ما آتيناكم.
وقال بعض الكوفيين : لا يحتاج إلى إضمار قول، لأن أخذ الميثاق هو قول، والمعنى : وإذا أخذنا ميثاقكم بأن خذوا ما آتيناكم، وما موصول، والعائد عليه محذوف، أي : ما آتيناكموه، ويعني به الكتاب.
يدل على ذلك قوله :﴿واذكروا ما فيه﴾، وقرئ : ما آتيتكم، وهو شبه التفات، لأنه خرج من ضمير المعظم نفسه إلى غيره.
ومعنى قوله :﴿بقوة﴾ بجدّ واجتهاد، قاله ابن عباس وقتادة والسدّي، أو بعمل، قاله مجاهد ؛ أو بصدق وحق، قاله ابن زيد ؛ أو بقبول، قاله ابن بحر ؛ أو بطاعة، قاله أبو العالية والربيع ؛ أو بنية وإخلاص، أو بكثرة درس ودراية ؛ أو بجدّ وعزيمة ورغبة وعمل ؛ أو بقدرة.
والقوة : القدرة والاستطاعة.
وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، والباء للحال أو الاستعانة.
﴿واذكروا ما فيه﴾.
قرأ الجمهور : به أمراً من ذكر، وقرأ أبيّ : واذكروا ما فيه : أمراً من اذكر، وأصله : وإذتكروا، ثم أبدل من التاء دال، ثم أدغم الذال في الدال، إذ أكثر الإدغام يستحيل فيه الأول إلى الثاني، ويجوز في هذا أن يستحيل الثاني إلى الأول، ويدغم فيه الأول فيقال : اذكر، ويجوز الإظهار فتقول : إذ ذكر.
وقرأ ابن مسعود : تذكروا، على أنه مضارع انجزم على جواب الأمر الذي هو خذوا.
فعلى القراءتين قيل : هذا يكون أمراً بالادكار، وعلى هذه القراءة يكون الذكر مترتباً على حصول الأخذ بقوة، أي أن تأخذوا بقوّة تذكروا ما فيه.
وذكر الزمخشري أنه قرئ : وتذكروا أمراً من التذكر، ولا يبعد عندي أن تكون هذه القراءة هي قراءة ابن مسعود، ووهم الذي نقلناه من كتابه تذكروا في إسقاط الواو، والذي فيه هو ما تضمنه من الثواب، قاله ابن عباس ؛ أو احفظوا ما فيه ولا تنسوه وادرسوه، قاله الزجاج ؛ أو ما فيه من أمر الله ونهيه وصفة محمد ﷺ، أو اتعظوا به لتنجوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى.
والذكر : قد يكون اللسان، وقد يكون بالقلب على ما سبق، وقد يكون بهما.
فباللسان معناه : ادرسوا، وبالقلب معناه : تدبروا، وبهما معناه : ادرسوا ألفاظه وتدبروا معانيه.
أو أريد بالذكر : ثمرته، وهو العمل، فمعناه : اعملوا بما فيه من الأحكام والشرائع.
والضمير في فيه يعود على ما.
وقال في المنتخب : لا يحمل على نفس الذكر، لأن الذكر الذي هو ضدّ النسيان من فعل الله تعالى، فكيف يجوز الأمر به ؟ انتهى.
﴿لعلكم تتقون﴾ : أي رجاء أن يحصل لكم التقوى بذكر ما فيه.
وقيل : معناه لعلكم تنزعون عما أنتم فيه.
والذي يفهم من سياق الكلام أنهم امتثلوا الأمر وفعلوا مقتضاه، يدل على ذلك :﴿ثم توليتم من بعد ذلك﴾.
فهذا يدل على القبول والالتزام لما أمروا به.
وفي بعض القصص أنهم قالوا، لما زال الجبل : يا موسى، سمعنا وأطعنا، ولولا الجبل ما أطعناك.
وفي بعض القصص : فآمنوا كرهاً، وظاهر هذا الإلجاء.
والمختار عند أهل العلم أن الله تعالى خلق لهم الإيمان والطاعة في قلوبهم وقت السجود، حتى كان إيمانهم طوعاً لا كرهاً.
﴿الم﴾ أسماء مدلولها حروف المعجم، ولذلك نطق بها نطق حروف المعجم، وهي موقوفة الآخر، لا يقال إنها معربة لأنها لم يدخل عليها عامل فتعرب ولا يقال إنها مبنية لعدم سبب البناء، لكن أسماء حروف المعجم قابلة لتركيب العوامل عليها فتعرب، تقول هذه ألف حسنة ونظير سرد هذه الأسماء موقوفة، أسماء العدد، إذا عدّوا يقولون : واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة.
وقد اختلف الناس في المراد بها، وسنذكر اختلافهم إن شاء الله تعالى.
فأما هذه الحروف المقطعة أوائل السور، فجمهور المفسرين على أنها حروف مركبة ومفردة، وغيرهم يذهب إلى أنها أسماء عبر بها عن حروف المعجم التي ينطق بالألف واللام منها في نحو : قال، والميم في نحو : ملك، وبعضهم يقول : إنها أسماء السور، قاله زيد بن أسلم.
وقال قوم : إنها فواتح للتنبيه والاستئناف ليعلم أن الكلام الأول قد انقضى.
قال مجاهد : هي في فواتح السور كما يقولون في أول الإنشاد لشهير القصائد.
بل ولا بل نحا هذا النحو أبو عبيدة والأخفش.
وقال الحسن : هي أسماء السور وفواتحها، وقوم : إنها أسماء الله أقسام أقسم الله بها لشرفها وفضلها.
وروي عن ابن عباس وقوم : هي حروف متفرقة دلت على معان مختلفة، وهؤلاء اختلفوا في هذه المعاني فقال قوم : يتألف منها اسم الله الأعظم، قاله علي وابن عباس، إلا أنّا لا نعرف تأليفه منها، أو اسم ملك من ملائكته، أو نبي من أنبيائه، لكن جهلنا طريق التأليف.
وقال سعيد بن جبير : هي أسماء الله تعالى مقطعة، لو أحسن الناس تأليفها تعلموا اسم الله الأعظم.
وقال قتادة : هي أسماء القرآن كالفرقان.
وقال أبو العالية : ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسماء الله تعالى.
وقيل : هي حروف تدل على مدة الملة، وهي حساب أبي جاد، كما ورد في حديث حيي بن أخطب.
وروى هذا عن أبي العالية وغيره.
وقيل : مدة الأمم السالفة وقيل : مدة الدنيا.
وقال أبو العالية أيضاً : ليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجال آخرين، وقيل : هي إشارة إلى حروف المعجم كأنه قال للعرب : إنما تحديتكم بنظم من هذه الحروف التي عرفتم.
وقال قطرب وغيره : هي إشارة إلى حروف المعجم كأنه يقول للعرب : إنما تحديتكم بنظم من هذه الحروف التي عرفتم فقوله :﴿الم﴾ بمنزلة : أ ب ت ث، ليدل بها على التسعة وعشرين حرفاً.
وقال قوم : هي تنبيه كما في النداء.
وقال قوم : إن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيستمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة.
وقيل : هي أمارة لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد ﷺ كتاب في أول سور منه حروف مقطعة، وقيل : حروف تدل على ثناء أثنى الله به على نفسه.
وقال ابن عباس :﴿الم﴾ أنا الله أعلم، والمراد أنا الله أرى.
و ﴿المص﴾ أنا الله أفصل.
وروي عن سعيد بن جبير مثل ذلك.
وروي عن ابن عباس الألف : من الله، واللام : من جبريل، والميم : من محمد ﷺ.
وقال الأخفش : هي مبادئ كتب الله المنزلة بالألسن المختلفة ومبان من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى وأصول كلام الأمم.
وقال الربيع بن أنس : ما منها حرف إلا يتضمن أموراً كثيرة دارت فيها الألسن، وليس فيها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو في الأبد وللأبد، وليس منها حرف إلا في مدة قوم وآجالهم.
وقال قوم : معانيها معلومة عند المتكلم بها لا يعلمها إلا هو، ولهذا قال الصديق رضي الله عنه : في كتاب الله سر، وسر الله في القرآن في الحروف التي في أوائل السور.
وبه قال الشعب.
وقال سلمة بن القاسم : ما قام الوجود كله إلا بأسماء الله الباطنة والظاهرة، وأسماء الله المعجمة الباطنة أصل لكل شيء من أمور الدنيا والآخرة، وهي خزانة سرّه ومكنون علمه، ومنها تتفرع أسماء الله كلها، وهي التي قضى بها الأمور وأودعها أم الكتاب، وعلى هذا حوّم جماعة من القائلين بعلوم الحروف، وممن تكلم في ذلك : أبو الحكم بن برجان، وله تفسير للقرآن، والبوني، وفسر القرآن والطائي بن العربي، والجلالي، وابن حمويه، وغيرهم، وبينهم اختلاف في ذلك.
وسئل محمد بن الحنفية عن ﴿كهيعص﴾ فقال للسائل : لو أُخبرت بتفسيرها لمشيت على الماء لا يواري قدميك.
وقال قوم : معانيها معلومة ويأتي بيان كل حرف في موضعه.
وقال قوم : اختص الله بعلمها نبيه ﷺ.
وقد أنكر جماعة من المتكلمين أن يكون في القرآن ما لا يفهم معناه، فانظر إلى هذا الاختلاف المنتشر الذي لا يكاد ينضبط في تفسير هذه الحروف والكلام عليها.
والذي أذهبُ إليه : أن هذه الحروف التي في فواتح السور هو المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وسائر كلامه تعالى محكم.
وإلى هذا ذهب أبو محمد علي بن أحمد اليزيدي، وهو قول الشعبي والثوري وجماعة من المحدثين، قالوا : هي سر الله في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا يجب أن نتكلم فيها، ولكن نؤمن بها وتمر كما جاءت.
وقال الجمهور : بل يجب أن يتكلم فيها وتلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها، واختلفوا في ذلك الاختلاف الذي قدمناه.
قال ابن عطية : والصواب ما قال الجمهور، فنفسر هذه الحروف ونلتمس لها التأويل لأنا نجد العرب قد تكلمت بالحروف المقطعة نظماً ووضعاً بدل الكلمات التي الحروف منها، كقول الشاعر :
قلت لها قفي فقالت قاف ***
أراد قالت وقفت

وكقول القائل :
بالخير خيرات وإن شرَّفاولا أريد الشر إلا أن تا
أراد وإن شراً فشر، وأراد إلا أن تشاء : والشواهد في هذا كثيرة فليس كونها في القرآن مما تنكره العرب في لغتها، فينبغي إذا كان من معهود كلام العرب، أن يطلب تأويله ويلتمس وجهه، انتهى كلامه.
وفرق بين ما أنشد وبين هذه الحروف، وقد أطال الزمخشري وغيره الكلام على هذه الحروف بما ليس يحصل منه كبير فائدة في علم التفسير، ولا يقوم على كثير من دعاويه برهان.
وقد تكلم المعربون على هذه الحروف فقالوا : لم تعرب حروف التهجي لأنها أسماء ما يلفظ، فهي كالأصوات فلا تعرب إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها، ويحتمل محلها الرفع على المبتدأ أو على إضمار المبتدأ، والنصب بإضمار فعل، والجر على إضمار حرف القسم، هذا إذا جعلناها اسماً للسور، وأما إذا لم تكن اسما للسور فلا محل لها، لأنها إذ ذاك كحروف المعجم أوردت مفردة من غير عامل فاقتضت أن تكون مستكنة كأسماء الأعداد، أو ردتها لمجرد العدد بغير عطف، وقد تكلم النحويون على هذه الحروف على أنها أسماء السور، وتكلموا على ما يمكن إعرابه منها وما لا يمكن، وعلى ما إذا أعرب فمنه ما يمنع الصرف، ومنه ما لا يمنع الصرف، وتفصيل ذلك في علم النحو.
وقد نقل خلاف في كون هذه الحروف آية، فقال الكوفيون :﴿الم﴾ آية، وكذلك هي آية في أول كل سورة ذكرت فيها، وكذلك ﴿المص﴾ و ﴿طسم﴾ وأخواتها و ﴿طه﴾ و ﴿يس﴾ و ﴿حم﴾ وأخواتها إلا ﴿حم عسق﴾ فإنها آيتان و ﴿كهيعص﴾ آية، وأما ﴿المر﴾ وأخواتها فليست بآية، وكذلك ﴿طس﴾ و ﴿ص﴾ و ﴿ق﴾ و ﴿ن﴾ و ﴿القلم﴾ وق وص حروف دل كل حرف منها على كلمة، وجعلوا الكلمة آية، كما عدوا :﴿الرحمن﴾ ﴿ومدهامتان﴾ آيتيين.
وقال البصريون وغيرهم : ليس شيء من ذلك آية.
وذكر المفسرون الاقتصار على هذه الحروف في أوائل السور، وأن ذلك الاقتصار كان لوجوه ذكروها لا يقوم على شيء منها برهان فتركت ذكرها.
وذكروا أن التركيب من هذه الحروف انتهى إلى خمسة، وهو : كهيعص، لأنه أقصى ما يتركب منه الاسم المجرد، وقطع ابن القعقاع ألف لام ميم حرفاً حرفاً بوقفة وقفة، وكذلك سائر حروف التهجي من الفواتح، وبين النون من طسم ويس وعسق ونون إلا في طس تلك فإنه لم يظهر،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى