الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿نَكَالاً﴾ : مفعولٌ ثانٍ لجَعَلَ التي بمعنى صَيَّر والأولُ هو الضميرُ وفيه أقوالٌ، أحدُها : يعود على المَسْخَة. وقيل : على القريةِ لأنَّ الكلامَ يقتضيها كقولِه :﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ [العاديات: ٤] أي بالمكانِ. وقيل على العقوبة، وقيل على الأمَّة. والنَّكالُ : المَنْعُ، ومنه النِّكْلُ اسمٌ للقيد من الحديد واللِّجام لأنه يُمْنَعُ به، وسُمِّي العِقابُ نكالاً لأنه يُمْنَعُ به غيرُ المعاقب أن يفعلَ فِعْلَه، ويَمْنَعُ المُعاقَبَ أن يعودَ إلى فِعْلِه الأولِ. والتنكيلُ : إصابةُ الغيرِ بالنَّكالِ ليُرْدَعَ غيرُه، ونَكَلَ عن كَذا يَنْكُل نُكولاً امتنع، وفي الحديثِ :" إنَّ الله يحبُ الرجلَ النَّكَل " أي : القوي على الفرس. والمَنْكَلُ ما يُنَكَّل به الإِنسان قال :
فارمِ على أَقْفائِهم بِمَنْكَلِ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والضميرُ في يديهَا وخلفها كالضميرِ في ﴿جَعَلْنَاهَا﴾.
قوله :﴿وَمَوْعِظَةً﴾ عطفٌ على ﴿نَكَالاً﴾ وهي مَفْعِلَة من الوعظ وهو التخويف، وقال الخليل :" التذكيرُ بالخيرِ فيما يَرِقُّ له القَلْبُ، والاسمُ : العِظَةُ كالعِدَة والزِنَة. و " للمتقين " متعلقٌ بِمَوْعِظة. واللامُ للعلة، وخُصَّ المتقين بالذِّكْرِ، وإن كانَتْ موعظةً لجميعِ العالَم : البَرِّ والفاجِرِ، لأن المنتفعَ بها هم هؤلاء دونَ مَنْ عَدَاهم، ويجوزُ أَنْ تكونَ اللامُ مقويةً، لأنَّ " موعظة " فَرْعٌ على الفِعْلِ في العملِ فهو نظيرٌ ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]، فلا تعلُّق لها لزيادتها، ويجوز أَنْ تكونَ متعلقةً بمحذوفٍ لأنها صفةٌ لموعظةً، أي : موعظةً كائنةً للمتقين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى