تفسير ابن عرفة — ابن عرفة

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ. . .﴾
قال ابن عرفة : لما كان المخاطب في مادة ( أن ينكر )(١) مساواة ( حالة )(٢) إنذارهم لحالة عدم الإنذار بل ( نقول )(٣) : إنّها مظنة الانزجار والفلاح ( والنجاح )(٤) احتيج إلى تأكيد المساواة بإنّ قال ابن عطية : قيل :( للزارع )(٥) كافر لأنه يغطي الحب ويقال : إذا غطى قلبه بالدين عن ( الإيمان )(٦) أو غطى الحق بأقواله وأفعاله(٧).
قال ابن عرفة : أما الأول فظاهر لأنّ الدّين يجامع القلب فيصح تغطيته إياه، واعتقاد الحق لا يجامع اعتقاد الباطل، بل هو نقيضه وستره ( له )(٨) لا يكون إلا مع اجتماعه معه : والفرض أنه لا يجامعه وأما باعتبار الأفعال فظاهر.
قيل لابن عرفة : يصحّ اجتماعهما باعتبار اختلاف المتعلق ؟
فقال : تحول المسألة وما ( كلامه )(٩) إلا فيما إذا كان متعلق الكفر هو متعلق الإيمان، ( فحينئذ )(١٠) ( تعقل )(١١) التغطية.
قيل له : تكون التغطية مجازا، عبر به عن ( معاندة )(١٢) أحد الاعتقادين للآخر ؟
فقال : إنما هو مخبر عن أصل العقيدة أي هذه اللفظة ممّاذَا هي مشتقة ؟ فما حقه أن يأتي إلاّ الحقيقة اللّغوية، وأما المجاز فليس بأصلي.
واختلف الأصوليون في الألف واللام الداخلة على الموصول فقيل : إنها للجنس ويكون عاما مخصوصا كأكثر عمومات القرآن.
وقيل : إنها مطلقة فتكون للحقيقة أعني الماهية، فلا يحتاج إلى تخصيص، ويحتمل أن تكون للعهد.
ابن عطية : وقال الرّبيع بن أنس(١٣) :( إنّ )(١٤) الآية نزلت في قادة الأحزاب وهم أهمّ أهل القليب(١٥) ببدر، وفي بعض النسخ وأهل القليب ببدر(١٦).
قال ابن عرفة : وهو الصحيح فإن غزوة الأحزاب متأخرة عن بدر(١٧)، وأهل القليب ببدر قتلوا فلم يبق منهم أحد للأحزاب.
قال ابن عرفة : إلاّ أن يريد بالأحزاب الجماعة ولا يريد به الغزوة.
قال الإمام ابن الخطيب : والآية دليل على جواز تأخير البيان ( عن )(١٨) وقت الحاجة، فإنها لم ( تبين )(١٩) متعلقها(٢٠).
ورده ابن عرفة بأنها ليس المراد بها التكليف ( فيحتاج )(٢١) إلى بيان(٢٢) وإنما هي تخويف وإنذار، والعموم أدعى ( لحصول )(٢٣) التخويف من الخصوص.
قوله تعالى :﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ. . .﴾
أنكر الزمخشري هنا قراءة ورش(٢٤) وجعلها لحنا(٢٥) وكفره الطيبي(٢٦). وظاهر كلام الطيبي هذا أن ( السّبع )(٢٧) ( قراءات )(٢٨) أخبار آحاد وليس بمتواتر(٢٩).
قال ابن عرفة : وحاصل ( كلام )(٣٠) ( الناس )(٣١) فيها أنها على وجهين : فأما ما يرجع إلى آحاد الكلم كملك ومالك ويخدعون ويخادعون فهو متواتر اتفاقا من غير خلاف منصوص، إلا أن ظاهر كلام الدّاودي(٣٢) على ما نقل عنه ( الأنباري )(٣٣) (٣٤) أنها غير متواترة. وأما ما يرجع إلى كيفية النطق بها من إعراب وإمالة وكيفية وقف ففيه ثلاثة أقوال :
الأول نقل ( الأنباري )(٣٥) شارح البرهان(٣٦) عن أبي المعالي(٣٧) أنها متواترة وأنكره عليه وهو اختيار الشيخ أبي عبد الله محمد بن سلامة(٣٨) من أشياخنا.
( الثاني )(٣٩) أنّها متواترة عند القراء فقط ( نقله المازري(٤٠) في شرح البرهان(٤١) واختاره شيخنا ابن عرفة.
الثالث : أنها غير متواترة )(٤٢) قاله ابن العربي(٤٣) في العواصم والقواصم(٤٤) ( والأنباري )(٤٥) وابن رشد في كتاب الصلاة الأول(٤٦) وفي كتاب ( الجامع )(٤٧) الرابع من البيان والتحصيل(٤٨).
قال ابن عرفة : وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق إبراهيم ( الجزرى )(٤٩) (٥٠) وشيخنا القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد السلام وصاحبنا الفقيه أبي العباس أحمد بن إدريس ( البجائي )(٥١) (٥٢).
ءَأنذَرْتَهُمْ : استفهام في معنى الخبر أو معنى المصدر أي إنذارك وعدم إنذارك سواء.
قال :( وسَوَاءٌ )(٥٣) مبتدأ وءَأَنذرْتَهُمْ إما فاعل وإما خبره ( ويصح )(٥٤) أن يكون مبتدأ لأنه يكون الخبر أفاده المبتدأ، فلا فائدة ( فيه )(٥٥).
ورده ابن عرفة : بأنه يفيد التسوية إذْ لَعلّ المراد إنذارك وعدم إنذارك مختلفان.
[ ٥ظ ] قال ابن عرفة : والصواب أنه على/ حذف مضاف أي سواء عليهم جواب ﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾. ويكون استفهاما حقيقة لأن الاستفهام في قوله مجاز ( والمصدر )(٥٦) يحتاج إلى ( أداة )(٥٧) ( تصيّر )(٥٨) الفعل مقدرا بالمصدر وهو ( بمنزلة )(٥٩) قول.
قيل : يشتمل على إنذار وجوابه ( إمّا معه )(٦٠) أو قبله ولذلك هنا جواب ( الأمرين )(٦١) عندهم سواء.
قوله تعالى :﴿لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
هو احتراز لأنه قد يكون الاختيار ( باستواء )(٦٢) الحالتين عندهم يقتضي مبادرتهم إلى الإيمان وعدم ( توقّفهم )(٦٣) على الإنذار فاحترز من ذلك ( ببيان )(٦٤) أنهم على العكس.
قيل لابن عرفة : إن ( ابن فورك )(٦٥) (٦٦) أبطل بهذه الآية قاعدة التحسين والتقبيح ؟
قال : لأن الله تعالى أخبر أن الإنذار لا ينفع فيهم، وقد أمر بإنذارهم، ومراعاةُ الأصلح ( تقتضي )(٦٧) عدم تكليفهم وعدم إنذارهم.
( فقال )(٦٨) :( تقدم )(٦٩) ذلك في جواز تكليف ما لا يطاق وهذا متفق عليه فإنّ هؤلاء المخبر عنهم بذلك غير معيّنين فليست هذه كقضية أبي لهب وإنّما الخلاف بخبر عن معينين ( بعدم )(٧٠) الإيمان وتكليفهم بالإيمان كقضية أبي لهب فليس في هذه الآية دليل بوجه.
١ - أ: انكار..
٢ - أ: حال..
٣ - أ: يقول..
٤ - أ د: نقص..
٥ - أ ب: للزراع..
٦ - ج: الآيات..
٧ - عبارة ابن عطية: قيل للزراع كفار لأنهم يغطون الحب فكفر في الدين معناه غطى قلبه بالدين عن الإيمان أو غطى الحق بأقواله وأفعاله، المحرر الوجيز: ١/١٠٥..
٨ - أ: نقص..
٩ - ج د: كلامنا..
١٠ - أ: نقص..
١١ - ب ج د هـ: تعقل..
١٢ - ب د: معاقبة..
١٣ - الربيع بن زياد بن أنس الحارثي أمير فقيه، توفي سنة ٥٣هـ/٦٧٣م. انظر الاعلام للزركلي: ٣/١٩٥..
١٤ - أ: نقص، ب: قرادة، د: دمامة..
١٥ - القليب موضع ماء ببدر، انظر السهيلي في الروض الانف ١/٦٦..
١٦ - المحرر الوجيز: ١/١٠٦..
١٧ - غزوة بدر: انظر تاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ١/٢٧٣..
١٨ - ب ج د هـ: إلى..
١٩ - ب: تبن، د: يتبين..
٢٠ - التفسير الكبير: ٢/٣٥ وما بعدها..
٢١ - أ ب هـ: فيحتاج..
٢٢ - ب: البيان..
٢٣ - ج: لخصوص..
٢٤ - الهمزتان المتلاصقتان في كلمة إذا اتفقنا بالفتح نحو – ءأنذرتهم – وءأنتم أعلم – و –ءأسجد – وشبهه فإن ورشا يبدل الثانية ألفا – انظر كتاب التيسير في القراءات السبع لأبي عمرو الداني ص ٣١ – ٣٢..
٢٥ - قال الزمخشري: ما تقول فيمن يقلب الثانية ألفا؟ قلت: هو لاحن خارج عن كلام العرب خروجين: أحدهما الإقدام على جمع الساكنين على غير حده، وحده أن يكون الأول حرف لين والثاني حرفا مدغما نحو قوله "الظالين"، وخويصة، والثاني أخطاء طريق التخفيف لأن طريق تخفيف الهمزة المتحركة المفتوح ما قبلها أن تخرج بين بين فأما القلب ألفا فهو تخفيف الهمزة الساكنة المفتوح ما قبلها كهمزة رأس، والكشاف ١/ ١٥٤ -١٥٥..
٢٦ - الطيبي هو الحسن بن محمد بن عبد الله الطيبي شرف الدين توفي ٧٣٤هـ/ ١٣٤٢م عالم جليل له عدة مصنفات، انظر كحالة: معجم المؤلفين: ٤/٣٥، الزركلي، الاعلام ٢/٢٨٠..
٢٧ أ: السمع..
٢٨ - أ: قراءة..
٢٩ قال الطيبي: والقراءة بتحقيق الهمزتين لابن عامر وحمزة والكسائي وبتخفيف الثانية بين بين لابن كثير في رواية ورش وبتوسيطها والثانية بين بين لنافع وأبي عمرو وبحذف حرف الاستفهام وبحذفه والنون حركته على الساكن قبله، القراءتان شاذتان.
ثم قال: معلقا على سؤال الزمخشري: ما يقول في قلب الثانية ألفا وهي رواية ثانية لورش! وجوابه: هو لاحن خارج (أي على كلام العرب) فإن قلت: هذا من طعن فيما هو القراءات السبعة الثابتة بالتواتر وهو كفر؟
قلت: ليس بكفر لأن التواتر ما نقل بين دفتي مصحف الإمام وهذا من قبيل الأداء ونحوه المد والإمالة وتخفيف الهمزة بين بين، اهـ.
فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب للحسن محمد الطيبي مخطوط دار الكتب وطنية (العبدلية) رقم ٦٢٩٧ صفحة ٣٨ظ..

٣٠ - ب ج د: الكلام..
٣١ - ب ج د هـ: نقص..
٣٢ - وهو أحمد بن نصر الداودي فقيه مالكي توفي سنة ٣٠٧. له شرح الموطأ والواعي في الفقه والتصحيحة في شرح البخاري، انظر ابن فرحون، الديباج ص ٣٥، ومخلوف الشجرة ص ٨٢..
٣٣ - سلامة بز عبد الباقي بن سلامة الأنباري أديب مقرئ ولد سنة ٥٠٣هـ/ ١١٠٤م وتوفي سنة ٥٩٠هـ/ ١١٩٤م من مؤلفاته شرح البرهان للجويني، انظر كحالة ٤/٢٣٦..
٣٤ - د: الابياني..
٣٥ - د: الابياري..
٣٦ - البرهان: كتاب في أصول الفقه للإمام أبي المعالي بن عبد الملك الجويني النيسبوري الملقب بإمام الحرمين وهو كتاب يشتمل على معضلات جمة قال عنه السبكي: إنه – لغز الأمة – وقد شرحه كثيرون منهم بن سلامة الأنباري، انظر كشف الظنون: ١/٢٤٢، دائرة المعارف الإسلامية: ٧/١٨٠..
٣٧ - أبو المعالي بن عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الملقب بإمام الحرمين ولد عام ٤١٩هـ/ ١٠٢٨م وتوفي عام ٤٧٨هـ/١٠٨٥م.
ترك الجويني مصنفات عديدة لم يجد السبكي تعليلا لكثرتها إلا المعجزة أهمها: كتاب البرهان في أصول الفقه، انظر دائرة المعارف الإسلامية: ٧/١٧٩- ١٨٠. كحالة: ٦/١٨٤..

٣٨ - أبو عبد الله محمد بن محمد بن سلامة المتوفى سنة ٧٤٦هـ من شيوخ ابن عرفة ألف عدة مصنفات منها النكت المفيدة في شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني (توجد منه مخطوطة رقمها ٥٣٥ بدار الكتب الوطنية تونس)، السراج، الحلل ٣/٦٠٠، مخلوف شجرة النور: ص٢٠٩..
٣٩ - ج: نقص..
٤٠ - أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري المعروف بالإمام، خاتمة العلماء المحققين وأئمة الأعلام المجتهدين، (توفي سنة ٥٣٦هـ/١١٤١م)، انظر ترجمته شجرة النور ص١٢٧، كحالة: ١١/٣٢، الزركلي: ٧/١٦٤، كشف الظنون ص ٥٥٧..
٤١ - شرح البرهان للمازري وهو المسمى إيضاح المحصول من برهان الأصول وهو شرح لكتاب البرهان المذكور (التعليق ج ص١٢١)، شجرة النور ص١٢٧..
٤٢ - د: نقص..
٤٣ - ابن العربي: هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري فقيه مالكي أندلسي ولد سنة ٤٦٨هـ وتوفي سنة ٥٤٣هـ. يروى أنه ألف أربعين مصنفا دائرة المعارف الإسلامية: ١/٢٣٧..
٤٤ - العواصم والقواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، تأليف القاضي أبي بكر بن العربي، الكتاب حققه محب الدين الخطيب. طبع عدة مرات.
انظر رأي ابن العربي في العواصم والقواصم في مسألة جمع القرآن ص: ٦٦..

٤٥ - د: الابياري..
٤٦ - البيان والتحصيل: كتاب الصلاة الأول: ص٤٨ ظ مخطوط ١٢١٠١ تونس. وص ٤٢ و. ظ. مخوط رقم ١٠٦١٠ تونس..
٤٧ - أ ب ج د: الخلع، والتصحيح من – هـ- إذ لا وجود في البيان والتحصيل لكتاب الخلع الرابع وإنما الموجود هو كتاب الجامع الرابع..
٤٨ - البيان والتحصيل: كتاب الجامع الرابع ص ٨٨ ظ/ مخطوط رقم ١٢١٠٥ تونس..
٤٩ أ ب: الجوزي، هـ: الحرري، والتصحيح موافق لأصل الترجمة في الديباج ص ٩١..
٥٠ - إبراهيم بن أحمد الأنصاري الخزرجي الجزري يكنى أبا إسحاق أخذ عن علماء إفريقية في شتى العلوم وله في ذلك تصانيف كثيرة لم يخرجها من مسوداتها ولم يستطع غيره إخراجها لرداءة خطه، منها كيفية السباحة في بحر البلاغة والفصاحة ورفع المظالم عن كتاب المعالم، الديباج المذهب ص ٩١..
٥١ - أبو العباس أحمد بن إدريس البجائي الإمام العالم أخذ عن جماعة وعنه أبو زيد عبد الرحمان الوغليسي ويحيى الرهوني وابن خلدون. له شرح على ابن الحاجب نقل عنه ابن عرفة، شجرة النور ص ٢٣٣..
٥٢ - أ ب ج د هـ: البجاوي، والتصحيح من ترجمة أبي العباس بشجرة النور ص ٢٣٢..
٥٣ - أ: سواء..
٥٤ - أ: وينتج، ب ج: ويقبح..
٥٥ - أ ب ج د: نقص..
٥٦ - أ: نقص..
٥٧ - أ: ارادة..
٥٨ - أ: تصير..
٥٩ - د: بمنزل..
٦٠ - د: بياض..
٦١ - د: الاسم..
٦٢ - د: سوء..
٦٣ - أ ب: توافقهم..
٦٤ - أ: لبيان، ج د: بيان..
٦٥ - ابن فورك: محمد بن الحسين المتوفى سنة ٤٠٦هـ/١٠١٥م فقيه أصولي له مؤلفات عديدة، انظر ابن خلكان وفيات الأعيان: ١/٦١٠، كحالة، معجم المؤلفين ٩/٢٠٨..
٦٦ - ج: نقص..
٦٧ - ج: تقتضي لان..
٦٨ - أ: قال..
٦٩ - أ: قررنا..
٧٠ - ج: فقدم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى