أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ الآية.
لا يخفى أن الواو في قوله :﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ محتملة في الحرفين أن تكون عاطفة على ما قبلها، وأن تكون استئنافية. ولم يبين ذلك هنا، ولكن بين في موضع آخر أن قوله ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ معطوف على قوله ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، وأن قوله ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ استئناف، والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو ﴿غِشَاوَةً﴾ وسوغ الابتداء بالنكرة فيه اعتمادها على الجار والمجرور قبلها. ولذلك يجب تقديم هذا الخبر، لأنه هو الذي سوغ الابتداء بالمبتدأ كما عقده في الخلاصة بقوله :
ونحو عندي درهم ولي وطرملتزم فيه تقدم الخبر
فتحصل أن الختم على القلوب والأسماع، وأن الغشاوة على الأبصار، وذلك في قوله تعالى :﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلهه هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾، والختم : الاستيثاق من الشيء حتى لا يخرج منه داخل فيه ولا يدخل فيه خارج عنه، والغشاوة : الغطاء على العين يمنعها من الرؤية، ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص :
هويتك إذ عيني عليها غشاوةفلما انجلت قطعت نفسي ألومها
وعلى قراءة من نصب " غشاوة " فهي منصوبة بفعل محذوف أي وَجَعَلَ عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ كما في سورة الجاثية، وهو كقوله :
علفتها تبنًا وماءًا باردًاحتى شتت همالة عيناها
وقول الآخر :
ورأيت زوجك في الوغىمتقلدًا سيفًا ورمحا
وقول الآخر :
إذا ما الغانيات برزن يومًاوزجّجن الحواجب والعيونا
كما هو معروف في النحو. وأجاز بعضهم كونه معطوفًا على محل المجرور، فإن قيل : قد يكون الطبع على الأبصار أيضًا. كما في قوله تعالى في سورة النحل :﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ الآية. فالجواب : أن الطبع على الأبصار المذكور في آية النحل : هو الغشاوة المذكورة في سورة البقرة والجاثية، والعلم عند اللَّه تعالى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى