جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ).
وأصل الختم الطبع والخاتم هو الطابع يقال منه ختمت الكتاب إذا طبعته.
فإن قال لنا قائل وكيف يختم على القلوب وإنما الختم طبع على الأوعية والظروف والغلف، قيل فإن قلوب العباد أوعية لما أودعت من العلوم وظروف لما جعل فيها من المعارف بالأمور، فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع التي بها تدرك المسموعات، ومن قبلها يوصل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المغيبات، نظير معنى الختم على سائر الاوعية والظروف.
فإن قال فهل لذلك من صفة تصفها لنا فنفهمها أهي مثل الختم الذي يعرف لما ظهر للأبصار أم هي بخلاف ذلك. قيل قد اختلف أهل التأويل في صفة ذلك وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم.
فحدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي قال حدثنا يحيى بن عيسى عن الأعمش قال أرانا مجاهد بيده فقال كانوا يرون أن القلب في مثل هذا يعني الكف فإذا أذنب العبد ذنبا ضم منه وقال بإصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضم وقال بإصبع أخرى فإذا أذنب ضم وقال بأصبع أخرى هكذا حتى ضم أصابعه كلها قال ثم يطبع عليه بطابع قال مجاهد وكانوا يرون أن ذلك الرين.
حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن الاعمش عن مجاهد قال القلب مثل الكف فإذا أذنب ذنبا قبض أصبعا حتى يقبض أصابعه كلها وكان أصحابنا يرون أنه الران.
حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثني حجاج قال حدثنا ابن جريج قال قال مجاهد نبئت أن الذنوب على القلب تحف به من نواحيه حتى تلتقي عليه فالتقاؤها عليه الطبع والطبع الختم قال ابن جريج الختم ختم على القلب والسمع.
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين حدثني حجاج عن ابن جريج قال حدثني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول الران أيسر من الطبع والطبع أيسر من الأقفال والأقفال أشد ذلك كله. وقال بعضهم إنما معنى قوله ختم الله على قلوبهم أخبار من الله جل ثناؤهه عن تكبرهم وأعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق كما يقال إن فلانا الأصم عن هذا الكلام إذا امتنع من سماعه ورفع نفسه عن تفهمه تكبرا.
والحق في ذلك عندي ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله ﷺ وهو ما.
حدثنا به محمد بن يسار قال حدثنا صفوان بن عيسى قال حدثنا ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كان نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه فإن زاد زادت حتى يغلف قلبه فذلك الران الذي قال الله جل ثناؤه كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.
فأخبر ﷺ أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلفتها وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله عز وجل والطبع فلا يكون للإيمان إليها مسلك ولا للكفر منها مخلص فذلك هو الطبع والختم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في قوله ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الاوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم إلا بعد فضة خاتمه وحله رباطه عنها.
ويقال لقائلي القول الثاني الزاعمين أن معنى قوله جل ثناؤه ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم هو وصفهم بالاستكبار والإعراض عن الذي دعوا إليه من الإقرار بالحق تكبرا أخبرونا عن استكبار الذين وصفهم الله جل ثناؤ بهذه الصفة وإعراضهم عن الاقرار بما دعوا إليه من الايمان وسائر المعاني اللواحق به أفعل منهم أم فعل من الله تعالى ذكره بهم، فإن زعموا أن ذلك فعل منهم وذلك قولهم قيل لهم فإن الله تبارك وتعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وسمعهم وكيف يجوز أن يكون اعراض الكافر عن الايمان وتكبره عن الاقرار به وهو فعله عندكم ختما من الله على قلبه وسمعه وختمه على قلبه وسمعه فعل الله عز وجل دون فعل الكافر فإن زعموا أن ذلك جائز أن يكون كذلك لان تكبره وأعراضه كانا عن ختم الله على قلبه وسمعه فلما كان الختم سببا لذلك جاز أن يسمى مسببه به تركوا قولهم وأوجبوا أن الختم من الله على قلوب الكفار وأسماعهم معنى غير كفر الكافر وغير تكبره وإعراضه عن قبول الايمان والإقرار به وذلك دخول فيما أنكره ]
وهذه الآية من أوضح الأدلة على فساد قول المنكرين تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه ختم على قلوب صنف من كفار عباده وأسماعهم، ثم لم يسقط التكليف عنهم ولم يضع عن أحد منهم فرائضه ولم يعذره في شيء مما كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطبع على قلبه وسمعه، بل أخبر أن لجميعهم منه عذابا عظيما على تركهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه مع حتمه القضاء مع ذلك بأنهم لا يؤمنون.
القول في تأويل جل ثناؤه :﴿وَعَلَىَ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾.
وقوله : وَعلى أبْصَارِهمْ غشِاوَة خبر مبتدأ بعد تمام الخبر عما ختم الله جل ثناؤه عليه من جوارح الكفار الذين مضت قصصهم، وذلك أن غِشاوَة مرفوعة بقوله : وَعلى أبْصَارِهمْ فذلك دليل على أنه خبر مبتدأ، وأن قوله : خَتمَ اللّهُ على قُلُوبِهمْ قد تناهى عند قوله : وَعلى سَمْعِهمْ. وذلك هو القراءة الصحيحة عندنا لمعنيين، أحدهما : اتفاق الحجة من القراء والعلماء على الشهادة بتصحيحها، وانفراد المخالف لهم في ذلك وشذوذه عما هم على تخطئته مجمعون وكفى بإجماع الحجة على تخطئة قراءته شاهدا على خطئها. والثاني : أن الختم غير موصوفة به العيون في شيء من كتاب الله، ولا في خبر عن رسول الله ﷺ، ولا موجود في لغة أحد من العرب. وقد قال تبارك وتعالى في سورة أخرى : وَختَمَ على سَمْعهِ وَقَلْبِهِ ثم قال : وَجَعَلَ على بَصَرِه غِشاوَة فلم يدخل البصر في معنى الختم، وذلك هو المعروف في كلام العرب. فلم يجز لنا ولا لأحد من الناس القراءة بنصب الغشاوة لما وصفت من العلتين اللتين ذكرت، وإن كان لنصبها مخرج معروف في العربية. وبما قلنا في ذلك من القول والتأويل، رُوى الخبر عن ابن عباس.
حدثني محمد بن سعد، قال : حدثني أبي، قال : حدثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم والغشاوة على أبصارهم.
فإن قال قائل : وما وجه مخرج النصب فيها ؟ قيل له : إن نصبها بإضمار «جعل » كأنه قال : وجعل على أبصارهم غشاوة ثم أسقط «جعل » إذ كان في أول الكلام ما يدل عليه. وقد يحتمل نصبها على إتباعها موضع السمع إذ كان موضعه نصبا، وإن لم يكن حسنا إعادة العامل فيه على «غشاوة » ولكن على إتباع الكلام بعضه بعضا، كما قال تعالى ذكره : يَطُوفُ عَلَيْهمْ وُلْدَان مُخَلّدُونَ بأكْوَابٍ وأبارِيقَ ثم قال : وَفَاكهَة مِمّا يَتَخَيّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ وحُورٍ عينٍ فخفض اللحم والحور على العطف به على الفاكهة إتباعا لآخر الكلام أوله. ومعلوم أن اللحم لا يطاف به ولا بالحور، ولكن ذلك كما قال الشاعر يصف فرسه :
| عَلَفْتُها تِبْنا وَماءً بارِدا | حَتّى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناها |
| وَرَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى | مُتَقَلّدَا سَيْفا وَرُمْحَا |
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، قال : حدثنا ابن جريج، قال : الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر، قال الله تعالى ذكره : فإنْ يَشأ اللّهُ يَخْتِمْ على قَلْبِكَ وقال : وخَتمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشاوَةً والغشاوة في كلام العرب : الغطاء، ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص :
| تَبِعْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ | فَلمّا انْجَلَتْ قَطّعْتُ نَفْسِي ألُومُها |
| هَلا سألْتِ بَنِي ذُبْيانَ ما حَسَبي | إذَا الدّخانُ تَغَشّى الأشمَطَ البَرِمَا |
وإنما أخبر الله تعالى ذكره نبيه محمدا ﷺ عن الذين كفروا به من أحبار اليهود، أنه قد ختم على قلوبهم وطبع عليها فلا يعقلون لله تبارك وتعالى موعظة وعظهم بها فيما آتاهم من علم ما عندهم من كتبه، وفيما حدّد في كتابه الذي أوحاه وأنزله إلى نبيه محمد ﷺ، وعلى سمعهم فلا يسمعون من محمد ﷺ نبيّ الله تحذيرا ولا تذكيرا ولا حجة أقامها عليهم بنبوّته، فيتذكروا ويحذروا عقاب الله عز وجل في تكذيبهم إياه، مع علمهم بصدقه وصحة أمره وأعلمه مع ذلك أن على أبصارهم غشاوة عن أن يبصروا سبيل الهدى فيعلموا قبح ما هم عليه من الضلالة والردي.
وبنحو ما قلنا في ذلك رُوي الخبر عن جماعة من أهل التأويل.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : خَتمَ اللّهُ على قُلُوبِهِمْ وَعلى سَمْعهِمْ وَعلى أبْصَارِهِمْ غِشاوَة أي عن الهدى أن يصيبوه أبدا بغير ما كذبوك به من الحقّ الذي جاءك من ربك، حتى يؤمنوا به، وإن آمنوا بكل ما كان قبلك.
حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : خَتَم اللّهُ على قُلُوبِهِمْ وَعلى سَمْعِهِمْ يقول فلا يعقلون، ولا يسمعون. ويقول : وجعل على أبصارهم غشاوة، يقول : على أعينهم فلا يبصرون.
وأما آخرون فإنهم كانوا يتأوّلون أن الذين أخبر الله عنهم من الكفار أنه فعل ذلك بهم هم قادة الأحزاب الذين قتلوا يوم بدر.
حدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال : هاتان الآيتان إلي : وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ هم : الّذِينَ بَدّلُوا نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرا وأحَلّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوَار وهم الذين قتلوا يوم بدر فلم يدخل من القادة أحد في الإسلام إلا رجلان : أبو سفيان بن حرب، والحكم بن أبي العاص.
وحدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن الحسن، قال : أما القادة فليس فيهم مجيب، ولا ناج، ولا مهتد. وقد دللنا فيما مضى على أولى هذين التأويلين بالصواب كرهنا إعادته.
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
وتأويل ذلك عندي كما قاله ابن عباس وتأوّله.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : ولهم بما هم عليه من خلافك عذاب عظيم، قال : فهذا في الأحبا
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾
قال أبو جعفر: وأصلُ الختم: الطَّبْع. والخاتَم هو الطَّابع. يقال منه: ختمتُ الكتابَ، إذا طبَعْتَه.
فإن قال لنا قائل: وكيف يختِمُ على القلوبِ، وإنما الختمُ طبعٌ على الأوعية والظروف والغلف (١) ؟
قيل: فإن قلوبَ العباد أوعيةٌ لما أُودِعت من العلوم، وظروفٌ لما جُعل فيها من المعارف بالأمور (٢). فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع - التي بها تُدرَك المسموعات، ومن قِبَلها يوصَل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المُغَيَّبات - نظيرُ معنى الختم على سائر الأوعية والظروف.
فإن قال: فهل لذلك من صفةٍ تصفُها لنا فنفهمَها؟ أهي مثل الختم الذي يُعْرَف لما ظَهَر للأبصار، أم هي بخلاف ذلك؟
قيل: قد اختلف أهل التأويل في صفة ذلك، وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم:
٣٠٠- فحدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرَّمْلي، قال: حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، قال: أرانا مُجاهدٌ بيَدِه فقال: كانوا يُرَوْنَ أنّ القلبَ في مثل هذا - يعني الكفَّ - فإذا أذنبَ العبد ذنبًا ضُمّ منه - وقال بإصبعِه الخنصر هكذا (٣) - فإذا أذنب ضُمَّ - وقال بإصبع أخرى - فإذا أذنب ضُمَّ - وقال بإصبع أخرى هكذا، حتى ضم أصابعَه كلَّها، قال: ثم يُطبع عليه بطابَعٍ. قال
(٢) في المخطوطة: "من المعارف بالعلوم".
(٣) قال بإصبعه: أشار بإصبعه.
٣٠١- حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: القلبُ مثلُ الكفّ، فإذا أذنب ذنبًا قبض أصبعًا حتى يقبض أصابعه كلها - وكان أصحابنا يُرون أنه الرَّان (٢).
٣٠٢- حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، قال: حدثنا ابن جُريج، قال: قال مجاهد: نُبِّئت أنِّ الذنوبَ على القلب تحُفّ به من نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤُها عليه الطَّبعُ، والطبعُ: الختم. قال ابن جريج: الختْم، الخَتْم على القلب والسَّمع (٣).
٣٠٣- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: حدثني عبد الله بن كَثير، أنه سمع مجاهدًا يقول: الرّانُ أيسَرُ من الطَّبْع، والطَّبع أيسر من الأقْفَال، والأقفال أشدُّ ذلك كله (٤).
وهذا الأثر، سيأتي بهذا الإسناد في تفسير آية سورة المطففين: ١٤ (٣٠: ٦٣ بولاق). وذكره ابن كثير ١: ٨٢، والسيوطي ٦: ٣٢٦.
(٢) الأثر ٣٠١- سيأتي أيضًا (٣٠: ٦٣ بولاق). وأشار إليه ابن كثير ١: ٨٣ دون أن يذكر لفظه. وكذلك السيوطي ٦: ٣٢٥.
(٣) الأثر ٣٠٢- هذا من رواية ابن جريج عن مجاهد، والظاهر أنه منقطع، لأن ابن جريج يروي عن مجاهد بالواسطة، كما سيأتي في الأثر بعده. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٨٣، ولكنه محرف فيه من الناسخ أو الطابع.
(٤) الأثر ٣٠٣- عبد الله بن كثير: هو الداري المكي، أحد القراء السبعة المشهورين، وهو ثقة. وقد قرأ القرآن على مجاهد. وقد خلط ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/٢: ١٤٤ بينه وبين"عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي". ويظهر من كلام الحافظ في التهذيب ٥: ٣٦٨ أن هذا الوهم كان من البخاري نفسه، فلعل ابن أبي حاتم تبعه في وهمه دون تحقيق.
وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٨٣، وكذلك السيوطي ٦: ٣٢٦، وزاد نسبته إلى البيهقي.
قال أبو جعفر: والحق في ذلك عندي ما صَحَّ بنظيره الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما:-
٣٠٤- حدثنا به محمد بن بشار قال: حدثنا صفوان بن عيسى، قال: حدثنا ابن عَجْلان، عن القَعْقَاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ المؤمنَ إذا أذنب ذنبًا كانت نُكْتهٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب وَنزع واستغفر، صَقَلت قلبه، فإن زاد زادت حتى تُغْلق قلبه، فذلك"الرَّانُ" الذي قال الله جل ثناؤه: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (١) [سورة المطففين: ١٤].
محمد بن بشار: هو الحافظ البصري، عرف بلقب"بندار" بضم الباء وسكون النون. روى عنه أصحاب الكتب الستة وغيرهم من الأئمة. ووقع في المطبوعة هنا"محمد بن يسار"، وهو خطأ. ابن عجلان، بفتح العين وسكون الجيم: هو محمد بن عجلان المدني، أحد العلماء العاملين الثقات. القعقاع بن حكيم الكناني المدني: تابعي ثقة. أبو صالح: هو السمان، واسمه"ذكوان". تابعي ثقة، قال أحمد: "ثقة ثقة، من أجل الناس وأوثقهم".
والحديث رواه أحمد في المسند ٧٩٣٩ (٢: ٢٩٧ حلبي) عن صفوان بن عيسى، بهذا الإسناد. ورواه الحاكم ٢: ٥١٧ من طريق بكار بن قتيبة القاضي عن صفوان. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. ورواه الترمذي ٤: ٢١٠، وابن ماجه ٢: ٢٩١، من طريق محمد بن عجلان. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وذكره ابن كثير ١: ٨٤ من رواية الطبري هذه، ثم قال: هذا الحديث من هذا الوجه، قد رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن الليث بن سعد، وابن ماجه عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل والوليد ابن مسلم - ثلاثتهم عن محمد بن عجلان، به. وقال الترمذي: "حسن صحيح"، ثم ذكره مرة أخرى ٩: ١٤٣ من رواية هؤلاء ومن رواية أحمد في المسند. وذكره السيوطي ٦: ٣٢٥، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن حبان، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان.
وفي متن الحديث هنا، في المطبوعة"كان نكتة... صقل قلبه... حتى يغلف قلبه". وهو في رواية الطبري الآتية، كما في المخطوطة، إلا قوله"حتى تغلق قلبه"، فهي هناك"حتى تعلو قلبه".
ويقال لقائلي القول الثاني، الزاعمين أنّ معنى قوله جل ثناؤه"ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم"، هو وَصْفُهم بالاستكبار والإعراض عن الذي دُعوا إليه من الإقرار بالحق تكبُّرًا: أخبرونا عن استكبار الذين وَصَفهم الله جل ثناؤه بهذه الصفة، وإعراضِهم عن الإقرار بما دُعوا إليه من الإيمان وسائر المعاني اللَّواحق به - أفعلٌ منهم، أم فعلٌ من الله تعالى ذكرُه بهم؟
فإن زعموا أنّ ذلك فعلٌ منهم -وذلك قولهم- قيل لهم: فإنّ الله تبارك وتعالى قد أخبر أنه هو الذي خَتم على قلوبهم وسمْعهم. وكيف يجوز أن يكون إعراضُ الكافرِ عن الإيمان، وتكبُّره عن الإقرار به -وهو فعله عندكم- خَتمًا من الله على قلبه وسمعه، وختمهُ على قَلبه وسَمْعه، فعلُ الله عز وجل دُون الكافر؟
فإن زعموا أن ذلك جائز أن يكون كذلك - لأن تكبُّرَه وإعراضه كانا عن ختم الله على قلبه وسمعه، فلما كان الختمُ سببًا لذلك، جاز أن يسمى مُسَبِّبه به - تركوا قولَهم، وأوجبوا أنّ الختمَ من الله على قلوب الكفار وأسماعهم، معنًى غيرُ كفْرِ الكافِر، وغيرُ تكبره وإعراضه عن قبول الإيمان والإقرار به. وذلك دخولُ فيما أنكروه (٢).
(٢) في المطبوعة: "وذلك دخول فيما أنكروه".
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾
قال أبو جعفر: وقوله (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) خبرٌ مبتدأ بعد تمام الخبر عمَّا ختم الله جلَّ ثناؤه عليه من جوارح الكفّار الذين مضت قِصَصهم. وذلك أن"غِشاوةٌ" مرفوعة بقوله"وعلى أبصارهم"، فذلك دليل على أنه خَبرٌ مبتدأ، وأن قوله"ختم الله على قلوبهم"، قد تناهى عند قوله"وعلى سمْعهم".
وذلك هو القراءة الصحيحة عندنا لمعنيين:
أحدهما: اتفاق الحجة من القُرَّاء والعلماء على الشهادة بتصحيحها، وانفرادُ المخالف لهم في ذلك، وشذوذه عمّا هم على تَخطئته مجمعون. وكفى بإجماع الحجة على تخطئة قراءته شاهدًا على خطئها.
والثاني: أنّ الختمَ غيرُ موصوفةٍ به العيونُ في شيء من كتاب الله، ولا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا موجودٍ في لغة أحد من العرب. وقد قال تبارك وتعالى في سورة أخرى: (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ)، ثم قال: (وَجَعَلَ
وبما قلنا في ذلك من القولِ والتأويلِ، رُوي الخبر عن ابن عباس:
٣٠٥- حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس:"ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم"، والغشاوة على أبصارهم (١).
محمد بن سعد، الذي يروى عنه الطبري: هو محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعد بن جنادة العوفي، من"بني عوف بن سعد" فخذ من"بني عمرو بن عياذ بن يشكر بن بكر بن وائل". وهو لين في الحديث، كما قال الخطيب. وقال الدارقطني: "لا بأس به". مات في آخر ربيع الآخر سنة ٢٧٦. ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد ٥: ٣٢٢ - ٣٢٣. والحافظ في لسان الميزان ٥: ١٧٤. وهو غير"محمد بن سعد بن منيع" كاتب الواقدي، وصاحب كتاب الطبقات الكبير، فهذا أحد الحفاظ الكبار الثقات المتحرين، قديم الوفاة، مات في جمادي الآخرة سنة ٢٣٠.
أبوه"سعد بن محمد بن الحسن العوفي": ضعيف جدًّا، سئل عنه الإمام أحمد، فقال: "ذاك جهمي"، ثم لم يره موضعًا للرواية ولو لم يكن، فقال: "لو لم يكن هذا أيضًا لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعًا لذاك". وترجمته عند الخطيب ٩: ١٣٦ - ١٢٧، ولسان الميزان ٣: ١٨ - ١٩.
عن عمه: أي عم سعد، وهو"الحسين بن الحسن بن عطية العوفي". كان على قضاء بغداد، قال ابن معين: "كان ضعيفًا في القضاء. ضعيفًا في الحديث". وقال ابن سعد في الطبقات: "وقد سمع سماعًا كثيرًا، وكان ضعيفًا في الحديث". وضعفه أيضًا أبو حاتم والنسائي. وقال ابن حبان في المجروحين: "منكر الحديث.. ولا يجوز الاحتجاج بخبره". وكان طويل اللحية جدا، روى الخطيب من أخبارها طرائف، مات سنة ٢٠١. مترجم في الطبقات ٧/٢/ ٧٤، والجرح والتعديل ١/٢/ ٤٨، وكتاب المجروحين لابن حبان، رقم ٢٢٨ ص ١٦٧، وتاريخ بغداد ٨: ٢٩ - ٣٢، ولسان الميزان ٢: ٢٧٨.
عن أبيه: وهو"الحسن بن عطية بن سعد العوفي"، وهو ضعيف أيضًا، قال البخاري في الكبير: "ليس بذاك"، وقال أبو حاتم: " ضعيف الحديث". وقال ابن حبان: "يروى عن أبيه، روى عنه ابنه محمد بن الحسن، منكر الحديث، فلا أدري: البلية في أحاديثه منه، أو من أبيه، أو منهما معًا؟ لأن أباه ليس بشيء في الحديث، وأكثر روايته عن أبيه، فمن هنا اشتبه أمره، ووجب تركه". مترجم في التاريخ الكبير ١/٢/ ٢٩٩، وابن أبي حاتم ١/٢/ ٢٦، والمجروحين لابن حبان، رقم ٢١٠ ص ١٥٨، والتهذيب.
عن جده: وهو"عطية بن سعد بن جنادة العوفي"، وهو ضعيف أيضًا، ولكنه مختلف فيه، فقال ابن سعد: "كان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة. ومن الناس من لا يحتج به"، وقال أحمد: "هو ضعيف الحديث. بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير. وكان الثوري وهشيم يضعفان حديث عطية". قال: صالح". وقد رجحنا ضعفه في شرح حديث المسند: ٣٠١٠، وشرح حديث الترمذي: ٥٥١، وإنما حسن الترمذي ذاك الحديث لمتابعات، ليس من أجل عطية. وقد ضعفه النسائي أيضًا في الضعفاء: ٢٤. وضعفه ابن حبان جدًّا، في كتاب المجروحين، قال: ".. فلا يحل كتبة حديثه إلا على وجه التعجب"، الورقة: ١٧٨. وانظر أيضًا: ابن سعد ٦: ٢١٢ - ٢١٣ والكبير البخاري ٤/١/ ٨ - ٩. والصغير ١٢٦. وابن أبي حاتم ٣/١/ ٣٨٢ - ٣٨٣. والتهذيب.
والخبر نقله ابن كثير ١: ٨٥، والسيوطي في الدر المنثور ١: ٢٩، وزاد نسبته لابن أبي حاتم. وكذلك صنع الشوكاني ١: ٢٨.
قيل له: أن تنصبها بإضمار"جعل" (١)، كأنه قال: وجعل على أبصارهم غِشَاوةً، ثم أسقط"جعل"، إذْ كان في أول الكلام ما يدُلّ عليه. وقد يحتمل نَصبُها على إتباعهِا موضعَ السمع، إذ كان موضعه نصبًا، وإن لم يكن حَسَنًا إعادةُ العامل فيه على"غشاوة"، ولكن على إتباع الكلام بعضِه بعضًا، كما قال تعالى ذكره: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ)، ثم قال: (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ)، [سورة الواقعة: ١٧-٢٢]، فخفَضَ اللحمَ والحورَ على العطف به على الفاكهة، إتباعًا لآخر الكلام أوّلَه. ومعلومٌ أن اللحمَ لا يطاف به ولا بالحور العين، ولكن كما قال الشاعر يصف فرسه:
| عَلَفْتُهَا تِبْنًا ومَاء بارِدًا | حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا (٢) |
(٢) لا يعرف قائله، وأنشده الفراء في معاني القرآن ١: ١٤ وقال: "أنشدني بعض بني أسد يصف فرسه"، وفي الخزانة ١: ٤٩٩: "رأيت في حاشية صحيحة من الصحاح أنه لذي الرمة، ففتشت ديوانه فلم أجده". وسيأتي في تفسير آية سورة المائدة: ١٠٩ (٧: ٨١ بولاق). وقوله"شتت" من شتا بالمكان: أقام فيه زمن الشتاء، وهو زمن الجدب، وهمالة: تهمل دمعها أي تسكبه وتصبه من شدة البرد.
| ورأَيْتُ زَوْجَكِ فِي الوَغَى | مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحَا (١) |
٣٠٦- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: حدثنا ابن جُريج، قال: الختمُ على القلب والسمع، والغشاوة على البَصَر، قال الله تعالى ذكره: (فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ) (٢)، وقال: (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) [سورة الجاثية: ٢٣].
والغشاوة في كلام العرب: الغطاءُ، ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص:
| تَبِعْتُكَ إذْ عَيْني عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ | فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطعْتُ نَفْسِي أَلُومُهَا (٣) |
(٢) الأثر ٣٠٦- ساقه ابن كثير في تفسيره ١: ٨٥، والشوكاني ١: ٢٨.
(٣) الشاعر هو الحارث بن خالد المخزومي، ويأتي البيت في تفسير آية سورة الأعراف: ١٨ (٨: ١٠٣ بولاق)، وروايته هناك: "صحبتك إذ عيني.. أذيمها"، شاهدًا على"الذام"، وهو أبلغ في العيب من الذم، ثم قال أبو جعفر: "وأكثر الرواة على إنشاده: ألومها"، وخبر البيت: أن عبد الملك بن مروان لما ولى الخلافة حج البيت، فلما انصرف رحل معه الحارث إلى دمشق، فظهرت له منه جفوة، وأقام ببابه شهرًا لا يصل إليه، فانصرف عنه وقال البيت الشاهد وبعده:
| وما بِيَ إن أقصَيتنِي من ضَرَاعةٍ | وَلاَ افْتَقَرَتْ نَفْسِي إلى مَنْ يَضِيمُها |
| هَلا سَأَلْتِ بَنِي ذُبيَان مَا حَسَبي | إذَا الدُّخانُ تَغَشَّى الأشمَط البَرَمَا (١) |
وإنما أخبر الله تعالى ذكره نبيه محمدًا ﷺ عن الذين كفروا به من أحبار اليهود، أنه قد خَتَم على قلوبهم وطَبَع عليها - فلا يعقلون لله تبارك وتعالى موعظةً وعظهم بها، فيما آتاهم من علم ما عندهم من كُتبِه، وفيما حدَّد في كتابه الذي أوحاه وأنزله إلى نبيّه محمد ﷺ - وعلى سمعهم، فلا يسمَعُون من محمد ﷺ نبيِّ الله تحذيرًا ولا تذكيرًا ولا حجةً أقامها عليهم بنبوَّته، فيتذكُروا ويحذروا عقاب الله عز وجلّ في تكذيبهم إياه، مع علمهم بصدقه وصحّة أمره. وأعلمه مع ذلك أنّ على أبصارهم غشاوةً عن أن يُبصروا سبيل الهُدَى، فيعلموا قُبْحَ ما هم عليه من الضلالة والرَّدَى.
وبنحو ما قلنا في ذلك، رُوي الخبر عن جماعة من أهل التأويل:
٣٠٧- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ)، أيْ عن الهدى أن يُصيبوه أبدًا بغير ما كذبوك به من الحقّ الذي جاءك من ربِّك، حتى يؤمنوا به، وإن آمنوا بكل ما كان قبلك (٢).
٣٠٨- حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول
(٢) الخبر ٣٠٧- ذكره السيوطي ١: ٢٩ متصلا بما مضى: ٢٩٥، ٢٩٩ وبما يأتي: ٣١١. ساقها سياقًا واحدًا.
وأما آخرون، فإنهم كانوا يتأولون أنّ الذين أخبر الله عنهم من الكفّار أنه فعل ذلك بهم، هم قادة الأحزاب الذين قتلوا يوم بدر.
٣٠٩- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: هاتان الآيتان إلى (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) هم (الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) [سورة إبراهيم: ٢٨]، وهمُ الذين قُتلوا يوم بدر، فلم يدخل من القادة أحدٌ في الإسلام إلا رجلان: أبو سفيان بن حَرْب، والحَكَم بن أبي العاص (٢).
٣١٠- وحدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن الحسن، قال: أما القادةُ فليس فيهم مُجيبٌ ولا ناجٍ ولا مُهْتَدٍ.
وقد دللنا فيما مضى على أوْلى هذين التأويلين بالصواب، فكرهنا إعادته.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
وتأويلُ ذلك عندي، كما قاله ابن عباس وتأوّله:
(٢) الأثر ٣٠٩- هو تتمة الأثر الماضي: ٢٩٨، كما ساقه السيوطي ١: ٢٩، والشوكاني ١: ٢٨. وقد أشرنا إليه هناك.