الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ : أي طبع ﴿عَلَى قُلُوبِهمْ﴾ والختم والطبع بمعنى واحد وهما التغطية للشيء [ والاستيثاق ] من أن يدخله شيء آخر.
فمعنى الآية : طبع الله على قلوبهم وأغلقها وأقفلها فليست تعي خبراً ولا تفهمه. يدل عليه قوله :﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: ٢٤].
وقال بعضهم : معنى الطبع والختم : حكم الله عليهم بالكفر والشقاوة كما يُقال للرجل : ختمت عليك أن لا تفلح أبداً. ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ : فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به، وإنما وحّده لأنه مصدر، والمصادر لا تُثنّى ولا تجمع، وقيل : أراد سمع كل واحد منهم كما يُقال : آتني برأس كبشين، أراد برأس كل واحد منهما، قال الشاعر :
كلوا في نصف بطنكم تعيشوافإن زمانكم زمن خميص
وقال سيبويه : توحيد السمع يدل على الجمع لأنه لا توحيد جمعين كقوله تعالى :﴿يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] يعني الأنوار.
قال الراعي :
بها جيف الحسري فأما عظامهافبيض وأما جلدها فصليب
وقرأ ابن عبلة : وعلى أسماعهم، وتم الكلام عند قوله ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾.
ثم قال :﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ : أي غطاء وحجاب، فلا يرون الحق، ومنه غاشية السرج، وقرأ المفضل بن محمد الضبي :﴿غِشَاوَةٌ﴾ بالنصب كأنّه أضمر له فعلا أو جملة على الختم : أي وختم على أبصارهم غشاوة.
يدل عليه قوله تعالى :﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣].
وقرأ الحسن :﴿غُشَاوَةٌ﴾ بضم الغين، وقرأ الخدري :﴿غَشَاوَةٌ﴾ بفتح الغين، وقرأ أصحاب عبد الله : غشوة بفتح الغين من غير ألف. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ : القتل والأسر في الدنيا، والعذاب الأليم في العقبى، والعذاب كلّ ما يعنّي الإنسان ويشقّ عليه، ومنه : عذّبه السواط ما فيها من وجود الألم، وقال الخليل : العذاب ما يمنع الانسان من مراده، ومنه : الماء العذب لأنه يمنع من العطش.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى