الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ )[ ٦ ].
معناه(١) طبع الله عليها مجازاة(٢) لهم بكفرهم.
وقيل : معناه : حكم الله عليهم بذلك لما سبق في/ علمه من أنهم لا يؤمنون.
وقيل : معناه : أنهم [ لما تجاهلوا عن(٣) ] قبول أمر الله عز وجل وفهمه، وَصَمُّوا عن أمر الله سبحانه، جعل الله تعالى ذلكم منسوباً إليهم عن فعلهم، كما يقال : " أهلكه المال " أي(٤) هلك به.
وقيل : معناه : أن الله تعالى جعل ذلك علامة تعرفهم بها الملائكة.
وأصل الختم الطبع. والرين على القلب دون الطبع، والقفل أشد من الختم(٥).
قال مجاهد : " القلب مثل الكف، فإذا أذنب العبد قبض عليه –وأشار بقبض(٦) الخضر تمثيلاً- ثم إذا أذنب قبض عليه، ومثل بقبض(٧) البنصر هكذا حتى ضَمَّ أصابعه كلها. ثم يطبع عليه أي يختم(٨) ".
وقال ابن عباس : " إنما سمي القلب قلباً لأنه يتقلب ".
وروى أبو موسى الأشعري(٩) أن النبي [ عليه السلام(١٠) ] قال : " الْقَلْبُ مِثْلُ رِيشَةٍ فِي فَلاَةٍ يُقَلِّبُهَا الرِّيحُ(١١) ".
وعنه في حديث آخر : " تُقَلِّبُهَا الرِّيحُ بِأَرضِ " فضاءِ ظَهر(١٢) البَطْنِ ".
قوله :( عَلَى قُلُوبِهِمْ ). تكتب " على " و " إلى " و " لدى " (١٣) بالياء دون سائر الحروف مثلها لأنها أخف من الأفعال، وكثر استعمالها، ولأن ألفها يرجع إلى الياء مع المضمر دون سائر الحروف فكتبت(١٤) مع المظهر(١٥) بالياء لذلك.
وتقع " على " بمعنى الباء(١٦)، تقول : " آركب على اسم الله " أي باسم الله.
وتقع بمعنى " مع " نحو قولك : " جئت على زيد " أي معه. وتقع بمعنى " من " نحو قوله :( عَلَى النَّاسِ/ يَسْتَوْفُونَ ) [المطففين: ٢] أي من الناس. وتقع أيضاً في مواضع حروف أخر قد ذكرناها في كتاب مفرد للحروف(١٧).
وقوله :( وَعَلَى سَمْعِهِمْ )[ ٦ ].
إنما وُحِّد السمع لأنه مصدر يقع على القليل والكثير(١٨).
وقيل : وُحِّد لأنه يؤدي عن الجمع(١٩).
وقيل : التقدير : " وعلى مواضع سمعهم(٢٠) "، ثم حذف المضاف وإنما أعيدت " على " في قوله : " ( وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ ) للتأكيد في الوعيد.
وقيل : أعيدت لأجل مخالفة السمع للقلوب في أنه أتى/ بلفظ التوحيد، وأتت القلوب بالجمع.
وقيل : أعيدت لأن الفعل مضمر مع الحرف تقديره : " وختم على سمعهم ". فأما إعادة الحرف(٢١) في ( وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ )، فلِلعِلَلِ التي ذكرنا، ولأنه حرف متصل بفعل مضمر غير الأول فقويت فيه الإعادة، والتقدير : " وجعل على أبصارهم غشاوة ". وهذا، إنما هو على قراءة من نصب غشاوة(٢٢)، وهو مروي عن عاصم.
فأما من رفع، فإنما أعيد الحرف لأنه مخالف للأول، لأنه خبر ابتداء(٢٣).
ومعنى الغشاوة الغطاء، ومنه : " غاشية السيف والسرج " أي غطاؤه(٢٤).
وفي ( غِشَاوَةٌ )، لغات قرئ بها، وهي فتح الغين ؛ وبه قرأ أبو حيوة(٢٥)، وضم الغين ؛ وبه قرأ(٢٦) الحسن. وقرأ الأعمش(٢٧) " غَشْوَة(٢٨) " على فعلة(٢٩).
١ - في ع٢: أي..
٢ - في ح، ق: مجازاة، وهو تحريف..
٣ - في ع٢: مما تجاهلوا على..
٤ - في ع٢: أو..
٥ - وهو معنى قول مجاهد. انظر: جامع البيان ١/٢٥٩..
٦ - في ق: تقبض. وهو تصحيف..
٧ - في ق: يقبض، وهو تصحيف..
٨ - انظر: جامع البيان ١/٥٨-٥٩..
٩ - هو عبد الله بن قيس بن سليم الصحابي المشهور (ت٥٠هـ) بالكوفة. انظر: طبقات ابن خياط ٦٨، وطبقات ابن سعد ٤/١٠٥، والاستيعاب ٣/٩٧٩..
١٠ - في ع٢ ع٣: صلى الله عليه وسلم..
١١ - أورده القرطبي في تفسيره ١/١٨٨..
١٢ - في ع١، ع٢، ق، ع٣: فظاهراً..
١٣ - في ع٣: الذي. وهو تحريف..
١٤ - في ق: تكتب..
١٥ - في ع١: المطهر، وفي ع٣، ق: المضمر..
١٦ - في ع١، ق: الياء. وهو تصحيف..
١٧ - انظر: إصلاح الوجوه والنظائر ٣٣٢-٣٣٣..
١٨ - انظر: هذا التعليل في إعراب القرآن ١/١٣٦، والبيان ١/٥٢، المحرر الوجيز ١/١٠٨..
١٩ - البيان ١/٥٢..
٢٠ - انظر: مشكل الإعراب ١/٧٦، والبيان ١/٥٢، وتفسير القرطبي ١/١٩٠..
٢١ - سقط من ع٣..
٢٢ - انظر: المحرر الوجيز ١/١٠٩، والقطع والإئتناف ١١٧..
٢٣ - انظر: الإملاء ١/١٥..
٢٤ - انظر: مجاز القرآن ١/٣١، وجامع البيان ١/٢٦٥. ومنه قول الحارث بن خالد المخزومي كما ورد في المحرر الوجيز ١/١٠٨.
تبعتك إذ عيني عليها غشاوةٌ فلما انجَلَتْ قَطَعْتُ نَفْسي أَلُومُها..

٢٥ - في جميع النسخ: حيدة. وهو تحريف. ووجهته بالمناسب. وأبو حَيْوَة بنصب الحاء وسكون الياء وفتح الواو. هو شريح بن يزيد الحضرمي الحمصي. مقرئ الشام روى القراءة عن الكسائي (ت٢٠٣هـ). انظر: طبقات ابن خياط ٣١٧ وطبقات القراء ١/٣٢٥. وقد وردت هذه القراءة في المحرر الوجيز ١/١١٠، وتفسير القرطبي ١/١٩١، والإملاء ١/١٥..
٢٦ - في ق: قرئ. انظر: هذه القراءة في تفسير القرطبي ١/١٩١، والإملاء ١/١٥..
٢٧ - وهو سليمان بن مهران، تابعي، أخذ القراءة عن النخعي، وروى عنه ابن أبي ليلى (ت١٤٨هـ). انظر: طبقات ابن خياط ١٦٤، وطبقات القراء ١/٣١٥..
٢٨ - في ع٣: غشاوة، وهو تحريف..
٢٩ - وهي أيضاً قراءة أبي عمرو. انظر: تفسير القرطبي ١/١٩٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى