كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾. أي طبعَ على قلوبهم ؛ والختمُ والطبعُ بمعنى واحدٍ ؛ وهو التغطيةُ للشيء. والمعنى طبعَ الله على قلوبهم ؛ أي أغلَقها وأقفلَها ؛ فليست تفقهُ خيراً ولا تفهمهُ. ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ فلا يسمعون الحقَّ ولا ينتفعون به، وإنَّما وحَّدهُ وقد تخللَّ بين جمعين ؛ لأنه مصدرٌ ؛ والمصدرُ لا يُثنى ولا يُجمع. وقيل : أراد سَمْعَ كلِّ واحدٍ منهم كما يقالُ : أتانِي برأسِ كَبشَين ؛ أرادَ برأس كلِّ واحد منهما. وقال سيبويه :(تَوْحِيْدُ السَّمْعِ يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ ؛ لأَنَّهُ تَوَسَّطَ جَمْعَيْنِ) كقولهِ تعالى :﴿يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾[البقرة: ٢٥٧] وقولهِ تعالى :﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾[المعارج: ٣٧] يعني الأنوارُ والإيْمانُ ؛ وقرأ ابنُ عَبْلَةَ :﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾.
وتَمَّ الكلام عند قولهِ :﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ ثُم قالَ :﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾. أي غطاءٌ وحجابٌ فلا يَرَوْنَ الحقَّ. وقرأ المفضَّلُ بن محمَّدٍ :(غِشَاوَةً) بالنصب ؛ كأنه أضمرَ فعلاً أو جملةً على الختم ؛ أي خَتَمَ على أبصارهم غِشاوةً، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾[الجاثية: ٢٣]. وقرأ (غُشَاوَةً) بضمِّ الغَين. وقرأ الجُحْدَريُّ :(غَشَاوَةً) بفتح الغَين. وقرأ أصحابُ عبدِالله :(غَشْوَةً) بفتح الغين بغيرِ ألِفٍ. ومن رفعَ (غِشَاوَةٌ) فعلَى الابتداءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾، يعني القتل والأسرُ. وقال الخليلُ :(العَذَابُ مَا يَمْنَعُ الإنْسَانَ مِنْ مُرَادِهِ). وقيل : هو إيصالُ الألَمِ إلى الحيِّ مع الْهَوَانِ بهِ ؛ ولِهذا لا يُسمَّى ما يفعلُ اللهُ بالبهائم والأطفالِ عذاباً ؛ لأنه لَيسَ على سبيل الْهَوانِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى